قال اللَّه تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١].
وفال تَعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [الفرقان: ٥٩] في غير ما آية من القرآن (^٣).
وقد اختلف المفسرون في مقدار هذه الستة الأيام على قولين: فالجمهور على أنها كأيامنا هذه (^٤).
وعن ابن عبَّاس، ومجاهد، والضَّحَّاك، وكعب الأحبار: [أن] (^٥) كلَّ يوم منها كألف سنةٍ مما تَعُدُّون. رواه ابن جرير (^٦)، وابن أبي حاتم. واختار هذا القول الإمام أحمد بن حنبل في كتابه الذي رد
_________________
(١) في ب: أدخله اللَّه الجنة.
(٢) في أ: من.
(٣) و[السجدة: ٤].
(٤) قوله: هذه؛ ليس في ب. أقول: قال الخازن في تفسيره (٢/ ٩٥): فتكامل جميع الخلق في ستة أيام، كل يوم مقداره ألف سنة، وهذا قول جمهور العلماء، وقيل: في ستة أيام من أيام الدنيا. وقال ابن الجوزي في زاد المسير (٣/ ٢١١): قوله: في ستة أيام، قال ابن عباس: مقدار كل يوم من تلك الأيام ألف سنة، وبه قال كعب، ومجاهد، والضحاك، ولا نعلم خلافًا في ذلك، ولو قال قائل: إنها كأيام الدنيا، كان قوله بعيدًا. وانظر القرطبي (٧/ ٢١٩).
(٥) زيادة من ب.
(٦) تفسير الطبري (٨/ ١٤٦ - ١٤٧ و١٧/ ١٢٩) وتاريخه (١/ ٤٤) وما بعدها: والقرطبي (٧/ ٢١٩) وابن كثير (٢/ ٢٢١).
[ ١ / ٢٧ ]
فيه على الجَهْمية (^١) وابن جرير وطائفة من المتأخرين واللَّه أعلم (^٢). وسيأتي ما يدل على هذا القول.
وروى ابن جرير (^٣) عن الضَّحَّاك بن مُزاحم، وغيره أن أسماء الأيام الستة: أبجد، هَوَّز، حطّي، كلمن، سعفص، قُرشت.
وحكى ابن جرير (^٤) في أول الأيام ثلاثة أقوال، فروي عن محمد بن إسحاق أنه قال: يقولُ أهل التوراة: ابتدأ اللَّه الخلق يوم الأحد، ويقول أهل الإنجيل: ابتدأ اللَّه الخلقَ يومَ الإثنين. ونقول نحن المسلمين، فيما انتهى إلينا عن رسول اللَّه ﷺ: ابتدأ اللَّه الخلقَ يَوْمَ السبت.
وهذا القول الذي حكاه ابن إسحاق عن المسلمين مال إليه طائفة من الفقهاء من الشافعية، وغيرهم. وسيأتي (^٥) فيه حديث أبي هريرة "خَلَقَ اللَّهُ التربةَ يومَ السَّبتِ".
والقول بأنَّه الأحد رواه ابن جرير (^٦) عن السُّدّي، عن أبي مالك، وأبي صالح عن ابن عبَّاس، وعن مُرَّة، عن ابن مسعود، وعن جماعة من الصَّحابة.
ورواه أيضًا عن عبد اللَّه بن سلام، واختاره ابن جرير (^٧). وهو نص التوراة، ومال إليه طائفة آخرون (^٨) من الفقهاء، وهو أشبه بلفظ الأحد، ولهذا كمل (^٩) الخلق في ستة أيام، فكان آخرهن الجمعة، فاتخذه المسلمون عيدهم في الأسبوع -وهو اليوم الذي أضل اللَّهُ عنه أهلَ الكتاب قبلنا- كما سيأتي بيانه إن شاء اللَّه.
_________________
(١) انظر "الرد على الزنادقة والجهمية" للإمام أحمد بن حنبل صفحة (١١).
