أثمر التلقي عن الشيوخ في حياة ابن كثير؛ إلى التبكير بظهور الحافظ ابن كثير عالمًا مشهورًا،
_________________
(١) البداية والنهاية (١٦/ ١٨٣).
(٢) إنباء الغمر بأنباء العمر (١/ ٤٦).
(٣) شذرات الذهب (٦/ ١٧٦).
(٤) الضوء اللامع؛ للسخاوي (٤/ ١٧٣).
(٥) الدرر الكامنة؛ لابن حجر (١/ ٤٠٠)، ودرر العقود للمقريزي (١/ ٤٠١).
(٦) البداية والنهاية (١٦/ ٣٥٣).
(٧) البداية والنهاية (١٦/ ٣٥٤).
[ مقدمة / ٣٢ ]
ومدرسًا مرموقًا، وشيخًا مقصودًا، يدخل المدارس العامة بثقة واعتبار، ويترأس المدراس المتخصصة بكفاءة واقتدار.
وأول مدرسة درَّس فيها المدرسة النجيبية، وقد تقدم أنه سكنها مع أسرته، وأول درس فيها كان يوم ١١ جمادى الأولى من سنة ٧٣٦ هـ، حيث فسَّر قول اللَّه تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] وقال في تاريخه: "وكان الدرس حافلًا أثنى عليه الحاضرون وتعجبوا من جمعه وترتيبه" (^١).
ثم ولي التدريس في المدرسة الفاضلية بعد أن شغرت عن الإمام الذهبي، وتولَّى مشيخة الحديث في المدرسة الصالحية، ودار القرآن والحديث التنكزية، ودار الحديث الأشرفية الجوانية (^٢).
* وافتتح دروس التفسير في المسجد الأموي تحت قبة النسر صباح يوم ٢٨ شوال سنة ٧٦٧ هـ وكان درسًا حافلًا ومشهودًا في تفسير سورة الفاتحة، حضره الطلاب والقضاة والأعيان (^٣).
* وكان عضوًا في لجان الامتحان، لاختبار الطلاب والشبان النابهين في اللغة والحفظ؛ فحضر يوم ٢٠ شعبان من سنة ٧٤٧ هـ لامتحان صبي عمرهُ ست سنين يحفظ القرآن، ويؤدي القرآن بإتقان، وفي يوم ٢٠ شعبان من سنة ٧٦٣ هـ حضر مع العلماء لامتحان بدر الدين محمد بن الشيخ كمال الدين بن الشربيني، وكان يحفظ كثيرًا من شواهد اللغة.
• وحضر شاب من بلاد تبريز وخراسان يزعم أنه يحفظ "صحيح البخاري" و"صحيح مسلم"، و"جامع المسانيد" لابن كثير، و"الكشاف" للزمخشري، فلما كان يوم الأربعاء سلخ شهر رجب سنة ٧٦٣ هـ، قرأ في الجامع الأموي بالحائط الشمالي منه، عند باب الكلَّاسة، من أول "صحيح البخاري" إلى أثناء كتاب العلم عنه من حفظه، وأنا أقابل عليه من نسخة بيدي (^٤).
وقال الشاب: أنا ما خرجت من بلادي إلا إلى القصد إليك، وأن تجيزني، وذكرك في بلادنا مشهور (^٥).
• كل هذا يجعل التلاميذ المتلقِّين عن ابن كثير لا يُحصون عددًا، ولا يُعرفون كثرة، فقال
_________________
(١) المصدر السابق (١٦/ ٢٦٩).
(٢) المصدر السابق (١٦/ ٢٦٩ و٣٤٠).
(٣) البداية والنهاية (١٤/ ٣٢١).
(٤) المصدر السابق (١٦/ ٤٣٢ - ٤٣٣).
(٥) المصدر السابق (١٦/ ٤٣٣).
[ مقدمة / ٣٣ ]
مترجموه: "وتلامذته كثيرة" (^١) و"أخذ عنه كثيرون" (^٢) و"خرَّج كثيرًا من الطلاب" (^٣).
ونجد هؤلاء المعرِّفين بابن كثير والمترجمين لحياته ومآثره يُغفلون أسماء تلاميذه، ولا يذكرون إلا اسم تلميذه ابن حجي! فأين ذهبت أسماء تلك الكثرة الكاثرة من التلاميذ والمريدين؟!.
• وتعليل ذلك فيما نرى -واللَّه أعلم- أن المشايخ والعلماء الكبار ينقسمون إلى ثلاثة أصناف:
الأول: ينشغل بالشأن العلمي العام، وإلقاء الدروس الخاصة والعامة، وممارسة الوظائف الرئاسية والإدارية، ويتفرغون في بيوتهم وأوقاتهم الخاصة للتصنيف والتأليف.
والثاني: صنف يلقي دروسه الخاصة والعامة، ويكرس كلَّ وقته لطلابه ومريديه، ممن يختار من المتفوقين والنابهين. وهؤلاء يتشرَّبون علومه ومنهجه، ويحملون اسمه، ويُذيعون بين الناس دعوته وطريقته.
