قال الإمام أحمد: حدَّثنا يحيى ومحمد بن جعفر، حدَّثنا عَوْف، حدَّثني قَسَامة بن زُهير، عن أبي موسى، عن النبيِّ ﷺ، قال: "إنَّ اللَّهَ خلقَ آدمَ من قَبْضةٍ قبضَها من جميعِ الأرض، فجاءَ بنو آدمَ على قَدْرِ الأرضِ، جاءَ منهم الأبيضُ والأحمرُ والأسودُ وبين ذلك. والخبيثُ والطَّيِّبُ والسَّهْلُ والحَزنُ وبين ذلك" (^١).
ورواه أيضًا (^٢): عن هوذةَ، عن عَوْف، عن قَسَامة بن زُهير، قال: سمعتُ الأشعريَّ قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ: "إنَّ اللَّهَ خلقَ آدمَ من قَبْضَةٍ قبضَها من جميع الأرضِ، فجاءَ بنو آدمَ على قَدْرِ الأرضِ، فجاءَ منهم الأبيضُ والأحمرُ والأسودُ وبينَ ذلك. والسَّهْلُ والحَزْنُ، وبين ذلك، والخبيثُ والطَّيِّبُ، وبينَ ذلكَ".
وكذا رواه أبو داود والترمذي وابن حِبَّان في "صحيحه" (^٣): من حديث عوف بن أبي جميلة الأعرابي، عن قَسَامة بن زُهير المازني البَصْري، عن أبي موسى عبد اللَّه بن قيس الأشْعري، عن النبيِّ ﷺ بنحوه. وقال الترمذي: حسن صحيح.
وقد ذكر السُّدِّي: عن أبي مالك، وأبي صالح، عن ابن عباش، وعن مُرَّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحابِ رسول اللَّه ﷺ، قال: فبعثَ اللَّه ﷿ جبريلَ في الأرض، ليأتيَه بطينٍ منها، فقالت الأرضُ: أعوذُ باللَّه منكَ أن تنقص مني أو تشينني، فرجعَ ولم يأخذ، وقال: ربِّ إنها عاذتْ بكَ فأعذتُها، فبعث ميكائيلَ فعاذتْ منه فأعاذَها، فرجعَ فقال كما قالَ جبريلُ، فبعَثَ مَلَك الموتِ فعاذتْ منه، فقال: وأنا أعوذ باللَّه أن أرجعَ ولم أُنَفِّذْ أمرَه، فأخذَ من وجه الأرض وخلَطه، ولم يأخذ من مكان واحد، وأخذَ من تربةٍ بيضاءَ وحمراء وسوداءَ، فلذلكَ خرجَ بنوآدم مختلفينَ، فصَعِدَ به فَبَلَّ الترابَ حتى
_________________
(١) في المسند (٤/ ٤٠٠).
(٢) في المسند (٤٠٦).
(٣) أخرجه أبو داود (٤٦٩٣) في السنة، والترمذي (٢٩٥٥) في التفسير، وابن حبَّان في صحيحه (٦١٦٠) الإحسان.
[ ١ / ١٣٣ ]
عاد طينًا لازبًا -واللازب؛ هو الذي يلزق بعضه ببعض- ثم قال للملائكة: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (٧١) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [ص: ٧١ - ٧٢] ".
فخلقَه اللَّه بيده لئلا يتكبَّرَ إبليس عنه، فخلقَه بشرًا، فكان جسدًا من طين أربعين سنة من مقدار يوم الجمعة، فمرَّت به الملائكةُ، ففَزِعُوا منه لمَّا رأَوْه، وكان أشدَّهم منه فزعًا إبليسُ، فكان يمرُّ به فيضربه، فيُصَوِّتُ الجسدُ كما يُصوِّتُ الفُخَّارُ، يكون له صلصلة، فذلك حين يقول: ﴿مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾ [الرحمن: ١٤] ويقول: لأمرٍ ما خُلِقْتَ، ودخلَ من فيه وخرجَ من دُبُره، وقال للملائكة: لا تَرْهَبُوا من هذا فإن ربَّكم صمَدٌ وهذا أجوفُ، لئن سُلِّطْتُ عليه لأهلكنَّه.
فلما بلغ الحين الذي يُريد اللَّه ﷿ أنْ ينفخَ فيه الرُّوحَ، قال للملائكة: إذا نفختُ فيه من روحي فاسجدوا له، فلما نفخَ فيه الروحَ، فدخلَ الرُّوحُ في رأسِه عطسَ، فقالت الملائكة: قل الحمد اللَّه، فقال: الحمد اللَّه، فقال له اللَّه: رحمكَ ربُّكَ. فلما دخلتِ الرُّوح في عينيْه نظرَ إلى ثمار الجنَّة، فلما دخلتِ الرَّوح في جوفه، اشتهى الطعام، فوثبَ قبل أن تبلغَ الرَّوح إلى رجليْه، عجلانَ إلى ثمار الجنَّة، وذلك حين يقولُ اللَّه تعالى: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٣٠ - ٣١] وذكرَ تمامَ القِصَّة (^١).
ولبعض هذا السِّياق شاهدٌ من الأحاديث، وإن كانَ كثير منه مُتلقَّى من الإسرائيليات.
