فإن النصف الثاني من القرن الرابع عشر الهجري قد شهد صحوة إسلامية فكرية وثقافية، واهتمامًا ملحوظًا بالكتب المطبوعة والمحقَّقة، على وفق أحدث الطرق الطباعية الحديثة، والإخراج الفني المتطور، والتجليد المتقن الفاخر، وظهرت أمَّات الكتب في التفسير والحديث والسيرة والتاريخ والتراجم، موثَّقة ومفهرسة، وبأجمل شكل وبأصدق مضمون، مثل: تهذيب الكمال للمِزي، وجامع الأصول؛ لابن الأثير، وزاد المعاد؛ لابن قيم الجوزية، وسير أعلام النبلاء للذهبي، والتفسير والتاريخ؛ للإمام الطبري، وغيرها.
وكان النصح إلى أصحاب دور النشر الكبيرة أن يتطلعوا إلى الكتب والمراجع في جميع مناحي الثقافة الإسلامية، وإحياء مخطوطاتها المنسية، وإعادة تحقيق الكتب المطبوعة من غير توثيق ولا تعليق ولا فهارس، والاستفادة من المخطوطات المشرقية، والمخطوطات المكتشفة حديثًا بعد أن كانت ضائعة أو مجهولة.
على أنَّه يتعين علينا أن نشير إلى أن العرب المسلمين حين تنبهوا إلى أهمية تراثهم وبدؤوا بنشره منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، كانت المطابع الكبرى تعهد إلى مصححين من كبار العلماء لضبط النصوص وتصحيحها، فأخرجت مطبعة بولاق بمصر نفائس من هذا التراث وتبعتها دار الكتب المصرية وغيرها من المؤسسات المعتبرة.
[ مقدمة / ٢ ]
وتحقيق المخطوطات والعناية بالنصوص علم قائم بذاته، أقام العلماء المسلمون منذ أمد بعيد قواعده على أحسن وجه، فأخرجوا لنا، ومنذ عصر المخطوطات، نماذج رائعة في التحقيق والتدقيق، نذكر منها كتابين مهمين هما نموذج لعشرات من نظرائهما؛ موطأ الإمام مالك برواية يحيى بن يحيى الليثي، وصحيح البخاري.
فقد عُني العلامة جمال الدين محمد بن يوسف المعروف بابن مَسْدي الأندلسي الغرناطي نزيل مكة المكرمة ودفينها "٥٩٩ - ٦٦٣ هـ" برواية الليثي من الموطأ فأخذه عن العديد من شيوخه ببلاد شتى وأسانيد كثيرة، وقابل بين نسخه وعَمِلَ لنفسه منه نسخة محققة مدققة مستندة إلى العديد من الروايات، ورمز لكل رواية من الروايات برمز معين ذكره في صدر نسخته، وثبت في حواشيها الاختلافات بينها (^١).
وعني بصحيح البخاري عالمان جليلان هما: اليونيني، وابن مالك صاحب الألفية فجمعا روايات الصحيح وقابلا بينها ورجحا في الفراءات، وأثبتا الاختلافات في الحواشي، فكانت هذه النسخة من أعظم نسخ صحيح البخاري وأكثرها صحة وضبطًا وإتقانًا، وهي التي انتشرت فيما بعد، وطبع السلطان عبد الحميد يرحمه اللَّه "الصحيح" استنادًا إلى النسخة اليونينية، فهي إلى يوم الناس هذا أصح طبعة لهذا الكتاب وأدقها وأتقنها وكل الذين نشروا الصحيح عيال عليها، ولا أظن محققًا من محققي اليوم له القدرة على تجاوزها.
على أن انتشار الطباعة الحديثة ويُسْرها شجع الكثير من أصحاب الضمائر الضعيفة ممن يتصدون لنشر الكتب أو يدعون المعرفة بتحقيق النصوص إلى إخراج كتب مليئة بالتصحيف والتحريف والسقط، أو سرقة الكتب المحققة تحقيقًا علميًا طمعًا بالربح العاجل، فتُسلب حقوق المحققين المعنوية، وحقوق الناشرين الجادين المادية، فيسيؤون إلى كل عمل جاد وكل ناشر مخلص، وقيل في القواعد الاقتصادية: "إن العملة الرديئة تطرد العملة الصعبة"، نسأل اللَّه الستر والعافية.
و"دار ابن كثير" للطباعة والنشر والتوزيع التي تأسست عام ١٩٨٤ م في دمشق وبيروت، من دور النشر الكبيرة والجادة في خدمة الثقافة الإسلامية، وقد تطلعت إلى الإسهام في إعادة تحقيق ونشر كتب أمَّات (^٢) في بابتها، ولعل اسمها كان أكبر مُحفِّز للاضطلاع بتحقيق كتاب "البداية والنهاية"، إذ هو من أعظم آثار الحافظ ابن كثير ﵀، ولما يمتاز به من التأريخ
_________________
(١) انظر وصفها في مقدمة الدكتور بشار عواد لطبعته من موطأ مالك برواية الليثي، ط ٢، دار الغرب، بيروت ١٩٩٨ م جـ ١ ص ١٢ - ٢٢.
(٢) ومنها أطراف مسند الإمام أحمد؛ لابن حجر (١/ ١٠)، والمفهم في شرح ما أشكل من تلخيص صحيح مسلم؛ لأبي العباس القرطبي (١/ ٧). وفتح القدير في التفسير؛ للشوكاني (١/ ٦).
[ مقدمة / ٣ ]
الإسلامي العام، والتأريخ لدمشق الشام في عصورها المختلفة بعامة، وفي عصر المؤلف بخاصة، وقد طبع -قديمًا- طبعة واحدة في مطبعة السعادة، وهي طبعة غير محققة مليئة بالتصحيف والتحريف والسقط والخلط، مما قلَّل من قيمتها وجعل الاعتماد عليها يسيء إلى البحث العلمي الرصين، وجل النشرات التي تلتها كانت تعتمدها على الرغم من ادعائها الاعتماد على مخطوطات، ولذلك تشَّوف إلى هذا العمل العلمي الكبير جمهرة من العلماء والدكاترة بإشراف الشيخ عبد القادر الأرناؤوط -يرحمه اللَّه-، وإدارة وتمويل الأستاذ علي مستو صاحب دار ابن كثير -حفظه اللَّه-.
وفي الأول من شهر شعبان المكرم سنة ١٤٠٥ هـ. تم الاجتماع في قرية "بسيمة" من وادي بردى، وحضره: الشيخ عبد القادر الأرناؤوط ﵀، والدكتور علي أبو زيد، والدكتور محيي الدين ديب مستو، والدكتور رياض مراد، والأستاذ محمود الأرناؤوط، والدكتور نزار أباظة، والأستاذ محمد حسان عبيد، والأستاذ حسن مروة، والأستاذ أكرم البوشي، والأستاذ إبراهيم الزيبق، والدكتور مأمون الصاغرجي، والأستاذ ياسين السَّواس، والأستاذ صلاح محمد الخيمي ﵀، والأستاذ محمد ديب مستو، والأستاذ علي ديب مستو.