قال اللَّه تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٤) وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥) وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦) أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٧) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١٤ - ١٨] وقال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [فاطر: ١٢] وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان: ٥٣] وقال تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (١٩) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ﴾ [الرحمن: ١٩ - ٢٠] فالمراد بالبحرين: البحر الملح المرُّ، وهو الأجاج، والبحر العَذْبُ، هو هذه الأنهار السارحة بين أقطار الأمصار لمصالح العباد؛ قاله ابن جريج وغير واحد من الأئمة.
وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (٣٢) إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣٣) أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٢ - ٣٤] وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣١) وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ [لقمان: ٣١ - ٣٢] وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ
_________________
(١) ذكره ابن منظور في مختصر تاريخ دمشق (١/ ٢٥٥ - ٢٥٦) وفي سنده علي بن يزيد الألهاني، وهو ضعيف. ولم يرفعه.
(٢) ذكره الشمس السيوطي في "إتحاف الأخِصَّا" (١/ ٢٢١) وخليد بن دعلج السدوسي: ضعيف. انظر ميزان الاعتدال (١/ ٣٠٩) والتقريب ص (١٩٥).
(٣) ما بين قوسين أثبته من ب، وهو ساقط من أو المطبوع.
[ ١ / ٤١ ]
وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقره: ١٦٤].
فامتنَّ تعالى على عباده بما خلقَ لهم من البحار والأنهار، فالبحرُ المحيط بسائر أرجاء الأرض وما ينبثقُ منه في جوانبها، الجميع مالحُ الطعم، مُرٌّ، وفي هذا حكمة عظيمة لصحَّة الهواء، إذ لو كان حلوًا لأنتنَ الجوُّ وفسدَ الهواء بسبب ما يموتُ فيه من الحيوانات، فكان يُؤَدِّي إلى تفاني بني آدم، ولكن اقتضت الحكمةُ البالغةُ أن يكونَ على هذه الصفة لهذه المصلحة. ولهذا لما سُئلَ رسول اللَّه ﷺ عن البحر قال: "هو الطَّهُورُ ماؤُه الحِلُّ مَيْتَتهُ" (^١).
وأما الأنهار، فماؤُها حلوٌ عذبٌ فراتٌ سائغٌ شرابُها لمن أراد ذلك. وجعلَها جارية سارحة يُنْبِعُها تعالى في أرضٍ ويسوقُها إلى أخرى رزقًا للعباد. ومنها كبارٌ ومنها صغارٌ بحسب الحاجة والمصلحة.
وقد تكلَّم أصحابُ علم الهيئة والتسبير (^٢) على تعداد البحار والأنهار الكبار، وأصول منابعها، وإلى أن ينتهي سيرُها بكلام فيه حكمٌ ودلالاتٌ على قدرةِ الخالق تعالى، وأنَّه فاعلٌ بالاختيار والحكمة وقوله تعالى: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ [الطور: ٦] فيه قولان: أحدُهما أنَّ المرادَ به البحر الذي تحتَ العرش المذكور في حديث الأوعال (^٣). وأنه فوقَ السماوات السبع بين أسفله وأعلاه كما بين سماءٍ إلى سماء، وهو الذي ينزلُ منه المطرُ قبلَ البعث فتحيا منه الأجسادُ من قبورها. وهذا القولُ هو اختيار الربيع بن أنس (^٤). والثاني أنَّ البحرَ اسمُ جنس يعمُّ سائرَ البحار التي في الأرض، وهو قول الجمهور.
