وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ
_________________
(١) رواه البخاري كما في الفتح (١٣/ ٢٨٢) في الاعتصام، باب قول النبي ﷺ لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء، بلفظ: وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب.
(٢) من ط، وهو موافق لرواية البخاري.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه (٣١٩٤)، في بدء الخلق: باب ما جاء في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ وقد أورده البخاري أيضًا من طرق عن أبي هريرة ﵁ (٧٤٠٤)، في التوحيد: باب قول اللَّه تعالى: ﴿وَيُحَذرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾، و(٧٤٢٢) باب: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾، و(٧٤٥٣) باب: قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ و(٧٥٥٣) باب: قوله اللَّه تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾.
(٤) مسلم في صحيحه (٢٧٥١)، في التوبة: باب في سعة رحمة اللَّه تعالى وأنها سبقت غضبه، وفيه: "إن رحمتي تغلب غضبي" والنسائي في الكبرى (٧٧٥٠). وأخرجه -من طرق- ابن ماجه (١٨٩) في المقدمة: فيما أنكرت الجهمية و(٤٢٩٥) في الزهد: باب (٣٥) ما يرجى من رحمة اللَّه يوم القيامة، وأحمد في مسنده (٢/ ٢٤٢، ٢٥٨، ٢٦٠، ٣١٣، ٣٥٨، ٣٨١، ٣٩٧، ٤٣٣، ٤٦٦) والترمذي (٣٥٤٣) في الدعوات: باب (١٠٠) خلق اللَّه مئة رحمة، كلهم من حديث أبي هريرة، بنحوه. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب.
(٥) البخاري (٣١٩٥) في بدء الخلق.
(٦) كلمة باب؛ سقطت من المطبوع.
[ ١ / ٣٤ ]
اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢] ثم قال: حدَّثنا (^١) عليُّ بن عبد اللَّه، أخبرنا (^٢) ابن عُلَيَّة، عن عليّ بن المبارك، حدَّثنا يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وكانت بينه وبين ناس خصومة في أرض، فدخل على عائشة فذكرَ لها ذلك. فقالت: يا أبا سلمة! اجتنبِ الأرضَ، فإنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "منْ ظلمَ قِيْدَ شِبْرٍ طُوِّقه منْ سبع أرضينَ" (^٣). ورواه أيضًا في كتاب المظالم (^٤)، ومسلم من طرقٍ (^٥)، عن يحيى بن أبي كثير به.
ورواه أحمد من حديث محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة به (^٦). ورواه أيضًا عن يونس، عن أبان، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عائشة بمثله (^٧).
ثم قال البخاري: حدَّثنا بشر بن محمد، قال: حدَّثنا عبد اللَّه، عن موسى بن عقبة، عن سالم، عن أبيه، قال: قال النبىُّ ﷺ: "منْ أخذ شيئًا من الأرض بغير حقِّه خُسِفَ به يومَ القيامةِ إلى سبع أرضين" (^٨). ورواه في المظالم أيضًا (^٩): عن مسلم بن إبراهيم، عن عبد اللَّه -هو ابن المبارك- عن موسى بن عُقبة به، وهو من أفراده.
وذكر البخاري هاهنا (^١٠) حديث محمد بن سيرين، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "إنَّ الزمانَ قد استدارَ كهيئته يوم خلقَ اللَّهُ السماواتِ والأرضَ، السنة اثنا عشرَ شهرًا. . . " الحديث. ومراده -واللَّه أعلم- تقرير قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] أي: في العدد كما أن عدة الشهور الآن اثني عشر مطابقةٌ لعدة الشهور عند اللَّه في كتابه الأول، فهذه (^١١) مطابقة في الزمن، كما أن تلك مطابقة في المكان.
_________________
(١) في ب: حدَّثني.
(٢) في أوب: "ثنا"؛ وأثبت ما في البخاري والمطبوع.
(٣) رواه البخاري في صحيحه (٣١٩٥) في بدء الخلق، و(٢٤٥٣) في المظالم، ومسلم (١٦١٢) في المساقاة.