فقال الإمام أحمد (^٢): حدَّثنا عبدُ الصمد، حدَّثنا حمَّاد، عن ثابت، عن أنس، أن النبيَّ ﷺ قال: "لما خلق اللَّه آدمَ تركَه ما شاء أن يدَعَه، فجعل إبليسُ يطيفُ به، فلما رآه أجوفَ عرفَ أنَّه خَلْقٌ لا يتمالكُ".
وقال ابن حبَّان في "صحيحه" (^٣): حدَّثنا الحسنُ بن سفيان، حدَّثنا هُدْبة بن خالد، حدَّثنا حمَّاد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس بن مالك، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "لما نُفِخَ في آدمَ، فبلغَ الروحُ رأسَه عطسَ، فقال: الحمد اللَّه رب العالمين، فقال له ﵎: يرحمك اللَّه".
وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدَّثنا يحيى بن محمد بن السَّكَن، حَدَّثنا حَبَّان بن هِلال، حدَّثنا مبارك ابنِ فَضَالة، عن عُبيد اللَّه، عن خُبيب، عن حَفْص -هو ابن عاصم بن عمر بن الخطاب- عن أبي هُريرة، رفعه، قال: "لمّا خلقَ اللَّه آدمَ عطسَ، فقال: الحمدُ للَّه، فقال له ربُّه: رحمكَ ربُّك يا آدم" (^٤). وهذا الإسناد لا بأس به، ولم يُخرِّجوه.
_________________
(١) أخرجه الطبري في تاريخه (١/ ٩٠).
(٢) في المسند (٢/ ١٥٢).
(٣) الإحسان (٦١٦٥) وإسناده صحيح، رجاله رجال مسلم.
(٤) أخرجه ابن حبان في صحيحه عن أبي عروبة الحراني، عن يحيى بن محمد، به (٦١٦٤) الإحسان، وهو حديث حسن.
[ ١ / ١٣٤ ]
وقال عمر بن عبد العزيز: لما أُمرتِ الملائكةُ بالسجود، كان أوَّلُ من سجدَ منهم إسرافيل، فآتاه اللَّه أن كتبَ القرآن في جبهته. رواه ابن عساكر (^١).
وقال الحافظ أبو يعلى (^٢): حدَّثنا عقبةُ بن مُكْرَم، حدَّثنا عمرو بن محمد، عن إسماعيل بن رافع، عن المَقْبُري، عن أبي هريرة، أن رسولَ اللَّه ﷺ، قال: "إن اللَّه خلقَ آدمَ من ترابٍ، ثم جعلَه طينًا، ثم تركَه حتى إذا كان حمأً مسنونًا، خلقَه وصوَّره، ثم تركَه، حتَّى إذا كان صَلْصَالًا كالفَخار". قال: فكان إبليسُ يمرُّ به، فيقولُ له: لقد خُلِقتَ لأمرٍ عظيم. ثم نفخَ اللَّه فيه من رُوحه، فكان أوَّل ما جرى فيه الرُّوح بصرَه وخياشيمَه، فعطسَ فلقَاه اللَّه (^٣) رحمةَ ربِّه، فقال اللَّه: يرحمك ربك. ثم قال اللَّه: يا آدم! اذهبْ إلى هؤلاءَ النَّفَر فانظرْ ماذا يقولونَ؟ فجاءَ فسلَّمَ عليهم، فقالوا: وعليكَ السَّلامُ ورحمةُ اللَّه وبركاتُه. فقال: يا آدمُ! هذا تحيَّتُك وتحيَّةُ ذريَّتِك. قال: يا ربِّ وما ذريَّتي؟ قال: اخترْ يدي يا آدمُ! قال: أختارُ يمينَ ربِّي وكلتا يَدَيْ ربِّي يمين، وبسط [اللَّه] (^٤) كفَّه، فإذا منْ هو كائنٌ من ذريَّته في كفِّ الرحمن، فإذا رجالٌ منهم أفواهُهم النُّور، فإذا رجلٌ يَعْجبُ آدمُ من نوره. قال: يا ربِّ! من هذا؟ قال: ابنك داود. قال: يا ربِّ! فكم جعلتَ له من العمر. قال: جعلتُ له ستين. قال: يا ربِّ فأتِمَّ له من عُمري حتى يكونَ له من العمر مئة سنة، ففعلَ اللَّه ذلك وأشهد على ذلك.
فلما نَفِدَ عمرُ آدم بعثَ اللَّه [إلَيْه] (٤) مَلَكَ الموتِ، فقال آدمُ: أو لم يبقَ من عُمُري أربعون سنة؟ قال له المَلَك: أو لم تُعْطها ابنكَ داودَ؟ فجحدَ ذلك، فجحدتْ ذريَّته، ونسي فنسيتْ ذريَّتُه (^٥).
وقد رواه الحافظ أبو بكر البزار، والترمذي (^٦)، والنَّسائي، في "اليوم والليلة" من حديث صفوان ابن عيسى، عن الحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذُباب، عن سعيد المَقْبري، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ، وقال الترمذي: حديث حسن غريب من هذا الوجه.
وقال النسائيُّ (^٧): هذا حديث منكر، وقد رواه محمد بن عَجْلان، عن سعيد المَقْبُري، عن أبيه، عن عبد اللَّه بن سلام قوله (^٨).
_________________
(١) في تاريخه؛ كما في الدر المنثور (١/ ١٢٣).