واختلفوا في معنى ﴿المسجور﴾ فقيل: المملوء، وقيل: الذي يصيرُ يومَ القيامة نارًا تأجَّجُ، فيُحيط بأهل الموقف كما ذكرناه في "التفسير" (^٥) عن عليّ، وابن عباس، وسعيد بن جُبير، وابن مجاهد، وغيرهم. وقيل: المراد به الممنوع المكفوفُ المحروسُ عن أن يطغى فيغمرَ الأرضَ ومنْ عليها
_________________
(١) رواه أحمد في المسند (٢/ ٢٧٧ و٣٦١ و٣٧٨ و٣٩٣) وأبو داود في سننه (٨٣) في الطهارة، والترمذي في جامعه (٦٩) في الطهارة، وقال: هذا حديث حسن صحيح. وابن ماجه في سننه (٣٨٦) في الطهارة، و(٣٢٤٦) في الصيد والنسائي في المجتبى (١/ ٥٠ و١٧٦) و(٧/ ٢٠٧). كلهم من حديث أبي هريرة، وهو حديث صحيح. ورواه أحمد في المسند (٣/ ٣٧٣) وابن ماجه (٣٨٨) في الطهارة. من حديث جابر بن عبد اللَّه. ورواه ابن ماجه (٣٨٧) من حديث الفراسي. ورواه أحمد في المسند (٥/ ٣٦٥) من حديث عبد اللَّه بن المغيرة بن أبي بردة.
(٢) كذا في الأصول: من السبر، وهو امتحان غور الجرح وغيره، فالمراد منه: العلم الذي يكشف عن أعماق الأنهار والبحار وأغوارها في الأرض، وفي المطبوع: التفسير.
(٣) تقدم تخريج حديث الأوعال ص ١٧ وهو ضعيف.
(٤) انظره في تفسير القرآن العظيم، لابن كثير (٤/ ٢٨٢).
(٥) المصدر السابق (٤/ ٢٨٣).
[ ١ / ٤٢ ]
فيغرقوا (^١). رواه الوالبي (^٢) عن ابن عباس، وهو قول السُّدِّي وغيره، ويُؤيِّده الحديثُ الذي رواه الإمام أحمد: حدَّثنا يزيدُ، حدَّثنا العوَّام، حدَّثني شيخٌ كان مرابطًا بالساحل، قال: لقيتُ أبا صالحٍ مولى عمرَ بن الخطاب، فقال: حدَّثنا عمرُ بن الخطَّاب عن رسول اللَّه ﷺ قال: "ليسَ من ليلةٍ إلا والبحرُ يُشرفُ فيها ثلاثَ مراتٍ يستأذنُ اللَّه ﷿ أن ينفضح (^٣) عليهم، فيكُفَّه اللَّه ﷿" (^٤).
ورواه إسحاق بن راهويه: عن يزيد بن هارون، عن العوَّام بن حَوْشب، حدَّثني شيخ مرابط، قال: خرجتُ ليلة لمحرسٍ لم يخرجْ أحدٌ من الحرس غيري، فأتيتُ الميناءَ فصَعِدتُ، فجعل، يخيَّلُ إليَّ أن البحرَ يشرفُ يُحاذي برؤوس الجبال، فعلَ ذلك مرارًا وأنا مستيقظٌ، فلقيتُ أبا صالح، فقال: حدَّثنا عمرُ بن الخطَّاب أن رسولَ اللَّه ﷺ قال: "ما منْ ليلةٍ إلا والبحرُ يُشرفُ ثلاثَ مَرَّاتٍ يستأذنُ اللَّهَ أن يَنْفَضِحَ عليهم فيكُفَّه اللَّه ﷿" (^٥) في إسناده رجل مبهم، واللَّه أعلم.
وهذا من نعمه تعالى على عباده أن كفَّ شرَّ البحر عن أن يطغى عليهم، وسخَّره لهم يحمل مراكبَهم ليبلغوا عليها إلى الأقاليم النائيه (^٦) بالتجارات وغيرها، وهداهم فيه بما خلقَه في السماء والأرض من النجوم والجبال التي جعلَها لهم علاماتٍ يهتدون بها في سيرهم، وبما خلقَ لهم فيه من اللآلئ الحسنة الثمينة والجواهر النفيسة العزيزة التي لا تُوجد إلا فيه وبما خلقَ فيه من الدوابِّ الغريبة، وأحلَّها لهم حتى مَيْتَتِها، كما قال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ [المائدة: ٩٦] وقال النبي ﷺ: "هو الطَّهُورُ ماؤُه الحِلُّ مَيْتَتُه" (^٧) وفي الحديث الآخر "أُحِلَّتْ لنا مَيْتَتَانِ ودَمَانِ: السَّمكُ والجَرادُ، والكَبِدُ، والطُّحَالُ" رواه أحمد (^٨) وابن ماجه (^٩)، وفي إسناده نظر (^١٠).