(٤) البخاري (٢٤٥٣) في المظالم.
(٥) مسلم (١٦١٢) في المساقاة.
(٦) في المسند (٦/ ٧٨) و(٦/ ٢٥٢).
(٧) رواه أحمد في المسند (٦/ ٦٤).
(٨) رواه البخاري في صحيحه (٣١٩٦) في بدء الخلق.
(٩) البخاري (٢٤٥٤) في المظالم.
(١٠) أي في كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في سجع أرضين (٣١٩٧).
(١١) في أ: فهن.
[ ١ / ٣٥ ]
ثم قال البخاري (^١): حدَّثنا عُبيد بن إسماعيل، حدَّثنا أبو أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل: أنَّه خاصمته أروى في حقٍّ زعمتْ أنه انتقصَه لها إلى مروان، فقال سعيد ﵁: أنا أنتقصُ من حقِّها شيئًا؟ أشهدُ لسمعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "منْ أخذَ شِبْرًا من الأرض ظُلمًا فإنه يُطوَّقه يومَ القيامة من سبع أرضينَ" ورواه (^٢).
وقال الإمام أحمد (^٣): حدَّثنا حسن، وأبو سعيد -مولى بني هاشم- قالا: حدَّثنا عبُد اللَّه بن لَهيعة، حدَّثنا عُبيد اللَّه بن أبي جعفر، عن أبي عبد الرحمن الحُبُلي، عن ابن مسعود قال: قلت يا رسول اللَّه! أي الظلم أعظم؟ قال: "ذراع من الأرض ينتقصُه المرءُ المسلمُ من حقِّ أخيه، فليست حصاةٌ من الأرض يأخذها أحد إلا طُوِّقها يوم القيامة إلى قعرِ الأرضِ، ولا يعلمُ قعرَها إلا الذي خلقَها". تفرَّد به أحمد، وهذا إسناد لا بأس به.
وقال الإمام أحمد (^٤): حدَّثنا عفان، حدَّثنا وُهيب، حدَّثنا سُهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "من أخذَ شِبْرًا من الأرض بغير حقِّه طُوِّقه من سبع أرضين" تفرَّد به من هذا الوجه وهو على شرط مسلم.
وقال أحمد (^٥): حدَّثنا يحيى، عن ابن عَجْلان، حدَّثني أبي، عن أبي هريرة عن النبيِّ ﷺ قال: "منِ اقتطعَ شِبْرًا من الأرض بغير حقِّه طُوِّقه إلى سبع أرضين" تفرَّد به أيضًا، وهو على شرط مسلم.
وقال أحمد أيضًا (^٦): حدَّثنا عفان، حدَّثنا أبو عَوانة، عن عمرَ بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ: "منْ أخذَ من الأرض شِبْرًا بغير حقِّه طُوِّقه من سبع أرضين" تفرَّد به أيضًا،
_________________
(١) البخاري في صحيحه (٣١٩٨) في بدء الخلق.
(٢) كذا في الأصول. وفي البخاري: قال ابن أبي الزناد، عن هشام، عن أبيه، قال: قال سعيد بن زيد: دخلت على النبي ﷺ، فلعله يريد: ورواه البخاري معلقًا أو نحوه.
(٣) في المسند (١/ ٣٩٦)، فيه ابن لهيعة ضعيف، وأبو عبد الرحمن الحُبُلّي -عبد اللَّه بن يزيد- لم يرو عن ابن مسعود، وإنما روى عن صغار الصحابة. وذكره الهيثمي في المجمع (٤/ ١٧٤) وقال رواه أحمد والطبراني في الكبير (١٠٥١٦) بهاسناد أحمد حسن، وحسنه المنذري في الترغيب (٢٧٨٥) ولعل التحسين بسب الشواهد المتقدمة في الصحيحين.
(٤) في المسند (٢/ ٣٨٨) وهو عند مسلم في صحيحه (١٦١١) في المساقاة.
(٥) في المسند (٢/ ٤٣٢).
(٦) في المسند (٢/ ٣٨٧) وانظره في الترغيب (٢٧٨٢).