(٢) في مسنده ١٤/ حديث (٦٥٧٩).
(٣) في المسند: حمدَ ربِّه.
(٤) ما بين الحاصرتين أثبته من المسند.
(٥) في إسناده: إسماعيل بن رافع، ضعيف الحفظ.
(٦) أخرجه الترمذي (٣٣٦٨) في التفسير، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٢١٨).
(٧) انظر عمل اليوم والليلة (ص ٢٣٨).
(٨) المقصود: من قول عبد اللَّه بن سلام، فهو موقوف، وقد سقطت كلمة: "قوله" من المطبوع.
[ ١ / ١٣٥ ]
وقد رواه أبو حاتم بن حِبّان في "صحيحه"، فقال (^١): حدَّثنا محمد بن إسحاق بن خزيمة، حدَّثنا محمَّد بن بشَّار، حدَّثنا صَفْوانُ بن عيسى، حدَّثنا الحارثُ بن عبد الرحمن بن أبي ذُباب، عن سَعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "لما خلقَ اللَّه آدمَ ونفخَ فيه الرُّوح عطسَ، فقال: الحمدُ اللَّه، فحمدَ اللَّه بإذن اللَّه. فقال له ربَّه: يرحمُك ربُّك يا آدم، اذهبْ إلى أولئكَ الملائكة، إلى ملأٍ منهم جلوسٌ، فسلِّم عليهم، فقال: السَّلام عليكم. فقالوا: وعليكم السَّلام ورحمة اللَّه. ثم رجعَ إلى ربِّه، فقال: هذه تحيَّتُك وتحيَّةُ بنيكَ بينهم. وقال اللَّه -ويداهُ مقبوضتان- اخترْ أيهما شئتَ. فقال: اخترتُ يمينَ ربِّي، وكلتا يديْ ربِّي يمينٌ مباركة. ثمَّ بسطَهما فإذا فيهما آدمُ وذريَّتُه. فقال: أي ربِّ: ما هؤلاء؟ قال: هؤلاء ذريَّتُك، وإذا كلُّ إنسان منهم مكتوبٌ عمرُه بين عينيْه، وإذا فيهم رجل أضْوَؤُهم -أو منْ أضْوَئِهم- لم يُكتبْ له إلا أربعونَ سنة. قال: يا ربِّ! ما هذا؟ قال: هذا ابنُك داود، وقد كتبَ اللَّه داود، وقد كتبَ اللَّه عمرَه أربعين سنة. قال: أي ربِّ: زدْ في عُمُره. فقال: ذاكَ الذي كُتِبَ له. قال: فإنِّي قد جعلتُ له من عُمُري ستينَ سنة. قال: أنتَ وذاك، اسكن الجنَّة، فسكنَ الجنَّة ما شاءَ اللَّه، ثم أُهبطَ منها.
وكان آدمُ يعدُّ لنفسه، فأتاه مَلَكُ الموتِ، فَقالَ له آدمُ: قد عجلتَ قد كتبَ لي ألفَ سنةٍ. قال: بلى، ولكنَّك جعلتَ لابنكَ داودَ منها ستينَ سنةً، فجَحَدَ آدمُ فجَحَدَتْ ذرِّيتُه، ونسيَ فنسيتْ ذريَّته، فيومئذ أمر بالكتابِ والشُّهود" هذا لفظه.
وقال الترمذي (^٢): حدَّثنا عبدُ بن حُميد، حدَّثنا أبو نُعَيْم، حدَّثنا هشام بن سَعْد، عن زيد بن أسلمَ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "لما خلقَ اللَّه آدمَ مسحَ ظهرَه، فسقطَ من ظهره كل نَسَمةٍ هو خالقُها من ذريَّته إلى يوم القيامة، وجعلَ بينَ عينيْ كلِّ إنسانٍ منهم وَبِيْصًا (^٣) من نور، ثم عرضَهم على آدمَ، فقال: أيْ ربِّ! منْ هَؤلاء؟ قال: هؤلاء ذريَّتُك. فرأى رجلًا منهم فأعجبَه وبيصُ ما بينَ عينيْه، فقال: أي ربّ! منْ هذا؟ قال: هذا رجلٌ من آخر الأمم من ذريَّتِكَ، يقال له: داود. قال: ربِّ وكم جعلتَ عمرَه. قال: ستينَ سنة. قال: أي ربّ زِدْه من عُمري أربعين سنةً. فلما انقضى عمرُ آدمَ جاءَه مَلَكُ الموت. قال: أو لم يبقَ من عُمُري أربعونَ سنة. قال: أو لم تُعْطِها ابنَك داود. قال: فجحدَ فجَحَدتْ ذريَّته، ونسي آدمُ، فنسيتْ ذريَّتُه، وخَطِئَ آدمُ فَخطئتْ ذريَّتهُ" ثم قال الترمذي: حسن صحيح، وقد روى من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ.
_________________
(١) الإحسان (٦١٦٧).
(٢) في جامعه (٣٠٧٦) في التفسير.
(٣) الوبيص: البريق.
[ ١ / ١٣٦ ]
ورواه الحاكم في "مستدركه" (^١): من حديث أبي نُعيم الفَضْل بن دُكَيْن، وقال: صحيح على شرط مسلم، ولم يُخرِّجاه.
