يتميز أسلوب الحافظ ابن كثير في كتاب "البداية والنهاية" عن غيره من الكتب، باختيار التعبير السهل الواضح المشوق، والبعد عن المحسنات البديعية، والزخارف اللفظية، وكل ما يتصل بالتكلف، والاحتفال بأناقة الشكل، مع الالتزام بسلامة المعنى وصحة العبارة. وهذا الاختيار للأسلوب العلمي المبسط الذي يوصل المعنى التاريخي بأوضح لفظ وأبسط تعبير، يدلُّ على سلامة الاختيار والتوفيق في تحقيقه، كما يثبت قوة المؤلف في ثقافته الأدبية وثروته اللغوية، نلمحها في البداية والنهاية أحيانًا، وتظهر في باقي كتبه -كالتفسير- بكل وضوح.
يقول ابن العماد: "يشارك في العربية مشاركة جيدة، وينظم الشعر" (^١) ويقول الشرباصي: "تشغله الفكرة والمعاني عن التكلف في الأسلوب والمباني" (^٢).
ومع التنوع الواضح في أجزاء الكتاب وأقسامه؛ تبعًا لتنوع المصادر والأمكنة والأزمنة كما أشرنا في "المنهج"، فإننا نستطيع أن نتلمس صورًا ومواقف ومشاعر لصيقة بأسلوب المؤلف وهويته، وصدق من قال: الأسلوب هو الرجل:
١ - البعد عن تكلف السجع: وإذا سجع ورادف بين الجمل والكلمات؛ فإنه لا يطيل، وأقرب مثال على ذلك خطبة "البداية والنهاية" إذ يقول: "الحمد للَّه الأول والآخر، الباطن الظاهر، الذي هو بكل شيء عليم، الأول فليس قبله شيء، الآخر فليس بعده شيء، الظاهر فليس فوقه شيء، الباطن فليس دونه شيء، الأزليّ القديم الذي لم يزل ولا زوال، يعلم دبيب النملة السوداء، على الصخرة الصمَّاء، في الليلة الظلماء. . . " (^٣).
وحول بدعة خلق القرآن يقول: "وهذه بدعة صلعاء، شنعاء، عمياء، صمَّاء، لا مستند لها من كتاب ولا سنة، ولا عقل صحيح، ولا نقل صريح. . بل القرآن والسنة والعقل الصحيح على خلافها" (^٤).
وحين قصد صلاح الدين الأيوبي بلاد الشام سنة (٥٧٠ هـ) يقول: "وذلك حين مات سلطانها
_________________
(١) شذرات الذهب (٨/ ٣٠٢).
(٢) الإمام ابن كثير؛ للندوي (ص: ٣٢٣) نقلًا عن مجلة الحج.
(٣) البداية والنهاية (١/ ٥).
(٤) المصدر السابق (١١/ ١٢٤).
[ مقدمة / ٧٩ ]
نور الدين محمود بن زنكي، وأخيف سكانها، وتضعضعت أركانها، واختلفت حكامها، وفسد نقضها وإبرامها، قصد لجمع شملها، والإحسان إلى أهلها، وأمن سهلها وجبها، ونصرة الإسلام، ودفع الطغام. . " (^١).
٢ - لا ينقل حرفيًا: وإنما يقرأ الواقعة في مصدره، ويصوغه بعباراته وألفاظه، ويضيف ما يجده مناسبًا من انتقاداته وتعليقاته. وعندما أراد بعضهم مقارنة ما في البداية والنهاية مع تاريخ الطبري أو غيره، ظنوا أن ابن كثير لم يرد إلى تاريخ الطبري مباشرة، وإنما أخذ مادته من مصدر آخر، وقد أخطأوا في ظنهم؛ لأنهم لم يتثبتوا من أسلوبه ومنهجه.
وأوضح مثال على ذلك ما كتبه في ترجمة الحلاج (^٢)، وما حلَّ ببغداد بعد دخول التتار من خراب ودمار (^٣)، وما كتبه من وصف دمشق وبناء مسجدها (^٤).
٣ - عاطفته الصادقة: في حبِّ اللَّه تعالى، وحب رسوله ﷺ، وحب الصحابة جميعًا ومن تبعهم بخير وإحسان، وكراهيته لأهل الكفر والزيغ والبطلان، وتأثره بما وقع للمسلمين من فتن واختلاف، مما أوقف الدعوة والفتوح، ورد أسلحة المسلمين إلى نحورهم، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه. . ونجد هذه العاطفة الصادقة تظهر عند ارتداد جبلة بن الأيهم الغساني، ويصفه بأنه حيوان (^٥)!، كما تبدو عاطفته عارمة عند مقتل ابن الزبير، ووصفه للحجَّاج القاتل بالمبير، ولابن الزبير المقتول بأمير المؤمنين (^٦).
وينقد بحرارة استدلال الجهمية على أن الاستواء بمعنى الاستيلاء، ويستشهدون بقول الأخطل:
قد استوى بشرٌ على العراق … من غير سيف ودمٍ مهراق
ويقول: ولا دليل فيه، والبيت للأخطل، وهو نصراني (^٧).
ولا ريب أن الأسلوب السهل الممتنع، والخاص بالحافظ ابن كثير، والمتجلي في "البداية والنهاية"، والعاطفة الصادقة والمخلصة في الانتصار للفرقة الناجية من أهل السنة والجماعة، كل ذلك جعل هذا الكتاب مباركًا ومعاصرًا في آن واحد، وكأن مؤلفه كتبه للأجيال القادمة بلغتها وأسلوبها ومشاعرها!!.
_________________
(١) البداية والنهاية (١٤/ ١٣١).
(٢) المصدر السابق (١٢/ ٤٠).
(٣) المصدر السابق (١٠/ ٣٣٨).
(٤) المصدر السابق (١٠/ ٣٣٨).
(٥) البداية والنهاية (٨/ ٩٠).
(٦) المصدر السابق (٨/ ١٠٥ و١٠٨ و١٠٩).
(٧) المصدر السابق (٩/ ١٣٨).
[ مقدمة / ٨٠ ]