_________________
(١) في التفسير (٤/ ٢٨٣) عن عليِّ بن أبي طلحة عن ابن عباس. وعلي هذا قال عنه الحافظ ابن حجر في التقريب (ص ٤٠٢): مولى ابن العباس، سكن حمص، أرسل عن ابن عباس ولم يره، صدوق قد يخطئ، مات سنة ٤٣ هـ.
(٢) الوالبي: هو علي بن سالم بن مخارق الوالبي، مولى العباس بن عبد المطلب، له تفسير القرآن، توفي سنة (١٢٣ هـ).
(٣) ينفضح: ينفتح ويسيل.
(٤) رواه الإمام أحمد في المسند (١/ ٤٣) وإسناده ضعيف لجهالة الشيخ الذي روى عنه العوَّام بن حوشب، ولجهالة أبي صالح أيضًا.
(٥) ذكره المؤلف في التفسير (٤/ ٢٨٣): وقال الحافظ أبو بكر الإسماعيلي: حدثنا الحسن بن سفيان، عن إسحاق بن راهويه والحافظ ابن حجر في المطالب العالية (٢/ ١٧٦) في قصة طويلة عن إسحاق بن راهويه.
(٦) في ب: المباينة. وفي أ: البائنة.
(٧) سلف تخريجه قبل قليل.
(٨) في المسند (٢/ ٩٧).
(٩) في سننه (٣٢١٨) و(٣٣١٤).
(١٠) في إسناده عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وهو ضعيف.
[ ١ / ٤٣ ]
وقد قال الحافظُ أبو بكر البَزَّارُ في "مسنده" (^١): وجدتُ في كتابي، عن محمد بن معاوية البغداديِّ، حدَّثنا عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن عمر، عن سُهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، رفعه، قال: "كلَّم اللَّه هذا البحر الغربيَّ، وكلَّم البحرَ الشرقيَّ، فقالَ للغربيِّ: إنِّي حاملٌ فيكَ عِبادًا من عبادي، فكيفَ أنت صانعٌ بهم؟ قال: أُغْرقُهم. قال: بأسُكَ في نواحيكَ، فحَرمهُ الحِلْيَةَ والصَّيْدَ، وكلَّم هذا البحرَ الشَّرْقيَّ، فقال: إني حاملٌ فيكَ عبادًا من عبادي فما أنتَ صانعٌ بهم؟ قال: أحملُهم على يدي، وأكونُ لهم كالوالدةِ لولدِه، فأثابَه الحِلْيَة والصَّيْد". ثم قال (^٢): لا نعلمُ أحدًا رواه عن سُهَيْل إلا عبدُ الرحمن بن عبد اللَّه بن عمر، وهو منكر الحديث. قال: وقد رواه سُهيل، عن النعمان بن أبي عيَّاش، عن عبد اللَّه بن عمرو، موقوفًا.
قلتُ: الموقوفُ على عبد اللَّه بن عمرو بن العاص أشبهُ، فإنه قد كان وجدَ يومَ اليرموك زاملتين (^٣) مملوءتين كتبًا من علوم أهل الكتاب، فكانَ يُحدِّث منهما بأشياء كثيرة من الإسرائيليات، منها المعروفُ والمشهورُ والمنكورُ والمردود. فأما المرفوع فتفرَّد به عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطَّاب، أبو القاسم المدنيّ، قاضيها؛ قال فيه الإمام أحمد (^٤): ليس بشيء، وقد سمعتُ منه، ثم مزقتُ حديثه، كان كذابًا، وأحاديثه مناكير. وكذا ضعَّفه ابن معين (^٥)، وأبو زُرعة (^٦)، وأبو حاتم (^٧)، والجوزجاني (^٨)، والبخاري (^٩)، وأبو داود (^١٠)، والنَّسائي (^١١)، وقال ابن عديّ (^١٢): عامَّة أحاديثه مناكير، وأفظعها حديث البحر.