وروى ابن أبي حاتم: من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عطاء بن يَسار، عن أبي هريرة مرفوعًا. . . فذكرَه، وفيه: "ثم عرضهم على آدمَ، فقال: يا آدم هؤلاء ذريَّتُك، وإذا فيهم الأجْذم والأبْرص والأعمى، وأنواع الأسقام. فقال آدم: يا ربِّ! لمَ فعلتَ هذا بذريَّتي؟ قالَ: كيْ تشكرَ نعمتي" (^٢).
ثم ذكرَ قصة داود، وستأتي من رواية ابن عباس أيضًا.
وقال الإمام أحمد في "مسنده" (^٣): حدَّثنا الهيثمُ بن خارجة، حدَّثنا أبو الربيع، عن يونسَ بن ميسرة، عن أبي إدريس، عن أبي الدرداء، عن النبيِّ ﷺ، قال: "خلقَ اللَّه آدمَ حين خلقَه، فضربَ كتفَه اليُمْنى، فأخرجَ ذريَّةً بيضاءَ كأنَّهم الذرُّ، وضربَ كتفَه اليُسْرى فأخرجَ ذريَّةً سوداءً كأنَّهم الحُمَم (^٤). فقالَ للذي في يمينه: إلى الجنة ولا أُبالي، وقال للذي في كَفِّه اليُسْرى: إلى النَّار ولا أُبالي".
وقال ابن أبي الدنيا (^٥): حدَّثنا خَلفُ بن هشام، حدَّثنا الحَكم بن سِنَان، عن حَوْشب، عن الحسن، قال: خلقَ اللَّه آدمَ حين خلقَه، فأخرجَ أهلَ الجنَّة من صَفْحته اليُمنى، وأخرجَ أهلَ النَّار من صَفْحَته اليُسْرى، فأُلقُوا على وجه الأرض، منهم الأعمى والأصمُّ والمبتلى. فقال آدم: يا ربِّ! ألا سوَّيتَ بينَ ولدي؟! قال: يا آدم إني أردتُ أنْ أُشكَر.
وهكذا روى عبدُ الرَّزاق: عن معمر، عن قتادة، عن الحسن، بنحوه.
وقد قال البخاري (^٦): حدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمد، حدَّثنا عبدُ الرزاق، أخبرنا مَعْمر، عن هَمَّام بن مُنبِّه، عن أبي هُريرة، عن النبيِّ ﷺ، قال: "خلقَ اللَّه آدمَ وطولُه ستونَ ذراعًا، ثم قال: اذهبْ فسلِّم على أولئكَ من الملائكة، واستمعْ ما يجيبونكَ، فإنها تحيَّتُك وتحيَّةُ ذريَّتِك. فقال: السَّلام عليكمُ. فقالوا: السلام عليكَ ورحمةُ اللَّه. فزادوه: ورحمةُ اللَّه. فكل منْ يدخلُ الجنَّةَ على صُورة آدمَ، فلم يزلِ الخلقُ ينقصُ حتَّى الآن".
_________________
(١) المستدرك (٢/ ٣٢٥).
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم في علل الحديث (٢/ ٨٨).
(٣) المسند (٦/ ٤٤١). وإسناده ضعيف.
(٤) الحُمَم: جمع الحُمَمة، وهي الفحم.
(٥) أخرجه ابن أبي الدنيا (١٦٢) في كتاب الشكر، وفي إسناده: الحكم بن سنان الباهلي، أبو عون البصري. ضعيف. انظر ميزان الاعتدال (١/ ٥٧١).
(٦) في صحيحه (٣٣٢٦) في الأنبياء.
[ ١ / ١٣٧ ]
وهكذا رواه البخاريُّ في كتاب الاستئذان (^١): عن يحيى بن جعفر، ومسلم: عن محمد بن رافع، كلاهما عن عبد الرزاق به.
وقال الإمام أحمد (^٢): حدَّثنا رَوْح، حدَّثنا حمَّاد بن سلمةَ، عن عليِّ بن زيد، عن سعيد بن المسيِّب، عن أبي هريرة؛ أن رسولَ اللَّه ﷺ قال: "كانَ طولُ آدمَ ستينَ ذِراعًا في سبع (^٣) أذرعٍ عرضًا". انفردَ به أحمد.
وقال الإمام أحمد (^٤): حدَّثنا عفَّان، حدَّثنا حمَّاد بن سلمةَ، عن عليِّ بن زيد، عن يُوسف بن مِهْران، عن ابن عبَّاس، قال: لما نزلتْ آيةُ الدين قال رسولُ اللَّه ﷺ: "إنَّ أوَّلَ من جحدَ آدمُ، إنَّ أوَّلَ من جحدَ آدمُ، إنَّ أوَّلَ من جحدَ آدم (^٥)، إنَّ اللَّهَ لما خلقَ آدمَ، مسحَ ظهرَه، فأخرجَ منه ما هو ذارئ (^٦) إلى يوم القيامة، فجعلَ يعرضُ ذُريَّتَه عليه، فرأى فيهم رجلًا يَزْهرُ (^٧). قال: أي ربِّ! منْ هذا؟ قال: هذا ابنُك داود. قال: أي ربِّ! كم عمرُه؟ قال: ستون عامًا. قال: أي رب زدْ في عُمُره. قال: لا، إلا أن أزيده من عُمُركَ. وكان عمرُ آدمَ ألفَ عامٍ، فزادهَ أربعين عامًا. فكتبَ اللَّه عليه بذلك كتابًا، وأشهدَ عليه الملائكة، فلما احْتُضِرَ آدمُ أتته الملائكة لقَبْضِه. قال: إنه قد بقيَ من عُمْري أربعونَ عامًا. فقيل له: إنك قد وهبتَها لابنكَ داود. قال: ما فعلتُ. وأبرزَ اللَّه عليه الكتابَ، وشهدتْ عليه الملائكة" (^٨).
