أصبح النّاسُ يومَ السبت على ما كانوا عليه من شدة الخوف وضيق الأمر، فرأوا من المآذن سوادًا وغبرة من ناحية العسكر والعدوّ، فغلب على الظنون أن الوقعة في هذا اليوم، فابتهلوا إلى الله ﷿ بالدعاء في المساجد والبلد، وطلع النساء والصغار على الأسطحة وكشفوا رؤوسهم، وضج البلد ضجة عظيمة، ووقع في ذلك الوقت مطر عظيم غزير، ثم سكن الناس، فلما كان بعد الظهر قُرِئت بطاقةٌ بالجامع تتضمن أن في الساعة الثانية من نهار السبت هذا اجتمعت الجيوش الشامية والمصرية مع السلطان
_________________
(١) في ب، ط: لا يفلحون.
(٢) هو أبو رزين العقيلي.
(٣) أخرجه أحمد (٤/ ١١) رقم (١٦١٤٥)، وابن ماجه رقم (١٨١) في المقدمة، باب: فيما أنكرت الجهمية ولفظه فيه: "ضحك ربنا. . . غيره". وله تتمة غير التي أوردها المؤلف هاهنا وفي إسناده ضعف. وفي النهاية لابن الأثير (١/ ٤٦): "عجب ربكم من أزْلكم وقنوطكم، هكذا يروى في بعض الطّرق، والمعروف من "إِلِّكُم" وهو ما في قنعة الأريب في تفسير الغريب لابن قدامة المقدسي، تحقيق. صديقنا الفاضل د. علي حسين البواب (ص ٤٤) "وإلِّكُم": رفع أصواتكم بالدعاء قلت: وهو الأنسب للمعنى هنا.
(٤) ويقال له: إياز، قتل سنة ٧٥٠ هـ وسيأتي في أخبارها.
(٥) في ب: وهذا هو المقصود وقد أرسلني ليكشف.
(٦) ليست في ب.
(٧) زاد في ب: سكنت قلوب الناس مع وجوفها، وخوفها، وبالله المستعان.
[ ١٦ / ٣١ ]
في مرج الصُّفَّر (^١)، وفيها طلب الدعاء من الناس والأمر بحفظ القلعة. والتحرُّز على الأسوار. فدعا الناس في الجامع والبلد، وانقضى النهار، وكان يومًا مزعجًا هائلًا، وأصبح الناس يوم الأحد يتحدَّثون بكسر التتر، وخرج الناس إلى ناحية الكُسْوة، فرجعوا ومعهم شيء من المكاسب، ومعهم رؤوس من رؤوس التتر (^٢)، وصارت أدلة كسرة التتار تقوى وتتزايد قليلًا قليلًا حتى اتضحت جملة، ولكن الناس لِمَا عندهم من شدة الخوف وكثرة التتر لا يصدِّقون، فلما كان بعد الظهر قُرِئ كتابُ السلطان إلى متولّي القلعة يخبر فيه باجتماع الجيش ظهر يوم السبت بشَقْحَب وبالكُسْوة، ثم جاءت بطاقةٌ بعد العصر من نائب السلطان جمال الدين آقوش الأَفرم إلى نائب القلعة مضمونها أن الوقعة كانت من العصر يوم السبت إلى الساعة الثانية من يوم الأحد، وأن السيف كان يعمل في رقاب التتر ليلًا ونهارًا وأَنّهم هربوا وفرُّوا واعتصموا بالجبال والتلال، وأَنّه لم يسلم منهم إلا القليل، فأمسى الناس وقد استقرت خواطرهم، وتباشروا لهذا الفتح العظيم والنّصر المبارك، ودقّت البشائر بالقلعة من أول النهار المذكور، ونُودي بعد الظهر بإخراج الجُفَّال (^٣) من القلعة لأجل نزول السُّلطان بها، وشرعوا في الخروج (^٤).
وفي يوم الإثنين رابع الشهر رجع الناس من الكُسْوة إلى دمشق، فبشَّروا النَّاس بالنَّصر. وفيه دخل الشيخ تقي الدين بن تيمية البلد ومعه أصحابه من الجهاد، ففرح النّاس به ودعَوْا له وهنّؤوه بما يسر الله على يديه من الخير، وذلك أَنّه ندبه العسكر الشامي أن يسير إلى السلطان يستحثه على السير إلى دمشق، فسار إليه فحثَّه على المجيء إلى دمشق بعد أن كاد يرجع إلى مصر، فجاء هو وإياه جميعًا، فسأله السُّلطان أن يقف معه في معركة القتال، فقال له الشيخ: السُّنَّةُ أن يقف الرجل تحت راية قومه، ونحن من جيش الشام لا نقف إلا معهم، وحرض السلطان على القتال، وبشَّره بالنصر، وجعل يحلف له بالله الذي لا إله إلا هو إنكم منصورون عليهم في هذه المرة، فيقول له الأمراء: قل إن شاء الله، فيقول: إن شاء الله تحقيقًا لا تعليقًا. وأفتى الناسَ بالفطر مدَّة قتالهم، وأفطر هو أيضًا، وكان يدور على الأجناد والأمراء فيأكل من شيء معه في يده ليعلمهم أن إفطارهم ليتقوَّوا على القتال أفضل، [فيأكل الناس] (^٥)، وكان يتأوَّل في الشاميين قوله ﷺ: "إنكُم مُلاقُو العدوِّ غدًا، والفِطْر أقْوى لَكُم" فعزم عليهم في الفطر عام الفتح كما في حديث أبي سعيد الخدري (^٦).