قال علماء التفسير المتكلِّمون على العُروض والأطوال والبحار والأنهار والجبال والمساحات، وما في الأرض من المدن والخراب والعمارات والأقاليم السبعة الحقيقية في اصطلاحهم، والأقاليم
_________________
(١) كما في كشف الأستار (١٦٦٩).
(٢) أي: البزار.
(٣) زاملتين: الزاملة: الدابَّة التي يُحمل عليها.
(٤) العلل (١/ ٢٦٦)، وتاريخ الخطيب (١١/ ٥٠١)، وتهذيب الكمال (١٧/ ٢٣٥).
(٥) تاريخ يحيى برواية الدوري (٢/ ٣٥١) وسؤالات ابن طهمان (١٨) و(٢٩٠)، وتهذيب الكمال (١٧/ ٢٣٦).
(٦) الجرح والتعديل ٥/ الترجمة (١٢٠٢).
(٧) المصدر نفسه.
(٨) أحوال الرجال (١٢٠٢).
(٩) تاريخه الصغير (٢/ ٢٤٠).
(١٠) سؤالات الآجري لأبي داود (٣/ ١٠٨).
(١١) الضعفاء والمتروكون الترجمة (٣٥٦).
(١٢) الكامل في الضعفاء (١٤/ ٥٨٨، ١٥٩٠).
[ ١ / ٤٤ ]
المتعدِّدة العرفية، وما في البلدان والأقاليم من الخواصِّ والنباتات، وما يُوجد في كل قطر من أصناف (^١) المعادن والتجارات، قالوا: الأرض مغمورة بالماء العظيم إلا مقدار الربع منها، وهو تسعون درجة، والعناية الإلهية اقتضت انحسار الماء على هذا القدر منها لتعيشَ الحيوانات عليها، وتنبت الزرع والثمار منها، كما قال تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ (١٠) فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ (١١) وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ (١٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ١٠ - ١٣].
قالوا: والمغمور من هذا البادي منها قريبُ الثلثين منه أو أكثر قليلًا. وهو خمس وتسعون (^٢) درجة.
قالوا: فالبحر المحيط الغربيّ، ويُقال له: أوقيانوس، وهو الذي يُتاخمُ بلادَ المغرب، وفيه الجزائرُ الخالدات، وبينها وبين ساحله عشر درج مسافة شهر تقريبًا، وهو بحر لا يُمكن سلوكه ولا ركوبه؛ لكثرة هيجه واغتلامه (^٣)، واختلاف ما فيه من الرياح والأمواج، وليس فيه صيد (^٤)، ولا يُستخرجُ منه شيء، ولا يُسافَر فيه لمتجر ولا لغيره، وهو آخذٌ في ناحية الجنوب حتى يُسامتَ الجبال القُمْر، ويُقال: جبال القمر التي منها منبع أصل نيل مصر، ويتجاوز خطَّ الاستواء. ثم يمتد مُشَرِّقًا، ويصير جنوبي الأرض. وفيه هناك جزائر الزنج (^٥)، وعلى سواحله خراب كثير. ثم يمتدُّ شرقًا وشمالًا حتى يتصلَ ببحر الصين والهند. ثم يمتدُّ شرقًا حتى يُسامت نهاية الأرض الشرقية المكشوفة، وهناك بلاد الصين. ثم ينعطفُ في شرقي الصين إلى جهة الشمال حتى يُجاوزَ بلاد الصين، ويُسامتَ سد (^٦) يأجوج ومأجوج. ثم ينعطفُ ويستديرُ على أرضٍ غير معلومة الأحوال. ثم يمتدُّ مُغَرِّبًا في شمالي الأرض ويُسامتُ بلادَ الروس ويتجاوزها، ويعطف مُغَرِّبًا وجنوبًا، ويستديرُ على الأرض ويعودُ إلى جهة الغرب وينبثق من الغربي العربى (^٧) إلى متن الأرض الزقاق، الذي ينتهي أقصاه إلى أطراف الشام من الغرب. ثم يأخذُ في بلاد الروم حتى يتصل بالقسطنطينية وغيرها من بلادهم.