[ ١ / ٣٦ ]
وقد رواه الطبرانيُّ (^١) من حديث مُعاوية بن قُرَّة عن ابن عباس مرفوعًا مثله.
فهذه الأحاديث كالمتواترة في إثبات سبع أرضين، والمراد بذلك أن كلَّ واحدة فوقَ الأخرى، والتي تحتَها في وسطها عند أهل الهيئة، حتى ينتهيَ الأمر إلى السابعة، وهي صمَّاء لا جوفَ لها، وفي وسطها المركز، وهي نقطة مقدَّرة متوهَّمة. وهو محطُّ الأثقال، إليه ينتهي ما يَهبطُ من كلِّ جانب إذا لم يُعاوقه مانع. واختلفوا هل هنَّ متراكمات بلا تفاصل، أو بين كلِّ واحدة والتي تليها خَلاء (^٢)؟ على قولين. . وهذا الخلاف جارٍ في الأفلاك أيضًا.
والظاهر أن بين كل واحدة منهن وبين الأخرى مسافة، لظاهر قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] الآية.
وقال الإمام أحمد (^٣): حدَّثنا سُريج، حدَّثنا الحكم بن عبد الملك، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي هريرة قال: بينا نحن عند رسول اللَّه ﷺ إذ مرَّت سحابة، فقال: "أتدرون ما هذه؟ " قال: قلنا: اللَّه ورسوله أعلمُ. قال: العَنان، ورَوايا (^٤) الأرض يسوقُه إلى من لا يشكرونَه من عباده ولا يَدْعونه، أتدرون ما هذه فوقكم؟ قلنا: اللَّه ورسولُه أعلمُ. قال: الرَّقيع (^٥)، موجٌ مكفوفٌ وسقفٌ محفوظٌ. أتدرون كم بينكم وبينها؟ قلنا: اللَّه ورسولُه أعلم. قال: مسيرة خمسمئة عام. ثم قال: أتدرون ما الذي فوقَها؟ قلنا: اللَّه ورسوله أعلم. قال: مسيرة خمسمئة عام، حتى عدَّ سبعَ سماوات. ثم قال: أتدرونَ ما فوقَ ذلك؟ قلنا: اللَّه ورسولُه أعلمُ. قال: العرش. أتدرونَ كم بينَه وبين السماء السابعة؟ قلنا: اللَّهُ ورسولُه أعلمُ. قال: مسيرة خمسمئة عام. ثم قال: أتدرون ما هذه تحتكم؟ قلنا: اللَّه ورسولُه أعلم. قال: أرض، أتدرونَ ما تحتها؟ قلنا: اللَّه ورسوله أعلم. قال: أرض أخرى، أتدرون كم بينهما؟ قلنا: اللَّه ورسوله أعلم. قال: مسيرة سبعمئة عام، حتى عدَّ سبع أرضين. ثم قال: وايم اللَّه لو دلَّيتم أحدكم إلى الأرض السفلى السابعة لهبطَ. ثم قرأ ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣].
ورواه الترمذي (^٦): عن عبد بن حميد، وغيرُ واحد عن يونسَ بن محمد المؤدب، عن شيبانَ بن عبد الرحمن، عن قتادةَ، قال: حدَّث الحسنُ، عن أبي هريرة. . وذكرَه، إلا أنه ذكرَ أن بُعدَ ما بين كل
_________________
(١) رواه الطبراني في الكبير (١٢٩٢١) وذكره الهيثمي في المجمع (٤/ ١٧٥) وفيه محمد بن الفضل بن عطية، وهو متروك كذاب، ولفظه: "من أخذ شبرًا من مكَّة. . . ".
(٢) في ب والمطبوع: مسافة.
(٣) في المسند (٢/ ٣٧٠).
(٤) الروايا من الإبل: الحوامل للماء، واحدتها راوية، فشبهها بها. انظر النهاية، لابن الأثير (٢/ ٢٧٩).
(٥) الرقيع: السماء، وقيل: هو اسم سماء الدنيا. انظر جامع الأصول (٤/ ٢٣).