وقال أحمد (^٩): حدَّثنا أسودُ بن عامر، حدَّثنا حمَّاد بن سلمة، عن عليِّ بن زيد، عن يوسفَ بن مِهْران، عن ابن عبَّاس، قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "إن أوَّلَ منْ جحدَ آدمُ -قالها ثلاث مرَّات- إن اللَّه ﷿ لما خلقَه مسحَ ظهرَه، فأخرجَ ذريَّتَه، فعرضَهم عليه، فرأى فيهم رجلًا يَزْهرُ، فقال: أي ربِّ! زدْ في عُمُره. لا، إلا أن تزيدَه أنت من عمرك. فزادَه أربعينَ سنةً من عُمُره، فكتبَ
_________________
(١) في صحيحه (٦٢٢٧)، ومسلم (٢٨٤١) في الجنة وصفة نعيمها وأهلها.
(٢) اْخرجه أحمد في المسند (٢/ ٥٣٥) وفي إسناده: علي بن زيد بن جدعان، ضعيف، وفي حديثه نكارة.
(٣) في المسند: سبعة.
(٤) في المسند (١/ ٢٥٢).
(٥) كذا في الأصل، كررها ثلاثًا وفي المسند: "إن أوَّل من جحدَ آدم ﵇ أو أول من جحد آدم. . . إلخ"، فالتكرار ثلاث مرات ليس في حديث عفان، وإنما في حديث أسود بن عامر الآتي بعده.
(٦) ذارئٌ: خالق، من صفات اللَّه ﷿.
(٧) يَزْهَرُ: يتلألأ، ويُضيء حسنًا.
(٨) وفي إسناده: علي بن زيد بن جدعان، ويوسف بن مهران، ضعيفان. وحديث ابن حبان (٦١٦٧) المتقدم شاهد قوي يعضده ويُقوِّيه.
(٩) في المسند (١/ ٢٩٩).
[ ١ / ١٣٨ ]
اللَّه تعالى عليه كتابًا، وأشهدَ عليه الملائكةَ، فلما أراد أن يقبضَ روحَه، قال: إنَّه بقيَ من أجلي أربعونَ سنةً، فقيل له: إنَّك قد جعلتَها لابنكَ داود. قال: فجحدَ. قال: فأخرجَ اللَّه الكتابَ وأقامَ عليه البيِّنة، فأتمَّها لداودَ مئة سنةٍ، وأتم لآدمَ عمرَه ألفَ سنةٍ". تفرد به أحمد وعلي بن زيد في حديثه نكارة (^١).
ورواه الطبراني (^٢): عن علي بن عبد العزيز، عن حجَّاج بن مِنْهال، عن حمَّاد بن سلمةَ، عن عليِّ بن زيد، عن يوسفَ بن مِهْران، عن ابن عبَّاس. وغير واحد: عن الحسن، قال: لما نزلتْ آيةُ الدَّيْن قالَ رسولُ اللَّه ﷺ: "إنَّ أوَّلَ من جحدَ آدم" ثلاثًا. وذكرَه.
وقال الإمام مالك بن أنس في "موطئه": عن زيد بن أبي أُنَيْسَةَ، أن (^٣) عبدَ الحميد بن عبد الرحمن ابن زيد بن الخطَّاب أخبرَه، عن مسلم بن يَسار الجهني: أن عمرَ بن الخطَّاب سُئل عن هذه الآية: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢]. الآية. فقال عمرُ بن الخطَّاب: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ سُئل عنها، فقال: "إنَّ اللَّهَ خلقَ آدمَ ﵇، ثمَّ مسحَ ظهرَه بيمينه، فاستخرجَ منه ذريَّةً. قال: خلقتُ هؤلاء للجنَّة، وبعملِ أهلِ الجنَّةِ يعملونَ، ثم مسحَ ظهرَه فاستخرجَ منه ذريَّةً. قال: خلقتُ هؤلاء للنَّار وبعملِ أهل النَّار يعملون". فقال رجلٌ: يا رسول اللَّه! ففيمَ العملُ؟ قال رسولُ اللَّه ﷺ: "إذا خلقَ اللَّه العبدَ للجنَّة استعمَله بعمل أهل الجنَّة، حتى يموتَ على عملٍ من أعمال أهل الجنة فيدخل به الجنَّة. وإذا خلقَ اللَّه العبدَ للنَّار استعملَه بعملِ أهلِ النَّار حتَّى يموتَ على عملٍ من أعمال أهل النَّار فيدخل به النَّار" (^٤).
وهكذا رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذيُّ، والنَّسائي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو حاتم بن حِبَّان في صحيحه، من طرف عن الإمام مالك (^٥)، به. وقال الترمذيُّ: هذا حديث حسن، ومسلم بن يسار لم يسمع عمر. وكذا قال أبو حاتم وأبو زرعة، زاد أبو حاتم: وبينهما نعيم بن ربيعة.
