الشيخ الصّالح العابد الناسك: الورع الزاهد القدوة بقية السَّلف وقدوة الخلف أبو عبد الله محمد بن الشيخ الصالح عمر بن السيد القدوة الناسك الكبير العارف أبي بكر بن قوام بن علي بن قوام البالسي (^٦)، ولد سنة خمسين وستمئة ببَالِسَ (^٧)، وسمع من أصحاب ابن طبرزد، وكان شيخًا جليلًا بشوش الوجه حسنَ السَّمت، مقصدًا لكل أحد، كثير الوقار، عليه سيما العبادة والخير، وكان يوم قازان في جملة من كان مع الشيخ تقي الدين بن تيمية لما تكلم مع قازان، فحكى عن كلام شيخ الإسلام تقي
_________________
(١) هي المدرسة الصالحية. الدارس (١/ ٣١٦).
(٢) في ط: الحجاز.
(٣) في الأصل: ثلاثًا وثلاثين، وهو غلط.
(٤) في ط: بضحان.
(٥) ليست في ب، وهي كذلك في الدارس (١/ ٣٢) نقلًا عن ابن كثير.
(٦) ترجمته في الدرر الكامنة (٤/ ١٢٤) والدارس (٢/ ٢٠٨ - ٢٠٩) والشذرات (٦/ ٤٩).
(٧) "بالس": بلدة بين حلب والرّقة، كانت على ضفة الفرات الغربية، فلم يزل الفرات يشرق عنها حتى صارت بينهما في أيامنا هذه أربعة أميال. ياقوت.
[ ١٦ / ١٤٢ ]
الدين لقازان وشجاعته وجرأته عليه، وأنه قال لترجمانه قل للقان: أنت تزعم أنك مسلم ومعك مؤذنون وقاض وإمام وشيخ على ما بلغنا فغزوتنا دخلت بلادنا على ماذا؟ وأبوك وجدك هولاكو كانا كافرين وما غَزَوا بلاد الإسلام، بل عاهدوا فوفيا، وأنت عاهدت فغدرت وقلت فما وفيت! قال: وجرت له مع قازان وقطلوشاه وبولاي أمورٌ ونُوَبٌ، قام ابن تيمية فيها كلها الله، وقال الحق ولم يخش إلا الله ﷿. قال وقرّب إلى الجماعة طعامًا فأكلوا منه إلا ابن تيمية، فقيل له ألا تأكل؟ فقال: كيف آكل من طعامكم وكله مما نهبتم من أغنام الناس وطبختموه بما قطعتم من أشجار الناس، قال: ثم إن قازان طلب منه الدعاء فقال في دعائه: "اللهم إن كان هذا عبدك محمود إنما يقاتل لتكون كلمتك العليا وليكون الدين كله لك فانصره وأيده وملكه البلاد والعباد، وإن كان إنما قام رياءً وسمعة وطلبًا للدنيا ولتكون كلمته هي العليا وليذل الإسلام وأهله فاخذله وزلزله ودمزه واقطع دابره". قال: وقازان يؤمن على دعائه، ويرفع يديه.
قال: فجعلنا نجمع ثيابنا خوفًا من أن تتلوث بدمه إذا أمر بقتله. قال: فلما خرجنا من عنده قال له قاضي القضاة نجم الدين بن صَصْرَى وغيره: كدت أن تهلكنا وتهلك نفسك، والله لا نصحبك من هنا، فقال: وأنا والله لا أصحبكم. قال فانطلقنا عصبة وتأخر هو في خاصة نفسه ومعه جماعة من أصحابه، فتسامعت به الخوَّاقين والأمراء من أصحاب قازان فأتوه يتبركون بدعائه، وهو سائر إلى دمشق، وينظرون إليه، قال: والله ما وصل إلى دمشق إلا في نحو ثلاثمئة فارس في ركابه، وكنت أنا من جملة من كان معه، وأما أولئك الذين أبوا أن يصحبوه فخرج عليهم جماعة من التتر فشلحوهم عن آخرهم، هذا الكلام أو نحوه، وقد سمعت هذه الحكاية من جماعة غيره، وقد تقدم ذلك (^١).