(٢) وقيل حديثًا: أما الأيام الستة التي خلق اللَّه فيها السماوات والأرض، فهي غيب لم يشهده أحد من البشر، ولا من خلق اللَّه جميعًا ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الكهف: ٥١] وكل ما يقال عنها لا يستند إلى أصل مستيقن. إنها قد تكون ست مراحل، وقد تكون ستة أطوار. وقد تكون ستة أيام من أيام اللَّه التي لا تقاس بمقاييس زماننا الناشئ من قياس حركة الأجرام -إذا لم تكن قبل الخلق هذه الأجرام التي نقيس نحن بحركتها الزمان-! وقد تكون شيئًا آخر. فلا يجزم أحد ماذا يعني هذا العدد على وجه التحديد. وكل حمل لهذا النص ومثله على تخمينات البشرية التي لا تتجاوز مرتبة الفرض والظن -باسم (العلم!) - وهو محاولة تحكمية منشؤها الهزيمة الروحية أمام (العلم) الذي لا يتجاوز في هذا المجال درجة الظنون والفروض.
(٣) تاريخ الطبري (١/ ٤٢).
(٤) تاريخ الطبري (١/ ٤٤).
(٥) (ص ٣١، ت: ٧) من هذا الجزء. ويأتي تخريجه والكلام عليه.
(٦) تاريخ الطبري (١/ ٤٧).
(٧) تاريخ الطبري (١/ ٤٣ و٤٥).
(٨) في ب: وآخرون؛ وهو خطأ.
(٩) في ب: وهو أكمل.
[ ١ / ٢٨ ]
وقال (^١) تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٩].
وقال تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [فصلت: ٩ - ١٢].
فهذا يدل على أن الأرض خُلقت قبلَ السماء، لأنها كالأساس للبناء، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر: ٦٤].
وقال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (٦) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا. . .﴾ إلى أن قال: ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (١٢) وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾ [النبأ: ٦ - ١٣].
وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٠]، أي: فصلنا ما بينَ السماءِ والأرضِ حتى هَبَّتِ الرِّياحُ ونَزلت الأمطارُ وجرتِ العيونُ والأنهار وانتعش الحيوان. ثم قال: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٢] أي: عَمَّا خَلَق فيها من الكواكب الثوابت، والسَّياراتِ والنجوم الزاهرات والأجرام النيرات، وما في ذلك من الدلالة (^٢) على حكمة خالق الأرض والسماوات. كما قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (١٠٥) وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٥ - ١٠٦].
فأما قوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ (^٣) أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩) (^٤) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (٣٢) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [النازعات: ٢٧ - ٣٣] فقد تمسَّك بعضُ الناس بهذه الآية على تقدُّمِ خلقِ السماءِ على خلق الأرض، فخالفوا صريْحَ الآيتين المتقدمتين، ولم يفهموا هذه الآية الكريمة، فإنَّ مقتضى هذه الآية (^٥) أنَّ دَحْي الأرض، وإخراج الماء
_________________
(١) على هامش أ، عبارة: الدليل على خلق الأرض قبل السماء.
(٢) في ب: الدلالات.
(٣) في أ: أهم؛ وهو خطأ.
(٤) في ب: فأخرج ليليها وأغطش ضحاها؛ وهو خطأ.
(٥) في ب: الآية الكريمة أن. . .
[ ١ / ٢٩ ]
والمرعى (^١) منها بالفعل بعد خلق السماء، وقد كان ذلك فيها (^٢) مقدَّرًا بالقوة؛ كما قال تعالى: ﴿وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ [فصلت: ١٠]. أي: هَيّأ أماكن الزرع ومواضعَ العيون والأنهار. ثم لما أكْمل خلقَ صورةِ العالم السفلي والعلوي؛ دحَى الأرض فأخرج ما كان مُوْدَعًا فيها، فخرجت العيون، وجرت الأنهار، ونبتت الزروع والثمار، ولهذا فسر الدحي بإخراج الماء والمرعى منها وإرساء الجبال فقال: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا﴾ وقوله: ﴿وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾ أي: قرَّرها في أماكنها التي وضعها فيها وثبَّتها وأكدها وأطدها (^٣).