وقد رواه أبو داود (^٦) عن محمَّد بن مُصفَّى، عن بقية، عن عمر بن جُعْثُم، عن زيد بن أبي أُنَيْسة، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، عن مسلم بن يَسار، عن نعيم بن ربيعة، قال:
_________________
(١) وهو ضعيف، ويوسف بن مهران؛ ليِّن. وبهامش المسند: حسن لغيره، دون قوله: "فأتمها لداود مئة سنة، وأتمَّ لآدم عمره ألف سنة".
(٢) في الكبير (١٢٩٢٨) وذكره البيهقي في سننه الكبرى (١٠/ ١٤٦) والطيالسي في المسند (ص ٣٥٠) والسيوطي في الدر المنثور (٢/ ١١٧) وفي إسناده عدة من الضعفاء.
(٣) في الموطأ: (٢/ ٨٩٨) عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب؛ أنه أخبره عن مسلم بن يسار.
(٤) أخرجه مالك في الموطأ (٢/ ٨٩٨ - ٨٩٩).
(٥) أخرجه أحمد في المسند (١/ ٤٤ - ٤٥) وأبو داود (٤٧٠٣) في السنة، والترمذي (٣٠٧٥) في التفسير، والنسائي في تفسيره (٢١٠)، والطبري في تفسيره (٩/ ١١٣) وفي تاريخه (١/ ١٣٥) وابن حبان في صحيحه (٦١٦٦) في الإحسان.
(٦) أخرجه أبو داود (٤٧٠٤) في السنة.
[ ١ / ١٣٩ ]
كنتُ عند عمر بن الخطاب وقد سُئل عن هذه الآية. . فذكر الحديث.
قال الحافظ الدارقطني (^١): وقد تابعَ عمر بن جُعْثُم أبو فروة يزيد بن سنان الرهاوي، عن زيد بن أبي أُنيسة، قال: وقولُهما أولى بالصواب من قول مالك ﵀ (^٢).
وهذه الأحاديث كلُّها دالَّة على استخراجه تعالى ذريَّة آدمَ من ظهره كالذَّرِّ، وقسمتهم قسمين: أهل اليمين وأهل الشمال، وقال: هؤلاء للجنَّة ولا أُبالي، وهؤلاء للنَّار ولا أُبالي.
فأما الإشهادُ عليهم واستنطاقُهم بالإقرار بالوحدانية، فلم يجئ في الأحاديث الثابتة. وتفسير الآية التي في سورة الأعراف وحملُها على هذا فيه نظرٌ كما بيَّناه (^٣) هناك. وذكرنا الأحاديثَ والآثار مستقصاة بأسانيدها وألفاظ متونها. فمن أراد تحريره فليراجعه ثمَّ، واللَّه أعلم.
فأما الحديثُ الذي رواه أحمد (^٤): حدَّثنا حُسَيْنُ بن محمَّد، حدَّثنا جريرٌ -يعني ابن حازم- عن كُلثوم بن جَبْر، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عبَّاس، عن النبيِّ ﷺ قال: "إن اللَّه أخذ الميثاقَ من ظهرِ آدمَ ﵇ بنُعْمان يوم عرفة، فأخرجَ من صُلْبه كل ذريَّةٍ ذرأها، فنثرَها بين يديْه، ثم كَلّمَهُم قُبُلًا، قال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧) أَوْ تَقُولُوا﴾ إلى قوله: ﴿الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٢ - ١٧٣] " فهو بإسناد جيد قويّ على شرط مسلم.
رواه النَّسائي، وابن جرير، والحاكم في "مستدركه" (^٥) من حديث حُسين بن محمد المروزي، به، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يُخرِّجاه، إلا أنه اختلف فيه على كُلثوم بن جَبْر، فروي عنه مرفوعًا وموقوفًا. وهكذا رُوي عن سعيد بن جُبير عن ابن عبَّاس موقوفًا (^٦). وهكذا رواه العوفي والوالبي والضحَّاك وأبو جمرة عن ابن عباس قوله. وهذا أكثرُ وأثبتُ، واللَّه أعلم. وهكذا رُوي عن عبد اللَّه بن عمر (^٧) موقوفًا ومرفوعًا والموقوف أصحُّ (^٨).
_________________
(١) انظر العلل؛ للدارقطني (٢/ ٢٢٢).
(٢) قال ابن عبد البر في التمهيد بعد أن ساق حديث مسلم بن يسار عن عمر المنقطع، وبيّن أن بينهما دحيم بن ربيعة: "وهو أيضًا مع هذا الإسناد لا تقوم به حجة، ومسلم بن يسار هذا مجهول، وقيل: إنه مدني، وليس بمسلم بن يسار البصري" ثم قال: "زيادة من زاد في هذا الحديث نعيم بن ربيعة ليست حجة، لأن الذي لم يذكره أحفظ، وإنما تقبل الزيادة من الحافظ المتقن" (التمهيد ٦/ ٣ - ٦).
(٣) انظر تفسير ابن كثير (٢/ ٣٢٩ - ٣٣١).
(٤) خرجه أحمد في المسند (١/ ٢٧٢) مرفوعًا، ورجَّح الحافظ ابن كثير بعد قليل وقفه.