توفي الشيخ محمد بن قوام ليلة الإثنين الثاني والعشرين من صفر بالزاوية (^٢) المعروفة بهم غربي الصالحية والناصرية والعادلية، وصلّي عليه بها ودفن فيها، وحضر جنازته ودفنه خلق كثير وجم غفير، وكان في جملة الجمع الشيخ تقي الدين بن تيمية، لأنه كان يحبه كثيرًا، ولم يكن للشيخ محمد مرتب على الدولة ولا غيرهم، ولا لزاويته مرتب ولا وقف، وقد عرض عليه ذلك غير مرة فلم يقبل، وكان يُزار، وكان لديه علم وفضائل جمة، وكان فهمه صحيحًا، وكانت له معرفة تامة، وكان حسن العقيدة وطويته صحيحة، محبًا للحديث وآثار السلف، كثير التلاوة [والجمعية على الله ﷿] (^٣)، وقد صنف جزءًا فيه أخبار جَدَّهِ (^٤)، ﵀ وبلّ ثراه بوابل الرحمة آمين.
_________________
(١) ما بين الحاصرتين ليس في ب
(٢) القوامية البالسيّة، الدارس (٢/ ٢٠٨ - ٢٠٩) منادمة الأطلال (ص ٣١١).
(٣) ليست في ب. والذي فيه: يحبُّ الخلوه. وليس ببعيد.
(٤) في أ وط جيدة. وأثبتنا ما في ب وهو الصواب فقد ذكر صاحب منادمة الأطلال (ص ٣١٢) نقلًا عن العدوي في الزيادات قوله: وألف حفيده الشيخ محمد بن عمر بن أبي بكر في مناقبه مؤلفًا حسنًا. انتهى.
[ ١٦ / ١٤٣ ]
الشيخ الصالح الأديب البارع الشاعر المجيد: تقي الدين أبو محمد عبد الله بن الشيخ بن الشيخ أحمد بن تمام بن حسان التلي (^١) ثم الصالحي الحنبلي (^٢)، أخو الشيخ محمد بن تمّام، ولد سنة خمس وثلاثين وستمئة، وسمع الحديث، وصحبَ الفُضَلاء، وكان حسنَ الشَّكل والخُلُق، طيب النفس مليح المجاورة والمجالسة، كثير المفاكهة، أقام مدَّةً بالحجاز واجتمع بابن سبعين (^٣) وبالتّقي الحوراني، وأخذ النَّحوَ عن ابن مالك (^٤) وابنه بدر الدين وصحبه مدَّة، وقد صحبه الشهاب محمود مدة خمسين سنةً، وكان يثني عليه بالزهد والفراغ من الدنيا، توفي ليلة السبت الثالث من ربيع الآخر ودفن بالسفح. [من الوافر]
وقد أورد الشيخ علم الدين البِرْزالي في ترجمته قطعة من شعره: فمن ذلك قوله:
أَسُكَّانَ المعاهد من فُؤادي … لكُم في خافقةٍ منه (^٥) سكونُ
أكرر فيكم أبدًا حديثي … فيحلو والحديث له (^٦) شجون
وأنظمه عقودًا (^٧) من دموعي … فتنشره المحاجر والجفون
وأبتكر المعاني في هواكم وفيكُم كل قافيةٍ تهون
وأسألُ عنكُمُ البَكَّاءَ (^٨) سرًّا وسر هواكم سرٌّ (^٩) مصون
وأعتبق (^١٠) النسيم لأنَّ فيه شمائل من معاطفكُم تبينُ
فكم لي في محبّتكم غرام … وكم لي في الغرام بكم فنون؟
قاضي القضاة زين الدين: علي بن مخلوف بن ناهض بن مسلم بن منعم بن خلف النويري المالكي (^١١) الحاكم بالديار المصرية، ولد (^١٢) سنة أربع وثلاثين وستمئة، وسمع الحديث واشتغل وحصل، وولي
_________________
(١) في ط: البلي.
(٢) ترجمته في فوات الوفيات (٢/ ١٦١) والدرر الكامنة (٢/ ٢٤١ - ٢٤٣) والشذرات (٦/ ٤٨) والأعلام (٤/ ٦٨).
(٣) هو عبد الحق بن إبراهيم بن محمد الشيخ الصوفي. من القائلين بوحدة الوجود توفي سنة (٦٦٩) هـ.
(٤) هو محمد بن عبد الله بن عبد الله بن مالك. مات سنة (٦٧٢ هـ) بغية الوعاة (١/ ١٣٠).
(٥) في فوات الوفيات (٢/ ١٦٤) في كل جارحة.
(٦) فيه: بكم.