(٦) الجامع (٣٢٩٨) في التفسير.
[ ١ / ٣٧ ]
أرضين خمسمئة عام، وذكرَ في آخره كلمة ذكرناها (^١) عند تفسير هذه الآية من سورة الحديد، ثم قال الترمذي: هذا حديث غريب من هذا الوجه، قال: ويُروى عن أيوب، ويونسَ بن عُبيد، وعلي بن زيد أنهم قالوا: لم يسمع الحسن من أبي هريرة (^٢).
ورواه أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم في "تفسيره" من حديث أبي جعفر الرازي، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي هريرة، فذكرَ مثل لفظ الترمذي سواء بدون الزيادة في آخر (^٣).
ورواه ابن جرير في "تفسيره" عن بشر، عن يزيد، عن سعيد بن أبي عَروبة، عن قتادة مرسلًا (^٤). وقد يكون هذا أشبه واللَّه أعلم.
ورواه الحافظان أبو بكر البزَّار والبيهقيُّ من حديث أبي ذر الغفاري عن النبي ﷺ (^٥) بنحوه. ولكن لا يصح إسناده واللَّه أعلم.
وقد تقدَّم (^٦) عند صفة العرش من حديث الأوعال ما يُخالف هذا في ارتفاع العرش عن السماء السابعة وما يشهد له. وفيه: وبعدُ ما بين كلِّ سماءين خمسمئة عام، وكثفها، أي: سمكها خمسمئة عام. وأما ما ذهبَ إليه بعض المتكلِّمين على حديث "طُوَّقهُ من سَبْعِ أرْضِيْنَ" (^٧) أنها سبعة أقاليم. فهو قول يُخالف ظاهرَ الآية والحديثَ الصحيح، وصريحَ كثير من ألفاظه مما يعتمد من الحديث الذي أوردناه من طريق الحسن عن أبي هريرة. ثم إنه حَمْلٌ للحديث والآية على خلاف ظاهرهما بلا مستند ولا دليل، واللَّه أعلم.
وهكذا ما يذكره كثير من أهل الكتاب، وتلقَّاه عنهم طائفة من علمائنا، من أن هذه الأرض من تراب، والتي تحتَها من حديد، والأخرى من حجارة من كبريت، والأخرى من كذا، فكل هذا إذا لم يُخْبر به ويصح سندُه إلى معصوم فهو مردود على قائله.
_________________
(١) انظر تفسير القرآن العظيم؛ لابن كثير (٤/ ٣٥٩) وقال الترمذيُّ: وفسَّر بعضُ أهل العلم هذا الحديث فقالوا: إنما هبط على علم اللَّه وقدرته وسلطانه، وعلم اللَّه وقدرته وسلطانه في كل مكان، وهو على العرش، كما وصف في كتابه.
(٢) رواه الترمذي في جامعه (٣٢٩٨) في التفسير، قلت: وإسناده ضعيف.
(٣) تفسير القرآن العظيم، لابن كثير (٤/ ٣٠٣) عن الحسن عن أبي هريرة.
(٤) تفسير ابن جرير الطبري (١١/ ٦٧٠).
(٥) تفسير القرآن العظيم (٤/ ٣٥٩) وقال الحافظ ابن كثير: رواه البزار في مسنده، والبيهقي في كتاب الأسماء والصفات، وفي متنه غرابة ونكارة.
(٦) تقدم الحديث (ص ١٧).
(٧) تقدم الحديث (ص ٣٥).
[ ١ / ٣٨ ]
وهكذا الأثر المرويُّ عن ابن عباس أنه قال: في كل أرض من الخلق مثل ما في هذه، حتى آدم كآدمكم، وإبراهيم كإبراهيمكم، فهذا ذكرهُ ابن جرير (^١) مختصرًا، واستقصاه البيهقي في "الأسماء والصفات" (^٢) وهو محمولٌ -إن صحَّ نقلُه عنه- على أنه أخذَه ابن عباس ﵁ عن الإسرائيليات، واللَّه أعلم.