(٥) أخرجه النسائي (١١١٩١) في الكبرى، والطبري في تفسيره (٩/ ١١٠ - ١١١) والحاكم في المستدرك (٢/ ٥٤٤).
(٦) في أ: مرفوعًا.
(٧) انظر تفسير ابن كثير (٢/ ٣٣٠ - ٣٣١).
(٨) قال النسائي عن الحديث المرفوع: ليس بالمحفوظ.
[ ١ / ١٤٠ ]
واستأنسَ القائلون بهذا القول، وهو أخذُ الميثاق على الذريَّة، وهم الجمهور، بما قال الإمام أحمد (^١): حدَّثنا حجَّاج، حدَّثني شعبةُ، عن أبي عمران الجَوْني، عن أنس بن مالك، عن النبيِّ ﷺ قال: "يُقالُ للرجل من أهل النَّار يومَ القيامة: لو كان لك ما على الأرضِ من شيءٍ أكنتَ مفتديًا به؟ قال: فيقول: نعم. فيقولُ: قد أردتُ منكَ ما هو أهونُ من ذلك، قد أخذتُ عليك في ظهر آدم ألا تشرك بي شيئًا، فأبيتَ إلا أن تُشركَ بي".
أخرجاه من حديث شعبة (^٢)، به.
وقال أبو جعفر الرازيّ: عن الربيع (^٣) بن أنس، عن أبي (^٤) العالية، عن أُبيِّ بن كَعْب، في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] الآية والتي بعدها. قال: فجمَعهم له يومئذٍ جميعًا ما هو كائنٌ منه إلى يوم القيامة، فخلقهم ثم صوَّرَهم، ثم استنطقَهم، فتكلَّمُوا، وأخذ عليهم العهد والميثاق وأشهد عليهم أنفسهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] الآية. قال: فإنِّي أشهدُ عليكم السماواتِ السبع والأرضين السبع، وأُشهد عليكم أباكم ألا تقولوا يومَ القيامة: لم نعلمْ بهذا، اعلموا أنه لا إلهَ غيري، ولا ربَّ غيري، ولا تشركوا بي شيئًا، وإنِّي سأرسلُ إليكم رسلًا يُنذرونَكم عَهْدي وميثاقي، وأُنزلُ عليكم كتابي. قالوا: نشهدُ أنَّكَ ربُّنا وإلهنا، لا ربَّ لنا غيركَ، ولا إلَه لنا غيرك، فأقروا له يومئذٍ بالطَّاعة. ورفعَ أباهم آدم فنظرَ إليهم، فرأى فيهم: الغنيَّ والفقيرَ، وحَسَنَ الصورة ودون ذلك. فقال: يا ربِّ لو سوَّيتَ بين عبادكَ؟ فقال: إنِّي أحببتُ أن أشكرَ. ورأى فيهم الأنبياء مثل السُّرُج، عليهم النُّور، وخُضُّوا بميثاق آخر من الرسالة والنبوة، فهو الذي يقول اللَّه تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [الأحزاب: ٧]. وهو الذي يقول: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] وفي ذلك قال: ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى﴾ [النجم: ٥٦] وفي ذلك قال: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٢] ". رواه الأئمة: عبد اللَّه بن أحمد، وابن أبي حاتم، وابن جرير، وابن مردويه، في تفاسيرهم، من طريق أبي جعفر (^٥).
ورُوي: عن مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جُبير، والحسن البَصْري، وقتادة، والسُّدِّي، وغير
_________________
(١) في مسنده (٣/ ١٢٧، ١٢٩).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه (٣٣٣٤) في الأنبياء، ومسلم (٢٨٠٥) في صفات المنافقين.
(٣) في "ب" والمطبوع: عن أبي الربيع عن أنس.
(٤) في "ب" والمطبوع: العالية.
(٥) أي من طريق الرازي، وقد أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٩/ ١١٥) وذكره ابن كثير في التفسير (٢/ ٣٣١). والسيوطي في الدر المنثور (٣/ ٦٠٠).
[ ١ / ١٤١ ]
واحد من علماء السلف، بسياقات تُوافق هذه الأحاديث، وتقدَّم أنه تعالى لما أمرَ الملائكةَ بالسجود لآدمَ امتثلوا كلُّهم الأمرَ الإلهي، وامتنعَ إبليس من السجود (^١) حسدًا وعداوة له، فطردَه اللَّه وأبعدَه وأخرجَه من الحضرة الإلهية، ونفاه عنها، وأهبطَه إلى الأرض طريدًا ملعونًا شيطانًا رجيمًا.
وقد قال الإمام أحمد (^٢): حدَّثنا وكيع ويعلى ومحمد ابنا عُبيد، قالوا: حدَّثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "إذا قرأ ابنُ آدمَ السجدة فسجدَ، اعتزلَ الشيطانُ يبكي، يقول: يا ويله، أُمرَ ابنُ آدمَ بالسجود فسجدَ، فله الجنَّة، وأُمرتُ بالسجود، فعصيت، فلي النَّار". ورواه مسلم (^٣): من حديث وكيع وأبي معاوية، عن الأعمش، به.