والثالث: صنف يجمع بين الأمرين، ويُحقِّق الانتشار العام، وتخريجَ التلاميذ الأَكْفَاء المتميزين.
ولعل شيخنا العلَّامة ابن كثير من الصنف الأول، ممن شغل الناس بدروسه في حياته، وشغل الناس بكتبه ومصنفاته بعد مماته.
كما يلاحظ أن كتب التراجم إنما تُعنى بذكر التلاميذ الآخذين عن الشيوخ المُعَمَّرين، ولم يكن ابن كثير منهم، لأسانيدهم العالية، فتأمل مثلًا أسماء المذكورين في الكتب من الآخذين عن الحَجَّار بسبب كونه معمرًا عالي السنَد.
- ومع ذلك فإننا نستطيع العثور على عدد من أسماء التلاميذ ممن نصَّت الكتب على أخذه أو سماعه أو إجازته من شيخه الكبير ابن كثير، وهم:
١ - محمد بن موسى بن محمد بن سند بن نعيم، شمس الدين أبو العباس اللخمي، المتوفى سنة ٧٩٢ هـ:
أذن له في الإفتاء العلائي، وابن كثير (^٤).
٢ - يحيى بن يوسف بن يعقوب بن أحمد بن يحيى، محيي الدين، أبو زكريا الرحبي، المتوفى سنة ٧٩٤ هـ:
_________________
(١) شذرات الذهب (٨/ ٣٩٩).
(٢) عصر سلاطين المماليك، لمحمود رزق سليم (٤/ ١٤٤).
(٣) دائرة المعارف للبستاني (٣/ ٤٧٧).
(٤) شذرات الذهب (٨/ ٥٥٨).
[ مقدمة / ٣٤ ]
قال الحافظ ابن حجر: لازم ابن كثير، وكتب عنه فوائد حديثية، أكثرها يتعلق بالصحيح (^١).
٣ - محمد بن بهادر بن عبد اللَّه، بدر الدين الزركشي التركي، المتوفى سنة ٧٩٤ هـ:
قال ابن حجر: "رحل إلى دمشق، فأخذ عن ابن كثير الحديث، وقرأ عليه مختصره في علوم الحديث، ورثاه عند وفاته ببيتين من الشعر هما:
لفقدك طلاب العلوم تأسفوا … وجادوا بدمعٍ لا يبيدُ غزير
ولو مزجوا ماء المدامع بالدما … لكان قليلًا فيك يا بن كثير (^٢)
٤ - محمد بن محمد بن عنقة، أبو جعفر البسكري ثم المدني، المتوفى سنة ٨٠٤ هـ:
قال ابن العماد: وحمل عن ابن رافع، وابن كثير (^٣).
٥ - سعد بن يوسف بن إسماعيل بن يوسف، سعد الدين النواوي، المتوفى سنة ٨٠٥ هـ:
قال النُّعيمي: حمل عن ابن كثير، وقرأ عليه تأليفه "اختصار علوم الحديث" وأذن له ابن كثير بالفتوى (^٤).
٦ - محمد بن محمد بن محمد بن الخضر، شمس الدين الزبيري العيزري الغزي الشافعي المولود بالقدس سنة ٧٢٤ هـ والمتوفى سنة ٨٠٨ هـ.
قال السخاوي: "ودخل دمشق فأخذ بها عن ابن كثير و. . . إلخ" (^٥).
٧ - أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن عمر بن رضوان، شهاب الدين الحريري، الدمشقي، المعروف بالسلاوي، المتوفى سنة ٨١٣ هـ:
قال السخاوي: سمع الحديث على التقي بن رافع، وابن كثير، وقرأ عليهما (^٦).
٨ - علي بن زيد بن علوان بن صبرة بن مهدي بن حريز، أبو الحسن -وكناه بعضهم أبا زايد- الردماوي الزُّبَيْدي، وتسمَّى بأخرة عبد الرحمن، المتوفى سنة ٨١٣ هـ:
قال السخاوي: سمع من اليافعي، والشيخ خليل، وابن كثير (^٧).
_________________
(١) المصدر السابق (٨/ ٥٧٥) والدرر الكامنة (٤/ ٣٤٠).
(٢) الدرر الكامنة؛ لابن حجر (٣/ ٣٩٧).
(٣) شذرات الذهب (٩/ ٧٣).
(٤) الدارس في أخبار المدارس (١/ ٣٢٠).
(٥) الضوء اللامع (٩/ ٢١٨).
(٦) الضوء اللامع؛ للسخاوي (٢/ ٨١).
(٧) الضوء اللامع (٥/ ٢٢١).
[ مقدمة / ٣٥ ]
٩ - أحمد بن إسماعيل بن خليفة بن عبد العال، أبو العباس، شهاب الدين بن الحسباني، المتوفى سنة ٨١٥ هـ:
قال ابن فهد: وأخذ عن الحافظين: ابن كثير، وابن رافع (^١).
١٠ - محمود بن عمر بن محمود بن إيمان، شرف الدين الأنطاكي ثم الدمشقي الحنفي المتوفى في شعبان سنة ٨١٥ هـ.