وينبعث من المحيط الشرقي بحارٌ أُخر، فيها جزائر كثيرة، حتى إنه يقال: إن في بحر الهند ألفا جزيرة وسبعمئة جزيرة، فيها مدن وعمارات سوى المدن العاطلة، ويقال لهذا البحر: الأخضر، فشرقيُّه بحرُ الصين، وغربيُّه بحر اليمن، وشماليه بحر الهند، وجنوبيه غير معلوم.
_________________
(١) في ب: "صنوف"، وهو جمع صحيح أيضًا.
(٢) في ب: خمس وستون.
(٣) الهيج والاهتياج والهيجان بمعنًى، واغتلام البحر: هيجانه واضطراب أمواجه.
(٤) في ب: وليس يُصاد منه.
(٥) في المطبوع: الزايج، وفي معجم البلدان (المقدمة ص ٢١): وفي هذا البحر من النواحي المشرق جزائر الزانج، ثم جزائر الديبجات، وقُمير: ثم جزائر الزايج. .
(٦) انظر التعريف بهذا السد وما قيل عنه في معجم البلدان، لياقوت (٣/ ١٩٧).
(٧) أثبتها من أ.
[ ١ / ٤٥ ]
وذكروا أن بين بحر الهند وبحر الصين جبالًا فاصلة بينهما، وفيها فجاج تسلك المراكب بينها، يسَّرها لهم الذي خلقَها، كما جعل مثلها في البر أيضًا، قال اللَّه تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣١]. وقد ذكرَ بطليموس (^١) في كتابه المسمَّى "بالمجسطي" الذي عُرِّبَ (^٢) في زمان المأمون، وهو أصلُ هذه العلوم: أن البحار المتفخرة من المحيط الغربي والشرقي والجنوبي والشمالي كثيرة جدًا. ومنها ما هو واحد، ولكن يُسمى بحسب البلاد المتاخمة له. فمن ذلك بحر القُلْزُم. والقُلْزُم (^٣): قريةٌ على ساحله قريب من أيلة. وبحر فارس وبحر الخزر، وبحر وَرَنْك، وبحر الروم، وبحر بُنْطش، وبحر الأزرق، مدينة على ساحله، وهو بحر القَرْم أيضًا، ويتضايق حتى يصبَّ في بحر الروم عند جنوبي القسطنطينية، وهو الخليج القسطنطيني (^٤)، ولهذا تُسرعُ المراكبُ في سيرها من القَرْم إلى بحر الروم، وتُبطئ إذا جاءت من الإسكندرية إلى القَرْم، لاستقبالها جريان الماء. وهذا من العجائب في الدنيا، فإنَّ كلَّ ماءٍ جارٍ فهو حلوٌ إلا هذا، وكلُّ بحر راكد فهو ملحٌ أجاجٌ، إلا ما يُذكر عن بحر الخزر، وهو بحر جرجان وبحر طبرستان، أنَّ فيه قطعةً كبيرة ماءً حلوًا فُراتًا، على ما أخبر به المسافرون عنه.
قال أهل الهيئة: وهو بحرٌ مستديرُ الشكل إلى الطول ما هو. وقيل: إنَّه مثلث كالقِلَعْ (^٥)، وليس هو متصلًا بشيء من البحر المحيط، بل منفردٌ وحده، وطوله ثمانمئة ميل وعرضه ستمئة، وقيل: أكثر من ذلك، واللَّه أعلم.
ومن ذلك البحرُ الذي يخرجُ منه المدُّ والجَزْرُ عند البصرة، وفي بلاد المغرب نظيرُه أيضًا، يتزايدُ الماء من أوَّل الشهر، ولا يزالُ في زيادة إلى تمام الليلة الرابعة عشرة منه [وهو المدُّ] (^٦). ثم يشرعُ في النقص وهو الجَزْرُ إلى آخر الشهر (^٧). وقد ذكروا تحديدَ هذه البحار ومسراها (^٨) ومنتهاها، وذكروا ما في
_________________
(١) في الأصل: أحد ملوك الهند، وهي جملة مقحمة، وبطليموس يوناني، كان واحدًا من أكبر علماء الفلك والجغرافيا في العصور القديمة، والمجسطي: اصطلاح مزيج من اليونانية والعربية، بمعنى المجيد. انظر الموسوعة العربية العالمية (٤/ ٤٦٦). .