وقوله: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧) وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ (٤٨) وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الذاريات: ٤٧ - ٤٩]، بأيدٍ، أي: بقوة. ﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ (^٤)، وذلك أن كل ما علا اتَّسعَ، فكل سماء أعلى من التي تحتها فهي أوسع منها. ولهذا كان المرسل أعلى من السماوات، وهو أوسع منهن كلهن. والعرش أعظم من ذلك كله بكثير (^٥). وقوله بعد هذا: ﴿وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا﴾ أي: بَسَطناها وجعلناها مهدًا، أي: قارَّةً ساكنة غير مضطربة ولا مائدة بكم. ولهذا قال: ﴿فنَعْمَ الْماهِدُونَ﴾، والواو لا تقتضي الترتيب في الوقوع، وإنما تقتضي الإخبار المطلق في اللغة (^٦). واللَّه أعلم.
وقال البخاري (^٧): حدَّثنا عُمر بن حفص بن غياث (^٨)، حدَّثنا أبي، حدَّثنا الأعمش، حدَّثنا جامع بن شدَّاد، عن صَفوان بن مُحْرز: أنه حدَّثه عن عِمْران بن حُصَيْن قال: دَخلتُ على النَّبيِّ ﷺ وَعَقَلْتُ ناقتي بالباب، فأتاهُ ناسٌ من بني تميم، فقال: "اقبَلُوا البُشْرى يا بني تميمٍ" (^٩)، قالوا: قد بَشَّرْتَنَا (^١٠) فأعطنا -مَرَّتين- ثم دخل عليه ناسٌ من اليمن فقال: "اقْتلُوا البُشْرَى يا أهلَ اليَمن إِذْ (^١١) لَمْ يَقْبَلها بَنُو تميمٍ"، قالوا (^١٢): قد قبلْنا يا رسولَ اللَّه، قالوا: جئناكَ نسألك عنْ هذا الأمر. قال: "كانَ اللَّهُ ولَمْ يكُنْ شَيْءٌ غَيْرُهُ، وكَانَ عَرْشُهُ على المَاءَ، وكَتَبَ في الذِّكْرِ (^١٣) كُلَّ شَيْءٍ وخَلَقَ السَّماواتِ
_________________
(١) كذا في ب، وفي أ: والرعي.
(٢) في ب: ذلك مقدرًا فيها بالقوة.
(٣) قوله: وأطدها، ليس في ب.
(٤) هذا الجزء من الآية سقط من ب.
(٥) قال القرطبي (٧/ ٢١٩): وخص العرش، لأنه أعظم مخلوقات اللَّه تعالى.
(٦) انظر: مغني اللبيب (ص ٤٦٣) والجني الداني (١٥٣).
(٧) البخاري (٣١٩٠) في بدء الخلق.
(٨) في ب: حدثنا حفص بن عمر؛ وهو خطأ.
(٩) قوله: فقال: اقبلوا البشرى يا بني تميم، ليس في ب.
(١٠) كذا في ب وهي موافقة للفظ البخاري، وفي أ: قد قبلنا.
(١١) في ب وهي موافقة لرواية البخاري، وأشار ابن حجر في شرحه إلى رواية المتن.
(١٢) قوله قد ليس في ب.
(١٣) زاد في ب وخلق.
[ ١ / ٣٠ ]
والأرْضَ"، فنادى منادٍ: ذهبتْ ناقتُك يا ابْنَ الحُصَيْن، فانْطلقتُ فإذا هي يقطع دُونها السراب، فواللَّه لوَدِدْتُ أني كُنْتُ تركتها، هكذا رواه هاهنا. وقد رواه في كتاب المغازي (^١)، وكتاب التوحيد (^٢)، وفي بعض ألفاظه: "ثمَّ خَلَقَ السَّمَاواتِ والأرْضَ"، وهو لفظُ النَّسائي (^٣) أيضًا.
وقال الإمامُ أحمد (^٤): حدَّثنا حجاج، حدثني ابن جُريج، أخبرني إسماعيل بن أمية، عن أيوب بن خالد، عن عبد اللَّه بن رافع مولى أم سلمة، عن أبي هريرة قال: أخَذ رسولُ اللَّهِ ﷺ بيدي فقال: "خَلَقَ اللَّهُ التُّرْبةَ يومَ السَّبْتِ، وخَلقَ الجِبالَ فِيْها يومَ الأحدِ، وخَلَقَ الشَّجَرَ فِيْها يَوْمَ الإثْنين، وخلقَ المَكْرُوه فيها يومَ الثَّلاثاءَ، وخَلَقَ النُّورَ يَوْمَ الأرْبعاءِ، وَبثَّ الدَّواب فيها (^٥) يومَ الخَميسِ، وخَلَقَ آدمَ بعْدَ العَصْرِ يَوْمَ الجُمُعةِ آخر الخَلْقِ في آخِرِ ساعَةٍ منْ سَاعاتِ الجُمُعةِ فِيْما بينَ العَصْرِ إلى اللَّيْلِ".
