• صلته بنائب السلطنة: وهو مؤهَّل لهذه الصلة، فمنصب الإفتاء، والتدريس، والتأليف التاريخي، تمنحه المكانة الاجتماعية المرموقة والمحترمة، فيُدعى إلى مجالس العلم والتحكيم، والفصل في القضايا العلمية الدقيقة، ولحضور المصالحات العامة، والصلة المباشرة مع الحكام الذين تولوا نيابة السلطان في دمشق، فقد ورد في البداية والنهاية (١٦/ ٤٢٧) خلال حوادث سنة ٧٦٣ هـ: "وفي ثاني المحرم قدم نائب السلطنة -علاء الدين المارداني- بعد غيبة نحو من خمسة عشر يومًا، وقد أوطأ بلاد فرير بالرعب، وأخذ من مقدميهم طائفة فأودعهم الحبس، وكان قد اشتهر أنه قصد العشيرات المواسين ببلاد عجلون، فسألته عن ذلك حين سلَّمت عليه، فأخبرني أنه لم يتعد ناحية فرير، وأن العشيرات قد اصطلحوا واتفقوا، وأن التجريدة عندهم هناك".
وتقدَّم أنه كتب سيرة لنائب السلطان على دمشق منكلي بغا المتوفى سنة ٧٧٠ هـ، وأنه كان يُكرم ابن كثير ويقرِّبه.
كما تقدَّم أنه كتب رسالة في الجهاد للأمير منجك حين تولَّى السلطنة مرة ثانية (٧٧١ - ٧٧٥ هـ).
• حضور مجالس كبار العلماء: ومن يتابع حوادث السنوات بدءًا من سنة ٧٣٠ هـ يجد أن ابن كثير كان يحضر مجالس العلماء، ويشارك في الحياة العامة، وبخاصة قضايا التحكيم والاختلاف، ويشهد لذلك ما قاله في البداية والنهاية (١٦/ ٤٥١) في حوادث سنة ٧٦٥ هـ: "وفي الرابع عشر من جمادى الآخرة عُقد بدار السعادة مجلس حافل، اجتمع فيه القضاة الأربعة، وجماعة من المفتين، وطُلبتُ فحضرت معهم، بسبب المدرسة التدمرية، وقربة الواقف، ودعواهم أنه وقف عليهم الثلث، فوقف الحنبلي في أمرهم، ودافعهم عن ذلك أشدَّ الدفاع. . ".
وقال في "البداية والنهاية" (١٦/ ٤٦٢) في حوادث سنة ٧٦٧ هـ: "ولما كان يوم الإثنين، الرابع والعشرين من ربيع الأول، عقد مجلس حافل بدار السعادة، بسبب ما رمي به قاضي القضاة تاج الدين الشافعي ابن قاضي القضاة السبكي، وكنت ممن طُلب إليه، فحضرته فيمن حضر، وقد
[ مقدمة / ٦١ ]
اجتمع فيه القضاة الثلاثة، وخلق من المذاهب الأربعة، وآخرون من غيره بحضرة نائب الشام سيف الدين مُنْكلي. . وكان قد كتب فيه محضران متعاكسان، أحدهما له، والآخر عليه. . " واستمر التداول إلى الشهر التالي، وحضره ابن كثير، وانتهى بالصلح استجابة لقوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ [المائدة: ٩٥].
• اجتماعه بالخليفة المعتضد: قال ابن كثير في "البداية والنهاية" (١٦/ ٣٦٧) في حوادث سنة ٧٥٣ هـ: "وفي يوم السبت عاشر شهر شعبان اجتمعنا بالخليفة المعتضد باللَّه أبي الفتح بن أبي بكر المستكفي باللَّه أبي الربيع سليمان بن الحاكم بأمر اللَّه أبي العباس أحمد. وسلَّمنا عليه وهو نازل بالمدرسة الدماغية، داخل باب الفرج، وقرأت عنده جزءًا فيه ما رواه أحمد بن حنبل عن محمد بن إدريس الشافعي في مسنده، وذلك عن الشيخ عز الدين بن الضياء الحموي، بسماعه من ابن البخاري، وزينب بنت مكي عن أحمد بن الحصين عن ابن المذهب، عن أبي بكر بن مالك، عن عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه، فذكرهما.
والمقصود أنه شابٌ حسن الشكل، مليح الكلام، متواضع، جيِّد الفهم، حلو العبارة، رحم اللَّه سلفه".