ثم لما أُسكن آدم الجنة التي أُسكنها، سواء كانت في السماء أو في الأرض على ما تقدَّم من الخلاف فيه، أقام بها هو وزوجتُه حوَّاء ﵉ يأكلان منها رغدًا (^٤) حيث شاءا، فلما أكلا من الشجرة التي نُهيا عنها، سُلبا ما كانا فيه من اللِّباس، وأُهبطا إلى الأرض، وقد ذكرنا الاختلافَ في مواضع هبوطه منها.
واختلفوا في مقدار مقامه في الجنَّة، فقيل: بعضُ يوم من أيام الدنيا، وقد قدَّمنا ما رواه مسلم: عن أبي هريرة مرفوعًا "وخُلِقَ آدمُ في آخر ساعةٍ من ساعاتِ يوم الجمعة" (^٥) وتقدَّم أيضًا حديثه عنه وفيه -يعني (^٦): يوم الجمعة- خلق آدم، وفيه أُخرج منها (^٧). فإن كان اليومُ الذي خُلِقَ فيه أُخرجَ، وقلنا إنَّ الأيام الستة كهذه الأيام، فقد لبثَ بعضَ يوم من هذه، وفي هذا نظر. وإن كان إخراجُه في غير اليوم الذي خُلِقَ فيه، أو قلنا بأنَّ تلك الأيام مقدارُها ستة آلاف سنة، كما تقدَّم عن ابن عباس ومجاهد والضحَّاك، واختاره ابن جرير، فقد لبثَ هناك مدة طويلة.
قال ابن جرير (^٨): ومعلومٌ أنه خُلِقَ في آخر ساعة من يوم الجمعة، والساعة منه ثلاث وثمانون سنة وأربعة أشهر، فمكث مصوَّرًا طينًا قبل أن يُنفخ فيه الروح أربعين سنة، وأقام في الجنَّة قبلَ أن يهبطَ ثلاثًا وأربعينَ سنة وأربعة أشهر. واللَّه تعالى أعلم.
_________________
(١) في المطبوع: من السجود له.
(٢) في المسند (٢/ ٤٤٣).
(٣) في صحيحه (٨١) في الإيمان.
(٤) رغدًا: طيِّبًا.
(٥) تقدم الحديث وتخريجه (ص ١٢٥).
(٦) في الأصل: معين.
(٧) تقدم الحديث وتخريجه (ص ١٢٥).
(٨) في تاريخه (١/ ١٢٣).
[ ١ / ١٤٢ ]
وقد روى عبد الرزاق: عن هشام بن حسَّان، عن سوَّار، خَبر عطاءَ بن أبي رباح: أنه كان لما أُهبط رجلاه في الأرض ورأسه في السماء، فحطَّه اللَّه إلى ستين ذراعًا. وقد رُوي عن ابن عباس نحوه (^١).
وفي هذا نظر لما تقدَّم من الحديث المتفق على صحته: عن أبي هريرة؛ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إنَّ اللَّه خلقَ آدمَ وطولُه ستونَ ذراعًا، فلم يزل الخلق ينقصُ حتى الآن". وهذا يقتضي أنه خُلِقَ كذلك لا أطول من ستين ذراعًا، وأن ذرِّيته لم يزالوا يتناقصُ خلقهم حتى الآن.
وذكر ابن جرير (^٢): عن ابن عبَّاس: إن اللَّه قال: يا آدم! إنَّ لي حَرَمًا بحيال عرشي، فانطلقْ فابن لي فيه بيتًا، فطُفْ به كما تطوفُ ملائكتي بعرشي. وأرسلَ اللَّه له مَلَكًا فعرَّفه وعلَّمه المناسك. وذكرَ أنَّ موضعَ كلِّ خطوة خطاها آدم صارت قريةً بعد ذلك.
وعنه (^٣): أنَّ أوَّل طعام أكلَه آدمُ في الأرض، أنْ جاءَه جبريلُ بسبع حبَّات من حِنْطةٍ، فقال: ما هذا؟ قال: هذا من الشجرة التي نُهيتَ عنها فأكلتَ منها. فقال: وما أصنعُ بهذا؟ قال: ابذرْه في الأرض، فبذرَه، وكان كلُّ حبَّةٍ، منها زِنتُها أزيدُ من مئة ألف، فنبتتْ، فحصدَه، ثم درسَه، ثم ذرَّاه، ثم طحنَه، ثم عجنَه، ثم خبزَه فأكلَه بعد جَهْد عظيم وتَعَبٍ ونَكَد، فذلك قوله تعالى: ﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ [طه: ١١٧].
وكان أول كسوتهما من شعر الضأن، جزَّاه ثم غزلاه فنسج آدم له جبة، وَلِحَوَّاءَ درعًا وخمارًا.
واختلفوا: هل وُلد لهما بالجنَّة شيءٌ من الأولاد، فقيل: لم يُولد لهما إلا في الأرض. وقيل: بل وُلد لهما فيها، فكان قابيلُ وأختُه ممن وُلد بها، فاللَّه أعلم.
وذكروا أنه كان يُولد له في كلِّ بطنٍ ذكرٌ وأنثى، وأُمِرَ أنْ يُزوِّجَ كلَّ ابنٍ أختَ أخيه التي وُلدت معه والآخر بالأخرى وهلمَّ جرًّا، ولم يكن تحلُّ أختٌ لأخيها الذي وُلدت معه.
* * *