وهكذا رواه مسلم (^٦) عن سُرَيْج بن يونس وهرون بن عبد اللَّه، والنَّسائي (^٧) عن هارون ويوسف بن سعيد، ثلاثتهم عن حجاج بن محمد المِصِّيصي (^٨) الأعور، عن ابن جُرَيْج، به مثله سواء.
وقد رواه النَّسائي (^٩) في التفسير عن إبراهيم بن يعقوب الجُوْزجَاني (^١٠)، عن محمد بن الصَّباح، عن
_________________
(١) البخاري (٤٣٦٥) عن أبي نعيم، و(٤٣٨٦) عن عمرو بن علي.
(٢) البخاري (٧٤١٨) عن عبدان.
(٣) أخرجه النسائي في الكبرى (١١٢٤٠).
(٤) زاد في المطبوع: ابن حنبل، والحديث في مسنده (٢/ ٣٢٧).
(٥) كذا في أ، ب وفي مسند أحمد، ومسلم: "وبث فيها الدواب. . ".
(٦) أخرجه مسلم في صحيحه (٢٧٨٩) في المنافقين: باب ابتداء الخلق وخلق آدم ﵇. ورواه أيضًا أحمد في المسند (٢/ ٣٢٧) والبيهقي في الأسماء والصفات صفحة (٣٨٣) ونقل تضعيفه عن بعض الأئمة، وقد تقدم أن ابن كثير ﵀ قال: وهذا الحديث من غرائب صحيح مسلم، وقد تكلم عليه ابن المديني والبخاري وغير واحد من الحفاظ، والحديث في صحيح مسلم سنده صحيح، وقد صحَّحه الشوكاني في "فتح القدير" وإنما تكلم عليه بعض العلماء من جهة متنه، ورأوا أنه معارض للقرآن، والذي صحح الحديث سندًا ومتنًا رأى أنه لا تعارض بينه وبين القرآن، فإن اللَّه تعالى ذكر في القرآن أنه خلق السماوات والأرض جميعًا في ستة أيام، وخلق الأرض وحدها في يومين، وهذا الحديث بين أن اللَّه تعالى خلق ما في الأرض في سبعة أيام، ويحتمل أن تكون هذه الأيام السبعة غير الأيام الستة التي ذكرها اللَّه تعالى في خلق السماوات والأرض، وحينئذ لا تعارض، وإنما فصَّل هذا الحديث كيفية الخلق على الأرض وحدها، واللَّه تعالى أعلم.
(٧) أخرجه النسائي في الكبرى (١١٠١٠).
(٨) المصيصي، بكسر الميم والصاد المشددة: نسبة إلى المصيصة؛ مدينة على ساحل البحر. اللباب (٣/ ٢٢١) وضبطها ياقوت بفتح الميم. (معجم البلدان).
(٩) أخرجه النسائي في الكبرى (١١٣٩٢).
(١٠) الجُوزَجاني، بضم الجيم الأولى، وسكون الواو، وفتح الزاي: نسبة إلى مدينة بخراسان. الأنساب (٣/ ٣٦١) ومعجم البلدان (جوزجان).
[ ١ / ٣١ ]
أبي عُبيدة الحدَّاد، عن الأخضر (^١) بن عجلان، عن ابن جُريج، عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي هريرة: أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ، أخذَ بِيَدِهِ فقال: "يا أبا هُرَيْرةَ إنَّ اللَّهَ خَلقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنهما في ستَّةِ أيَّامٍ ثُمَّ اسْتوى على العَرْشِ يَوْمَ السَّابعِ، وخَلَقَ التُّرْبةَ يومَ السَّبْتِ"، وذكر تمامه بنحوه، فقد اختلف فيه على ابن جريج (^٢).
وقد تكلم في هذا الحديث علي بن المديني والبخاري والبيهقي، وغيرهم من الحفاظ (^٣).