(٧) في ب وط: عقيقًا.
(٨) فيه: النكباء.
(٩) فيه: عندي.
(١٠) فيه: وأعتنق، والاعتباق: التَّنسُّم. والمبالغة في الشم.
(١١) ترجمته في الدرر الكامنة (٣/ ١٢٧ - ١٢٨) والنجوم الزاهرة (٩/ ٢٤٢) وبدائع الزهور (١/ ٤٤٩) والشذرات (٦/ ٤٩).
(١٢) ليست في ط.
[ ١٦ / ١٤٤ ]
الحكم بعد ابن شاس (^١) سنة خمس وثمانين، وطالت أيامه إلى هذا العام، وكان غزير المروءة والاحتمال والإحسان إلى الفقهاء والشُّهود، ومن يقصده.
توفي ليلة الأربعاء حادي عشر جمادى الآخرة ودفن بسفح المقطَّم بمصر، وتولى الحكم بعده بمصر تقي الدين الأخنائي المالكي.
الشيخ إبراهيم (^٢) بن أبي العلاء (^٣): المقرئ الصيت المشهور المعروف بابن شَعْلان، وكان رجلًا جيدًا في شهود المسمارية (^٤)، ويقصد للختمات لطيب (^٥) صَوْته.
توفي يوم الجمعة وهو كهل ثالث عشر جُمادى الآخرة، ودفن بسفح قاسيون.
الشيخ الإمام العالم الزاهد: أبو الوليد محمد بن أبي القاسم أحمد بن محمد بن عبد الله بن أبي جعفر أحمد بن خلف بن إبراهيم بن أبي عيسى بن الحاج التجيبي (^٦) القرطبي ثم الإشبيلي (^٧)، ولد بإشبيلية سنة ثمان وثلاثين وستمئة، وقد كان أهله بيت العلم والخطابة والقضاء بمدينة قرطبة، فلما أخذها الفرنج انتقلوا إلى إشبيلية وتمحقت أموالهم وكتبهم، وصادر ابن الأحمر جده القاضي بعشرين ألف دينار، ومات أبوه وجده في سنة إحدى وأربعين وستمئة، ونشأ يتيمًا ثم حجّ وأقبل إلى الشام، فاستقام بدمشق من سنة أربع وثمانين، وسمع من ابن البخاري وغيره، وكتب بيده نحوًا من مئة مجلد، إعانة لولديه أبي عَمْرو وأبي عبد الله على الاشتغال.
ثم كانت وفاته بالمدرسة الصلاحية (^٨) يوم الجمعة وقت الأذان ثامن عشر رجب، وصلّي عليه بعد العصر ودفن عند الفندلاوي (^٩)، بباب الصغير بدمشق، وحضر جنازته خلق كثير.
الشيخ كمال الدين بن الشريشي: أحمد ابن الإمام العلامة جمال الدين أبي بكر محمد بن أحمد بن
_________________
(١) في ط: شاش.
(٢) في ب: برهان الدين.
(٣) لم أقع على ترجمة له.
(٤) هي القيمرية الكبرى داخل السور بالقرب من المئذنة الفيروزية. الدارس (٢/ ١١٤).
(٥) في ط: لصيت.
(٦) في ط: النجيبي، وهو تصحيف، وما هنا في الشذرات والدرر. نسبة إلى: تُجيب بنت ثوبان بن سليم بن مذحج وهي أم عدي وسعد ابني أشر بن شبب بن السكون نسب ولدها إليها. الوفيات (٤/ ٤٣١). وهو مجود بخط الذهبي في ترجمة جده من تاريخ الإسلام (١٤/ ٣٩٤ من طبعة الدكتور بشار).
(٧) ترجمته في الدرر الكامنة (٣/ ٣٥٠ - ٣٥١) والشذرات (٦/ ٥١).
(٨) هي الصلاحية المالكية أنشأها الملك الناصر صلاح الدين أيوب. منادمة الأطلال (ص ٢٢٦).
(٩) في الأصل وأ وط: القندلاوي بالقاف، وأثبتنا ما في ب والدارس (٢/ ١٠ - ١١) وهو: الشيخ يوسف الفندلاوي شيخ المالكية قتل على يد الفرنجة شهيدًا وقبره بباب الصغير.