• إنكاره على الأمر السلطاني به همك النصارى من الشام: وأن يأخذ نائب السلطان منهم ربع أموالهم؛ لعمارة ما خرب من الإسنكندرية، ولعمارة مراكب تغزو الفرنج، فأهانوا النصارى، وطُلبوا من بيوتهم بعنف، وخافوا أن يقتلوا، ولم يفهموا ما يُراد بهم، فهربوا كل مهرب.
يتابع ابن كثير، وهو يؤرخ لهذه الحادثة في "البداية والنهاية" (١٦/ ٤٦٠) في سنة ٧٦٧ هـ: "وقد طلبت يوم السبت السادس عشر من شهر صفر إلى الميدان الأخضر للاجتماع بنائب السلطنة -الأمير سيف الدين منكلي بغا- وكان اجتماعنا بعد العصر يومئذ بعد الفراغ من لعب الكرة، فرأيت منه أنسًا كثيرًا، ورأيته كامل الرأي والفهم، حسن العبارة، كريم المجالسة، فذكرت له أن هذا لا يجوز اعتماده في النصارى، فقال: إن بعض فقهاء مصر أفتى للأمير الكبير بذلك، فقلت له: هذا مما لا يسوغ شرعًا، ولا يجوز لأحد أن يفتي بهذا، ومتى كانوا باقين على الذمة يؤدون إلينا الجزية ملتزمين بالذلة والصغار، وأحكام اللَّه قائمة، لا يجوز أن يؤخذ منهم الدرهم الواحد الفرد فوق ما يبذلونه من الجزية. . ".
وما زال يرض الأدلة، ويقترح الحل الأنسب بغزو قبرص، حتى أقنع نائب السلطنة، وكتب إلى مصر بذلك، فجاء الجواب موافقًا لما اقترحه وارتآه.
• حضوره إعدام الزنديق عثمان الدَّكَّالي (^١): قال ابن كثير في "البداية والنهاية" (١٦/ ٢٩٤)
_________________
(١) منسوب إلى دكَّالة، بلد بالمغرب.
[ مقدمة / ٦٢ ]
في أحداث سنة ٧٤١ هـ: "وفي يوم الثلاثاء سلخ شهر شوال عقد مجلس في دار العدل بدار السعادة، وحضرته يومئذ، واجتمع القضاة والأعيان على العادة، وأُحضر يومئذ عثمان الدَّكَّالي -قبحه اللَّه تعالى- وادُّعِي عليه بعظائم من القول لم يُؤثر مثلها عن الحلَّاج، ولا عن ابن أبي العَزَاقِر (^١) الشَّلْمَغانيّ (^٢)، وقامت عليه البينة بدعوى الإلهية -لعنه اللَّه- وأشياء أخر من التنقيص بالأنبياء، ومخالطة أرباب الريب من الباجريقيةُ (^٣) وغيرهم من الاتحادية -عليهم لعائن اللَّه-. . فسئل القاضي المالكي الحكم عليه، فحمد اللَّه وأثنى عليه، وصلَّى على رسوله، ثم حكم بإراقة دمه وإن تاب، فأُخذ المذكور وضُربت عنقه بسوق الخيل، ونودي عليه: هذا جزاء من يكون على مذهب الاتحادية، وكان يومًا مشهودًا بدار السعادة، حضر خلق من الأعيان والمشايخ، وحضر شيخنا جمال الدين المزي الحافظ، وشيخنا شمس الدين الذهبي، وتكلَّما وحرَّضا في القضية جدًا، وشُهد بزندقة المذكور بالاستفاضة، وكذا الشيخ زين الدين أخو الشيخ تقي الدين بن تيمية، وخرج القضاة الثلاثة: المالكي والحنفي والحنبلي، وهم نفذوا حكمه في المجلس، فحضروا قتل المذكور. وكنت مباشرًا لجميع ذلك من أوله إلى آخره".
* * *
_________________
(١) قيده ياقوت في معجم البلدان (٣/ ٣٥٨) فقال: بفتح العين المهملة والزاي وبعد الألف قاف مكسورة ثم راء مهملة.
(٢) منسوب إلى شلمغان، من نواحي واسط، كما في معجم البلدان.
(٣) نسبة إلى الباجريقي محمد بن جمال الدين من الحلولية توفي سنة (٧٢٤) كما في البداية.
[ مقدمة / ٦٣ ]