قال البخاري في "التاريخ" (^٤): وقال بعضُهم: عن كعب، وهو أصح، يعني أن هذا الحديث مما سمعه أبو هريرة وتلقَّاه من كعب الأحبار، فإنهما كانا يصطحبان ويتجالسان للحديث، فهذا يُحدِّثُه عن صحفه، وهذا يحدثه بما يصدّقه عن النبي (^٥) ﷺ فكان هذا الحديث مما تلقّاه أبو هريرة، عن كعب، عن صحفه، فوهم بعضُ الرواة فجعله مرفوعًا إلى النبي ﷺ وأكَّدَ رفعَه بقوله: "أخَذَ رسول اللَّه ﷺ بيدي". ثم في متنه غرابة شديدة، فمن ذلك أنه ليس فيه ذكر خلق السماوات (^٦)، وفيه ذكر خلق الأرض وما فيها في سبعة أيام، وهذا خلاف القرآن (^٧)، لأنَّ الأرض خُلقت في أربعة أيام، ثم خُلقت السماواتُ في يومين من دُخان، وهو بُخار الماء الذي ارتفع حين اضطرب الماء العظيم الذي خلق من رُبدة (^٨) الأرض بالقدرة العظيمة البالغة، كما قال إسماعيل بن عبد الرحمن السُّدِّي الكبير في خبر ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرة الهمْداني عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب رسول اللَّه ﷺ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٩]
_________________
(١) في أ: الأحصن؛ وفيه تصحيف وتحريف. والأخضر بن عجلان الشيباني من رجال التهذيب، قال ابن حجر في التقريب: (١/ ٥٠) صدوق.
(٢) زاد في ب: وقد أسنده الحافظ ابن عساكر في ترجمة غنايم بن أحمد: مسلسلًا يقول كل منهم شبك بيدي فلان. وفي السند غرابة إلى إبراهيم بن أبي يحيى قال: شبك بيدي أيوب بن خالد وقال: شبك بيدي: أبو هريرة وقال: شبك بيدي رسول اللَّه ﷺ وقال: "خلق اللَّه آدم يوم الجمعة، والأرض يوم السبت، والجبال يوم الأحد، والشجر يوم الإثنين، والمكروه يوم الثلاثاء، والنور يوم الأربعاء، والبحار يوم الخميس". فهذا إسناد غريب، وقد سقط منه عبد اللَّه بن رافع وآخر في المتن، ففيه نكارة شديدة سندًا ومتنًا. واللَّه أعلم. ورواه الحاكم في علوم الحديث صفحة (٣٣) وأشار الحاكم إلى تضعيفه هكذا مسلسة بالتشبيك، وعلته إبراهيم بن أبي يحيى، فإنه متروك وأصله في صحيح مسلم غير مسلسل.
(٣) راجع الموضوع في جامع الأصول (٤/ ٢٥، ٢٦) وزاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي (٧/ ٢٤٣).
(٤) راجع تاريخ البخاري (١/ ٤١٣ - ٤١٤).
(٥) في ب: عن رسول اللَّه.
(٦) زاد في ب: والأرض.
(٧) وقد تقدم التعليق في الصفحة التي قبلها (٣١) أنه لا يخالف القرآن، فانظره.
(٨) الرُّبدة: لون إلى الغُبرة.