وقال الإمام أحمد: حدَّثنا يزيد، حدَّثنا العوَّام بن حَوْشب، عن سُليمان بن أبي سُليمان، عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ قال: "لما خلق اللَّه الأرضَ جعلتْ تميدُ (^٣)، فخلقَ الجبالَ، فألفاها عليها فاستقرَّتْ، فتعجبتِ الملائكةُ من خَلْق الجبالِ، فقالتْ: يا ربّ: هل من خلقكَ شيءٌ أشدُّ من الجبال؟ قال: نعم الحديدُ. فقالت: يا ربِّ: فهل من خلقك شيءٌ أشدُّ من الحديد؟ قال: نعم النَّار. قالت: يا ربِّ! فهلُ من خَلقكَ شيءٌ أشدُّ من النَّار؟ (قالَ: الماء. قالت: يا ربِّ! فهل من خلقك شيء أشدُّ من الماء؟) (^٤)؛ قال: نعم الرِّيحُ. قالت: يا ربِّ! فهل من خلقكَ شيءٌ أشدُّ من الريح؟ قال: نعم ابنُ آدمَ يتصدَّق بيمينهِ يُخفيها من شمالِه". تفرَّد به أحمد (^٥).
وقد ذكرَ أصحابُ الهيئة أعدادَ جبال الأرض في سائر بقاعها شرقًا وغربًا، وذكروا أطوالَها وبُعدَ امتدادها وارتفاعها، وأوسعوا القولَ في ذلك بما يطول شرحه هاهنا. وقد قالَ اللَّه تعالى: ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ [فاطر: ٢٧] قال ابن عباس وغير واحد: الجُدَدُ: الطرائقُ. وقال عكرمة وغيره: الغرابيب: الجبال الطّوال السُّود (^٦). وهذا هو المشاهدُ من الجبال في سائر الأرض، تختلفُ باختلاف بقاعها وألوانها.
وقد ذكرَ اللَّه تعالى في كتابه ﴿الْجُودِيِّ﴾ [هود: ٤٤] (^٧) على التعيين، وهو جبل عظيم (^٨) شرقي جزيرة ابن عمر إلى جانب دجلة، عند الموصل، امتداده من الجنوب إلى الشمال مسيرة ثلاثة أيام، وارتفاعه مسيرة نصف يوم، وهو أخضرُ لأن فيه شجرًا من البلُّوط، وإلى جانبه قرية يُقال لها: قرية "الثمانين" (^٩)
_________________
(١) تفسير ابن جرير الطبري (١٢/ ١٤٥).
(٢) الأسماء والصفات، للبيهقي (٢/ ١٣١) وقال: إسناد هذا عن ابن عباس ﵄ صحيح، وهو شاذ بمرة، لا أعلم لأبي الضحى عليه متابعًا، واللَّه أعلم.
(٣) تميد: من الميد: وهو اضطراب الشيء العظيم؛ كاضطراب الأرض. قاله الأصفهاني في مفرداته.
(٤) سقطت من أ والمطبوع، وأثبتها من ب والمسند.
(٥) رواه أحمد في المسند (٣/ ١٢٤) ولم يتفرد به، بل رواه الترمذي في جامعه (٣٣٦٦) في التفسير، وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه. أقول: وإسناده ضعيف.
(٦) انظر تفسير الطبري (١٠/ ٤٠٩) وتفسير القرآن العظيم؛ لابن كثير (٣/ ٦٧٨).
(٧) قال اللَّه تعالى: ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ [هود: ٤٤].
(٨) انظر معجم البلدان؛ لياقوت الحموي (٢/ ١٧٩).
(٩) معجم البلدان (٢/ ٨٤).
[ ١ / ٣٩ ]
لسكنى الذين نجوا في السفينة مع نوح ﵇ في موضعها، فيما ذكره غيرُ واحد من المفسرين (^١)، واللَّه أعلم.