[ ١٦ / ١٤٥ ]
محمد بن عبد الله بن (^١) سُجمان (^٢) البكري الوائلي الشريشي (^٣)، كان أبوه مالكيًا كما تقدَّم، واشتغل هو في مذهب الشافعي فبرع وحصل علومًا كثيرة، وكان خبيرًا بالكتابة (^٤) مع ذلك، وسمع الحديث وكتب الطباق بنفسه، وأفتى ودرس وناظَرَ وباشَرَ بعدة مدارس ومناصب كبار، أول ما باشر مشيخة دار الحديث بتربة أم الصالح بعد والده من سنة خمس وثمانين وستمئة إلى أن توفي (^٥)، وناب في الحكم عن ابن جماعة، ثم ترك ذلك وولي وكالة بيت المال وقضاء العسكر ونظر الجامع مرات، ودرس بالشامية البرانية ودرس بالناصرية عشرين سنة، ثم انتزعها من يده ابن جماعة وزينُ الدين الفارقي، فاستعادها منهما وباشر مشيخة الرّباط الناصري بقاسيون مدَّة، ومشيخة دار الحديث الأشرفية ثمان سنين، وكان مشكور السيرة فيما يولى من الجهات كلها، وقد عزم في هذه السنة على الحج فخرج بأهله فأدركته منيته بالحسا (^٦) في سلخ شوّال من هذه السنة، ودفن هناك ﵀، وتولى بعده الوكالة جمال الدين بن القلانسي، ودرس بالناصرية كمال الدين بن الشيرازي، وبدار الحديث الأشرفية الحافظ جمال الدين المزي، وبأم الصالح الشيخ شمس الدين الذهبي، وبالرباط الناصري ولده جمال الدين.
الشهاب المقرئ: أحمد بن أبي بكر بن أحمد البغدادي (^٧) نقيب (^٨) المتعممين، كان عنده فضائل جمة نثرًا ونظمًا ممّا يناسب الوقائع وما يحضر فيه من التهاني والتَّعازي، ويعرفُ الموسيقا والشَّعْبَذَةَ، وضَرْبَ الرَّمل، ويحضر المجالس المشتملة على اللهو والمُسْكر واللعب والبسط، ثم انقطع عن ذلك كله لكبر سنه وهو مما يقال فيه وفي أمثاله:
ذهبتُ عن توبته سائلًا … وجدتها توبة إفلاسِ (^٩)
وكان مولده بدمشق سنة ثلاث وثلاثين وستمئة، وتوفي ليلة السبت خامس ذي القعدة ودفن بمقابر باب الصغير في قبر أعده لنفسه عن خمس وثمانين سنة، سامحه الله.
قاضي القضاة فخر الدين: أبو العباس أحمد بن تاج الدين أبي الخير سلامة بن زين الدين
_________________
(١) ليست في ط.
(٢) في ط: سحمان، وما هنا من أ وهو الصواب، كما في التاج وغيره.
(٣) ترجمته في الفوات (١/ ١٢٠) والوافي بالوفيات (٧/ ٣٣٧) والدرر الكامنة (١/ ٢٥٢) والنجوم الزاهرة (٩/ ٢٤٣) والدارس (١/ ٣٣ - ٣٤) والشذرات (٦/ ٤٧).
(٤) في ب: بالكتابة والنظم. وقد أورد له صاحب الفوات مقطوعات لطيفة.
(٥) الدارس (١/ ٣٤).
(٦) قال ياقوت (٢/ ٢٥٨): هو موضع. والذي في الوافي بالوفيات وفوات الوفيات: وتوفي بدرب الحجاز بالكرك.
(٧) ترجمته في الشذرات (٦/ ٤٧).
(٨) في ط: الأشراف والمتعممين وهو توهم.
(٩) ليست في ب.
[ ١٦ / ١٤٦ ]
أبي العباس أحمد بن سلامة (^١) الإسكندري المالكي (^٢)، ولد سنة إحدى وسبعين وستمئة، وبرع في علوم كثيرة، وولي نيابة الحكم في الإسكندرية فحمدت سيرته وديانته وصرامته، ثم قدم على قضاء الشام للمالكية في السنة الماضية فباشرها أحسن مباشرة سنة ونصفًا، إلى أن توفي بالصَّمْصَاميّة (^٣) بكرة الأربعاء مستهل ذي الحجة، ودفن إلى جانب الفَنْدَلاوي بباب الصغير، وحضر جنازته خلق كثير، وشكره الناس وأَثْنوا عليه. رحمه الله تعالى.