[ ١ / ٣٢ ]
قال: إن اللَّه كان عرشُه على الماء، ولم يخلق شيئًا مما خلَقَ قبل الماء (^١)، فلما أراد أن يخلُق الخلقَ أخرج من الماء دخانًا، فارتفع فوق الماء، فَسَما عليه، فسمَّاه: سماءً، ثم أيبس الماء فجعله أرضًا واحدة، ثم فتقها فجعل سَبْع أرضين في يومين (^٢): الأحد والإثنين، وخلق الأرض على حُوت، وهو النون الذي قال (^٣) اللَّه تعالى: ﴿ن وَالْقَلَمِ﴾ [القلم: ١]. والحوت في الماء، والماء على صفاه (^٤)، والصفاة على ظهر ملك، والملك على صخرة، والصخرة في الريح. وهي الصخرة التي ذكر لقمان ليست في السماء ولا في الأرض، فتحرك الحوت، فاضطرب (^٥)، فتزلزلت الأرض، فأرسى عليها الجبال فَقَرَّت (^٦)، وخلق اللَّهُ يومَ الثلاثاء الجبالَ وما فيهن من المنافع، وخلقَ يومَ الأربعاء الشجرَ والماءَ والمدائن والعمران والخراب، وفتَقَ السماء وكانت رَتْقًا (^٧) فجعلها سبعَ سمَاوات في يوم الخميس والجمعة وإنما سُمَّى: الجمعة لأنه جمع فيه خلق السماوات والأرض. ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ [فصلت: ١٢]. قال: خلق في كل سماء خلقها من الملائكة [والخلق الذي فيها] (^٨) والبحار وجبال البرد وما لا يعلمه غيره (^٩). ثم زيَّن السماءَ [الدنيا] بالكواكب فجعلها زينةً وحفظًا تحفظ من الشياطين. فلما فرغ من خلق ما أحب استوى على العرش.
هذا الإسناد يَذْكُرُ به السّدّي أشياء كثيرة فيها غرابة، وكأن كثيرًا منها متلقى من الإسرائيليات؛ فإن كعب الأحبار لما أسلم في زمن عمر كان يتحدث بين يدي عمر بن الخطاب (^١٠) ﵁ بأشياء من علوم أهل الكتاب، فيسمع له عمر تأليفًا له، وتعجُّبًا مما عنده مما يوافق كثيرٌ منه الحق الذي ورد به الشرع المطهر، فاستجاز كثيرٌ من الناس نقل ما يورده كعب الأحبار لهذا، ولما جاء من الإذن في التحديث عن بني إسرائيل (^١١)، لكن كثيرًا ما يقع فيما يرويه غلط وليس هو منه، ولكنه من الكتب التي ينقل عنها لأنها قد دخلها غلط كبير وخطأ كثير.
_________________
(١) في تفسير الطبري، وابن كثير: ولم يخلق شيئًا غير ما خلق قبل الماء.
(٢) في ب: في يوم الأحد والإثنين: وفي تفسير الطبري، وابن كثير: في يومين في الأحد والإثنين.
(٣) في الطبري، وابن كثير: هو الذي ذكره في القرآن.
(٤) "الصفاة": الصخرة الملساء.
(٥) في ب: فاضطربن. ولا توافق لفظ الطبري، وابن كثير.
(٦) أورده الطبري (١/ ١٥٢) وابن كثير في تفسيره (١/ ٦٨) في تفسير قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا. . .﴾ [البقرة: ٢٩]، وتتمته فيهما يختلف لفظها عما في المتن.
(٧) "الرتق": الالتئام.
(٨) زيادة من الطبري، وابن كثير في تفسيره.
(٩) في الطبري:. . . وما لا يعلم ثم. . . وفي تفسير ابن كثير: ومما لا يعلم. .
(١٠) قول: ابن الخطاب، ليس فى ب.
(١١) تقدم الحديث.
[ ١ / ٣٣ ]
وقد روى البخاري في "صحيحه" (^١) عن معاوية أنه كان يقول في كعب الأحبار: وإنْ كُنَّا لنَبْلُوَ عليه [الكذب] (^٢)، أي فيما ينقله؛ لا أنه يتعمد ذلك. واللَّه أعلم.
ونحن نورد ما نورده من الذي يسوقه كثير من كبار الأئمة المتقدمين عنهم، ثم نتبع ذلك من الأحاديث بما يشهد له بالصحة أو يُكذِّبه، ويبقى الباقي مما لا يصدَّق ولا يكذب، وباللَّه المستعان، وعليه التُّكلان.
قال البخاري: حدَّثنا قتيبة، حدثنا مغيرة بن عبد الرحمن القُرشي، عن أبي الزناد، عن الأعرجِ، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "لمَّا قَضَى اللَّهُ الخَلْقَ كَتَبَ في كتابِهِ، فهوَ عِنْدهُ فوْقَ العَرْشِ: إنَّ رَحْمتي غَلَبتْ غَضَبي" (^٣). وكذا رواه مسلم، والنسائي عن قتيبة به (^٤).
ثم قال البخارى (^٥):
* * *