في يوم الإثنين (^٦) مستهل المُحَرّم خرج سيف الدين تنكز بالجيوش قاصدًا مَلَطْيَةَ، وخرجت الأطلاب (^٧) على راياتها، وأبرزوا ما عندهم من العُدَد وآلات الحرب، وكان يومًا مشهودًا، وخرج مع الجيش ابن صَصْرَى، لأنّه قاضي العساكر وقاضي قضاة الشامية، فساروا حتى دخلوا حَلَبَ فِي الحَادِي عَشَرَ من الشهر، ومنها وَصَلوا (^٨) في السادس عشر إلى بلاد الروم إلى مَلَطْيَةَ، فشرعوا في محاصرتها في الحادي والعشرين من المُحَرَّم، وقد حُصِّنَت ومُنِعَتْ وغُلِّقَتْ أبوابها، فلما رأوا كثرة الجيش نزلَ متولّيها
_________________
(١) ترجمتها في الدرر الكامنة (٣/ ٢٢٦) وشذرات الذهب (٦/ ٣٤).
(٢) في الدرر الكامنة بنت عياش.
(٣) ليست في ب.
(٤) ليست في ب والذي فيه: استهلت والخليفة والسلطان والنواب والقضاة والمباشرون هم هم، وقد أُعيد أمينُ المُلك إلى الوزارة في أواخر السنة الخارجة، ومحتسب دمشق بدر الدين بن الحدّاد، ونائب حلب علاء الدين ألطنبغا.
(٥) "ملطية": والعامة تقول بتشديد الياء وكسر الطاء (ملطيَّة). من بناء الإسكندر، وجامعها من بناء الصحابة، بلدة من بلاد الرّوم مشهورة مذكورة تتاخم الشام. ياقوت: وأطلس تاريخ الإسلام (الخريطة ١١٨ ص ٢٢٧) و(الخريطة ١٤٣ ص ٣٠٣).
(٦) فوات الوفيات (١/ ٢٥٢) والدرر الكامنة (١/ ٥٢١) وابن خلدون (٥/ ٤٢٧) وبدائع الزهور (١/ ٤٤٦).
(٧) الأطلاب: الكتائب.
(٨) في ب: ومنها توجه الجيش.
[ ١٦ / ١١٦ ]
وقاضيها، وطلبوا الأمان، فأَمَّنُوا المسلمين ودخلوها، فقتلوا من الأزمن خلقًا ومن النَّصارى، وأسروا ذريةً كثيرةٌ، وتعدّى ذلك إلى بعض المسلمين وغَنِمُوا شيئًا كثيرًا، وأخذت أموال كثير من المسلمين ورجعوا عنها بعد ثلاثة أيام، يوم الأربعاء رابع عشرين المحرَّم إلى عَيْن تَاب (^١) إلى مرج دابق (^٢)، وزُيّنت (^٣) دمشق ودقت البشائر.
وفي أول صفر دَخل (^٤) نائب ملطية متوجهًا إلى السلطان.
وفي نصف الشهر وصل قاضيها الشَّريف شمس الدين ومعه خلق من المسلمين من أهلها.
وفي بكرة نهار الجمعة سادس عشر ربيع الأول دخل تنكز دمشق وفي خدمته الجيوش الشامية والمصرية (^٥)، وخرج النَّاسُ للفُرجة عليهم على العادة، وأقام المصريون قليلًا ثم ترَحَّلُوا إلى القاهرة.
وقد كانت مَلَطْيَةُ إقطاعًا للجُوْبَان (^٦) أطلقها له ملك التّتر، فاستناب بها رجلًا كرديًا فتعدى وأساء وظلم، وكاتب أهلها السُّلطان الناصر وأحبُّوا أن يكونوا من رعيَّته، فلما ساروا إليها وأخذوها وفعلوا ما فعلوا فيها، جاءها بعد ذلك الجُوبان فعَمَرَها وردَّ إليها خلقًا من الأزمن وغيرهم.
وفي التاسع عشر من هذا الشهر وصل إلينا الخبر بمَسْك بَكْتَمُر الحاجب وأَيْدُغْدِي شُقَيْر وغيرهما (^٧)، وكان ذلك يوم الخميس مستهل هذا الشهر، وذلك أنّهم اتفقوا على السلطان فبلغه الخبرُ فمسكَهُم، واحتيط على أموالهم وحواصلهم، وظهر لبكْتَمُر أموال كثيرة وأمتعة وأخشاب وحواصل كثيرة.
وقد قدم قجليس من القاهرة فاجتاز بدمشق إلى ناحية طرابلس، قدم (^٨) سريعًا ومعه الأمير سيف الدّين تَمُر (^٩) نائب طرابلس تحت الحوطة.
ومُسك بدمشقَ الأمير سيف الدين بهادرآص المنصوري فحمل الأَوَّل إلى القاهرة، وجعل مكانه في
_________________
(١) هي قلعة حصينة بين حلب وإنطاكية، وهي الآن من أعمال حلب. ياقوت (٤/ ١٧٦).
(٢) هي: بلدة شمالي حلب، وفيها كانت الوقعة الفاصلة بين الأتراك بقيادة السلطان سليم والمماليك سنة ١٥١٦ م. انظر "أطلس تاريخ الإسلام" (ص ٣٥٩) والخريطة رقم (١٦٤).
(٣) في ب: ولما وصلت الأخبار بفتح ملطية زينت دمشق. وهو الأنسب.
(٤) في ط: رحل.
(٥) في ب: الجيوش المنصورة من الشاميين والمصريين.
(٦) هو: جوبان النوين الكبير، نائب المملكة القانية، قتل سنة (٧٢٨ هـ) في المدينة المنورة ودفن بالبقيع. الدرر الكامنة (١/ ٥٤٢).