وكان الخليفة أبو الربيع سليمان في صحبة السلطان، ولما اصطفت العساكر والتحم القتال ثبت
_________________
(١) "مرج الصُّفَّر": قرب دمشق. ياقوت ٥/ ١٠١.
(٢) ليست في ب.
(٣) "الجفّال": الهاربون.
(٤) ليست في أ وط.
(٥) زيادة من ط.
(٦) هكذا رواه المؤلف ﵀ بالمعنى، وهو في صحيح مسلم رقم (١١٢٠) في الصِّيام، باب: أجر المفطر في السفر إذا تولى العمل، وأبو داود أيضًا رقم (٢٤٠٦) في الصّوم، باب: الصوم في السفر، وفي لفظه اختلاف.
[ ١٦ / ٣٢ ]
السلطان ثباتًا عظيمًا، وأمر بجواده فقيِّد حتى لا يهرب، وبايع الله تعالى في ذلك الموقف، وجرت خُطوب عظيمة، وقُتل جماعة من سادات الأمراء يومئذ، منهم الأمير حسام الدين لاجين الرُّومي أستاذ دار السلطان، وثمانية من الأمراء المقدَّمين وصلاح الدين بن الملك السعيد الكامل بن السعيد بن الصالح إسماعيل (^١)، وخلق من كبار الأمراء، ثم نزل النصر على المسلمين قريب العصر يومئذ، واستظهر المسلمون عليهم. ولله الحمد والمنة.
فلما جاء الليلُ لجأَ التتر إلى اقتحام التُّلول والجبال والآكام، فأحاط بهم المسلمون يحرسونهم من الهرب، ويرمونهم عن قوس واحدة إلى وقت الفجر، فقتلوا منهم ما لا يعلم عدده إلا الله ﷿، وجعلوا يجيؤون بهم في الحبال فتضرب أعناقهم، ثم اقتحم منهم جماعة الهزيمة فنجا منهم القليل، ثم كانوا يتساقطون في الأودية والمهالك، ثم بعد ذلك غرق منهم جماعة في الفرات بئْستِ الأمة (^٢)، وكشف الله بذلك عن المسلمين غمّة عظيمة شديدة، ولله الحمد والمنّة.
ودخل السلطان إلى دمشق يوم الثلاثاء خامس رمضان وبين يديه الخليفة، وزُيِّنت البلد، وفرح كل واحد من أهلها. أهل الجمعة والسبت والأحد (^٣)، فنزل السطان في القصر الأَبْلق (^٤) والميدان، ثم تحوّل إلى القلعة يوم الخميس، وصلّى بها الجمعة، وخلع على نوّاب البلاد وأَمَرَهم بالرجوع إلى بلادهم، واستقرت الخواطر، وذهب البأس وطابت قلوب الناس.
وعزل السلطان ابن النحّاس عن ولاية المدينة وجعل مكانه الأمير علاء الدين أَيْدغدي (^٥) أمير علم، وعزل صارم الدين إبراهيم (^٦) والي الخاص عن ولاية البر، وجعل مكانه الأمير حسام الدين لاجين الصغير (^٧)، ثم عاد السطان إلى الديار المصرية (^٨) يوم الثلاثاء ثالث شوال بعد أن صام رمضان وَعيَّد بدمشق.
وطلب الصوفيَّةُ من نائب دمشق الأَفرم أن يولّي عليهم مشيخة الشيوخ للشيخ صفي الدين الهندي، فأذن له في المباشرة يوم الجمعة سادس شوال عوضًا عن ناصر الدين بن عبد السلام (^٩)، ودخل السلطان
_________________
(١) النجوم الزاهرة (٨/ ٢٠٦) وبدائع الزهور (١/ ٤١٤)، وفيهما ذكر لمن استشهد معهم في ذلك اليوم.
(٢) في أ وط بسبب الظلام.
(٣) يعنى من المسلمين واليهود والنصارى.
(٤) "الأَبْلَق": قصر بناه في الميدان في دمشق، الملك الظاهر بيبرس. فوات الوفيات (١/ ٢٤٤).
(٥) ويعرف بالزَّرَّاق. النجوم الزاهرة (٩/ ١٢).
(٦) سيأتي ذكره في وفيات سنة ٧٢٣ هـ.
(٧) سيأتي ذكره في وفيات سنة ٧٢٩ هـ.
(٨) ابن خلدون (٥/ ٤١٨).
(٩) الدارس في تاريخ المدارس (٢/ ١٥٦).
[ ١٦ / ٣٣ ]
القاهرة (^١) يوم الثلاثاء ثالث عِشري شوال، وكان يومًا مشهودًا، وزُيِّنت القاهرة.
وفيها جاءت زلزلة (^٢) عظيمة يوم الخميس بكرة الثالث والعشرين من ذي الحجة من هذه السنة، وكان جمهورها بالديار المصرية، تلاطمت بسببها البحار، فكُسِرت المراكب، وتَهدَّمت الدور، ومات خلق كثير لا يعلمهم إلا الله، وتشقِّقت الحيطان، ولم يُرَ مثلُها في هذه الأعصار، وكان منها بالشام طائفة، لكن كان ذلك أخف من سائر البلاد غيرها.
وفي ذي الحجة باشر الشيخ أبو الوليد ابن الحاج الإشبيلي المالكي إمام (^٣) محراب المالكية بجامع دمشق بعد وفاة الشيخ شمس الدين محمد الصّنْهاجي.