وذكر تعالى ﴿طُورِ سَيْنَاءَ﴾ وقد روى (^٢) الحافظُ البهاء ابن عساكر في كتابه (المستقصى في فضائل المسجد الأقصى) في ترجمة الجبال المقدسة من طريق عمرو بن بكر، عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن أبي هريرة قال: أقسمَ ربُّنا ﷿ بأربعة أجبل، فقال: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ [التين: ١ - ٣] فالتين: طور زيتا مسجدُ بيت المقدس، والزيتون: طور تينا، وطور سينين، وهذا البلد الأمين: جبل مكة (^٣).
وقال قتادة: التين جبل عليه دمشق، والزيتون: جبل عليه بيت المقدس (^٤).
وروى الحافظ ابن عساكر عن كعب الأحبار أنَّه قال: أربعة أجبل يوم القيامة: جبل الخليل، والتين، والطور، والجودي، يكون كل واحد منها يوم القيامة لؤلؤة بيضاء تضيء ما بين السماء والأرض، يرجعن إلى بيت المقدس حتى تجعل في زواياه، ويضعُ (الجبَّارُ ﷻ (^٥) عليها كرسيَّه حتى يُقضى بين أهل الجنة والنار ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (^٦) [الزمر: ٧٥].
ومن طريق الوليد بن مسلم، حدثنا عمَّار بن أبي العالية، عن علي بن يزيد، عن القاسم أبي عبد الرحمن قال: أوحى اللَّه إلى جبل قاسيون أن هَبْ ظلَّكَ وبركتكَ لجبل بيت المقدس، قال: ففعلَ، فأوحى اللَّه إليه: أما إذ فعلتَ فإني سأبني لي في حضنكَ بيتًا؛ يعني مسجدَ دمشق، أُعْبَدُ فيه بعد
_________________
(١) انظر تفسير الطبري (١٢/ ٤٨) والقرطبي (٩/ ٤٤).
(٢) في أ: ذكر.
(٣) ذكره الشمس السيوطي في "إتحاف الأخصَّا بفضائل المسجد الأقصى" (١/ ٢٢١) بلفظ: فالتين مسجد دمشق، والزيتون طور زيتا مسجد بيت المقدس، وطور سنين حيث كلَّم اللَّه تعالى موسى ﵇، والبلد الأمين مكة. وانظره في "مختصر تاريخ دمشق" لابن منظور (١/ ٢٥٥) عن يزيد بن ميسرة بلفظ "أربعة أجبل مقدسة بين يدي اللَّه ﷿: طور زيتا، وطور سينا، وطور تينا، وطور تيمنانا. قال: فطور زيتا: بيت المقدس، وطور سينا: طور موسى، وطور تينا: مسجد دمشق، وطور تيمنانا: مكة". وحديث البهاء ابن عساكر عن أبي هريرة فيه عمرو بن بكر: ضعيف، وخالد بن معدان يرسل عن الصحابة الكبار.
(٤) تهذيب تاريخ ابن عساكر: لابن منظور (١/ ٢٥٥) ولفظه: أقسم اللَّه تعالى بمساجد أربعة: قال: ﴿وَالتِّينِ﴾ وهو مسجد دمشق ﴿وَالْزَّيْتُونِ﴾ وهو مسجد بيت المقدس ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ وهو حيث كلَّم اللَّه موسى ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ وهو مكة.
(٥) سقط من ب واستدركته من مختصر تاريخ دمشق.
(٦) مختصر تاريخ دمشق (١/ ٢٨٧).
[ ١ / ٤٠ ]
خراب الدنيا أربعين عامًا، ولا تذهبُ الأيام والليالي حتى أردَّ عليكَ ظلَّك وبركتَك، قال: فهو عند اللَّه بمنزلة المؤمن الضعيف المتضرِّع (^١).
وعن خليد بن دَعْلَج: أنَّ صفية زوج النبي ﷺ أتتْ طرفَ بيت المقدس فصلّتْ فيه، وصعِدت إلى طور زيتا فصلَّت فيه، وباتت على طرف الجبل، فقالت: (من هاهنا يتفرَّقُ النَّاسُ يومَ القيامة إلى الجنة وإلى النار) (^٢) (^٣).
* * *