(٧) مسك معهم: الأمير طُفاي والأمير تمر الساقي كما سيأتي.
(٨) في ب: عاد.
(٩) في ط: تمير.
[ ١٦ / ١١٧ ]
نيابة طَرَابُلُس كُسْتاي (^١)، وحمل الثاني إلى الكَرَك (^٢) وحزن النَّاسُ عليه ودَعَوْا له.
وفي يوم الخميس الحادي والعشرين من ربيع الآخر قدم عز الدين بن مبشر دمشق محتسبًا وناظر الأوقاف وانصرف ابن الحداد عن الحِسبة، وبهاء الدين (^٣) عن نظر الأوقاف.
وفي ليلة الإثنين ثالث عشر جمادى الأولى وقع حريق قبالة مسجد الشنباشي داخل باب الصغير، احترق فيه دكاكين ودور وأموال وأمتعة.
وفي يوم الأربعاء سادس عشرَ جُمادى الآخرة درّس قاضي مَلَطْبَة الشريف شمس الدين بالمدرسة الخاتونية البرانية (^٤) عوضًا (^٥) عن قاضي القضاة الحنفي البصروي، وحضر عنده الأعيان، وهو رجلٌ له فضيلة وخلق حسن، كان قاضيًا بملطية وخطيبًا بها نحوًا من عشرين سنة.
وفي يوم الخميس رابع جمادى الآخرة أُعيد ابن الحداد إلى الحِسْبة، واستمر ابن مُبَشِّر ناظر الأوقاف.
وفي يوم الأربعاء تاسع جمادى الآخرة درّس ابن صَصْرَى بالأتابكية (^٦) عوضًا عن الشيخ صفي الدين الهندي.
وفي يوم الأربعاء الآخر حَضَر ابن الزَّمْلَكاني دَرْسَ الظاهرية الجوانية عوضًا عن الهندي أيضًا بحكم وفاته كما ستأتي ترجمته.
وفي أواخر رجب أُخرج الأمير جمال الدين أقوش نائبُ الكَرَك من سجن القاهرة وأعيد إلى الإمرة.
وفي شعبان توجه خمسة آلاف من بلاد حلب فأغاروا على بلاد آمد، وفتحوا بلدانًا كثيرة، وقتلوا وسَبَوْا وعادوا سالمين، وخَمسُوا ما سَبَوْا فبلغ سهمُ الخُمُس أربعة آلاف رأس وكُسُور (^٧).
_________________
(١) كُسْتاي الناصري مات سنة (٧١٦ هـ) الدرر (٣/ ٢٦٨).
(٢) ليست في ط.
(٣) في ب: ابن عليمة. وهو: بهاء الدين إبراهيم بن جمال الدين يحيى الحنفي المعروف بابن عليمة، وسيأتي في أحداث جمادى الآخرة من السنة القادمة، سنة (٧١٦ هـ).
(٤) الخاتونية البرانية: هي مسجد خاتون على الشرف القبلي، على القنوات، بصنعاء الشام - الدارس (١/ ٥٠٢). ويعرف مكانها الذي هي فيه بتل الثعالب. وانظر كلامًا طويلًا جميلًا فيها في منادمة الأطلال (ص ١٦٧ - ١٦٨).
(٥) في ب: انتزعت له من.
(٦) الأتابكية بصالحية دمشق. الدارس (١٣١١).
(٧) ذكره ابن خلدون (٥/ ٤٢٧). وقال: إنهم توجهوا إلى عرقية، والاعتقاد أنها عَرْقة من أعمال حلب. وقد ذكرها ياقوت (٤/ ١٠٩).
[ ١٦ / ١١٨ ]
وفي أواخر رمضان وصل قَرَاسُنقُر المنصوري إلى بغداد ومعه زوجته الخاتون بنت أَبْغَا ملك التتر (^١) وجاء إلى خدمة خَرْبندَا، واستأذنه في الغارة على أطراف بلاد المسلمين فلم يأذن له، ووثَبَ عليه رجل فداوي من جهة صاحب مصر فلم يقدر عليه وقتل الفداوي.
وفي يوم الأربعاء سادس عشرين رمضان درس بالعادلية الصغيرة (^٢) الفقيه الإمام فخر الدين محمد بن علي المصري المعروف بابن كاتب قُطلُوبَك (^٣)، بمقتضى نزول مدرّسها كمال الدين بن الزَّمْلَكاني له عنها، وحضر عنده القضاة والأعيان، والخَطيبُ وابنُ الزَّمْلَكاني أيضًا.
وفي هذا الشهر كَمُلَت عمارة القيسارية المعروفة بالدهشة عند الوراقين واللبادين وسكنها التجار، فتميزت بذلك أوقاف الجامع، وذلك بمباشرة الصَّاحب شمس الدين (^٤).
وفي ثامن شوال قتل أحمد الزويني (^٥) شهد عليه بالعظائم من ترك الواجبات واستحلال المحرمات واستهانته وتنقيصه بالكتاب والسُّنَّة، فحكم المالكي بإراقة دمه وإن أسلم، فاعتقل ثم قتل.
وفي هذا اليوم كان خروج الركب الشّامي وأميره سيف الدين طَقْتَمُر الموساوي وقاضيه قاضي مَلَطْيَةَ.
وحج فيه قاضي حماة وحلب وماردين ومحيي الدين كاتب ملك الأمراء تنكز وصهره فخر الدين المصري. وتقي الدين الفاضلي.
وفي ثامن ذي الحِجّة ولد للسلطان ولد ذكرٌ فَزُيِّنَتِ البلاد له (^٦).