قال السخاوي: "قدم من بلده إلى حلب ثم إلى دمشق فسمع بها من ابن كثير والصلاح الصفدي وغيرهما" (^٢).
١١ - مسعود بن عمر بن محمود بن أنمار، شرف الدين، الأنطاكي النحوي، نزيل دمشق، المتوفى سنة ٨١٥ هـ:
قال ابن العماد: قدم دمشق، وأخذ عن الصَّفدي، وابن كثير، وغيرهما (^٣).
١٢ - أحمد بن العلاء حجِّي بن موسى بن أحمد. . شهاب الدين، أبو العباس، ابن حجّي السعدي الحُسْباني، المتوفى سنة ٨١٦ هـ:
تخرَّج في علوم الحديث بالحافظين: ابن كثير، وابن رافع (^٤). وأثنى ابن حجي على شيخه ابن كثير، وصرَّح بأنه لازمه ست سنين (^٥). وقد ذيّل على "البداية والنهاية" وسماه "تاريخ ابن حجي" وهو مطبوع.
١٣ - محمد بن سلمان بن محمد، شمس الدين البغدادي الأصل الدمشقي الصالحي الشافعي الصوفي القادري، نزيل القاهرة، المولود في حدود سنة ٧٥٠ هـ والمتوفى سنة ٨٢٠ هـ.
قال السخاوي: "وطلب العلم ولازم التاج السبكي وفتح الدين ابن الشهيد والعماد ابن كثير، وسمع منه مصنَّفه في علوم الحديث وفي فضل الجهاد وكتب له إجازة حسنة" (^٦).
١٤ - محمد بن أحمد بن معالي، أبو المعالي، شمس الدين الحَبَتِّي (^٧)، المتوفى سنة ٨٢٤ هـ:
قال السخاوي: سمع بدمشق من متأخري أصحاب الفخر، كابن أميلة، وكذا سمع من
_________________
(١) لحظ الألحاظ (ص ٢٤٥).
(٢) الضوء اللامع (١٠/ ١٤٢).
(٣) شذرات الذهب (٨/ ١٧٠).
(٤) الدارس (١/ ١٤٢).
(٥) شذرات الذهب (٩/ ١٧٣).
(٦) الضوء اللامع (٧/ ٢٥٦).
(٧) قيده السخاوي فقال: "بمهملة ثم موحدة مفتوحتين ثم مثناة مشددة".
[ مقدمة / ٣٦ ]
العماد ابن كثير (^١)، وقال ابن حجر: كان ينقل عن شيخه ابن كثير الفوائد الجليلة" (^٢).
١٥ - محمد بن محمد بن محمد بن علي بن يوسف، أبو الخير شمس الدين بن الجزري الشافعي، المتوفى سنة ٨٣٣ هـ:
صرَّح ابن الجزري بالسماع والرواية عن ابن كثير في كتابه "المصعد الأحمد في ختم مسند الإمام أحمد" (^٣). وذكر مترجموه أنه أخذ عنه الحديث، وأذن له ابن كثير بالإفتاء (^٤).
١٦ - محمد بن أحمد بن حاجي، شمس الدين التبريزي ثم المقدسي الشافعي المعروف بابن عذيبة. ولد قبيل سنة ٧٥٥ هـ بتبريز، قال السخاوي: "ودخل مصر. . . وحلب. . . والشام في زمن ابن كثير وابن رافع وحضر عندهم" مات بمكة سنة ٨٣٥ هـ (^٥).
١٧ - أحمد بن علي، تقي الدين المقريزي المولود سنة ٧٦٦ هـ والمتوفى سنة ٨٤٥ هـ، قال في كتابه: "درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة" (١/ ٤٠١، الترجمة ٣٢٧) "سمعت عليه بعدما كُف بصره الحديث المسلسل بالأوليات، وأجاز لي مسموعاته ومروياته".
١٨ - عبد الرحمن بن أحمد بن محمد بن عَيَّاش، زين الدين أبو الفرج وأبو بكر الدمشقي الأصل، المكي الشافعي المقرئ المتوفى سنة ٨٥٣ هـ بمكة. قال السخاوي: "سمع حسبما كان يخبر على العمادين: ابن كثير وابن السراج" (^٦).
وأجاز الحافظ ابن كثير لعدد من الطلبة، منهم: محمد بن أحمد بن موسى بن نجاد، ناصر الدين أبو عبد اللَّه النابلسي المقدسي، قال السخاوي: "أجاز له في سنة ست وخمسين الحفاظ الثلاثة: ابن كثير والعلائي والشهاب أبو محمود. . . إلخ" (^٧).
* * *
_________________
(١) الضوء اللامع (٧/ ١٠٧).
(٢) إنباء الغمر (٧/ ٤٠٨).
(٣) مسند الإمام أحمد، لأحمد شاكر (١/ ٣١).
(٤) مفتاح السعادة (١/ ٣٩٢) وذيل السيوطي (ص ٣٧٦).
(٥) الضوء اللامع (٦/ ٣٠١).
(٦) الضوء اللامع (٤/ ٥٩).
(٧) الضوء اللامع (٧/ ١١٢).
[ مقدمة / ٣٧ ]