(٢) في الفهرست (ص ٣٢٧): أول من عني بتفسيره وإخراجه إلى العربية يحيى بن خالد بن برمك (ت ١٩٠ هـ) ففسَّره جماعة فلم يتقنوه، فندب لتفسيره غير واحد من أصحاب بيت الحكمة.
(٣) انظر التعريف بها في معجم البلدان (٤/ ٣٨٨).
(٤) معجم البلدان؛ لياقوت (المقدمة ص ٢١) ومادة البحار فيه.
(٥) القِلَع: جمع قِلْع وقلاعة؛ شراع السفينة.
(٦) أثبتها من ب.
(٧) المد والجزر: ارتفاع وانخفاض مسطحات مائية واسعة على فترات زمنية محدودة، وتتم مرتين خلال الفترة الزمنية الواقعة بين طلوعين متتاليين للقمر، وهي تعادل ٢٤ ساعة و٢٥ دقيقة. انظر الموسوعة العربية العالمية (٢٢/ ٤٦٢).
(٨) في المطبوع: ومبتداها.
[ ١ / ٤٦ ]
الأرض من البُحيرات المجتمعة من الأنهار وغيرها من السيول، وهي البطائح (^١).
وذكروا ما في الأرض من الأنهار المشهورة الكبار، وذكروا ابتداءَها وانتهاءَها، ولسنا بصدد بسط ذلك والتطويل فيه، وإنما نتكلَّم على ما يتعلَّق بالأنهار الوارد ذكرها في الحديث. وقد قال اللَّه تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (٣٢) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (٣٣) وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٢ - ٣٤].
وفي الصحيحين (^٢): من طريق قتادة، عن أنس بن مالك، عن مالك بن صَعْصَعة، أن رسول اللَّه ﷺ لما ذكرَ سِدْرة المنتهى، قال: "فإذا يخرجُ من أصلها نهرانِ باطنان، ونهرانِ ظاهران. فأمَّا الباطنان ففي الجنَّة، وأما الظاهران فالنيلُ والفراتُ".
وفي لفظ في البخاري (^٣): "عنصرُهما" أي: مادَّتُهما، أو شكلُهما، وعلى صفتهما ونعتهما، وليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء.
وفي صحيح مسلم (^٤): من حديث عُبيد اللَّه بن عمر، عن خُبيب بن عبد الرحمن، عن حَفْص بن عاصم، عن أبي هريرة: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "سَيْحانُ وجَيْحان والفرات والنيل كلٌّ من أنهار الجنة".
وقال الإمام أحمد (^٥): حدَّثنا ابن نُميرٍ ويزيد، أنبأنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "فُجِّرَتْ أربعةُ أنهارٍ من الجنة: الفراتُ، والنيلُ، وسَيْحان وجَيْحان". وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم.
وكأن المراد واللَّه أعلم من هذا أن هذه الأنهار تُشبه أنهارَ الجنَّة في صَفائها وعُذوبتها وجَريانها، ومن جنس تلك في هذه الصفات ونحوها، كما قال في الحديث الآخر الذي رواه الترمذي وصحَّحه (^٦): من طريق سعيد بن عامر، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أن رسول اللَّه ﷺ قال: "العَجْوةُ من الجَنَّة، وفيها شِفَاءٌ من السُّمِّ (^٧) " أي: تُشبه ثَمرَ الجنَّة. فإن الحسنَ يشهدُ بخلاف ذلك، فتعيَّن أن المرادَ غيره.
_________________
(١) البطائح: جمع بَطيحة والبَطيح: مسيل واسع فيه رمل ودُقاق الحصى.
(٢) البخاري في صحيحه (٣٢٠٧) في بدء الخلق، ومسلم في صحيحه (١٦٤) في الإيمان. وهو بعض حديث الإسراء.
(٣) في ب: ولفظ البخاري. وهذا اللفظ الذي أشار إليه المصنف ليس من الطريق الذي ذكره قبل قليل، بل هو من طريق شريك بن أبي نمر عن أنس وهو في التوحيد من صحيح البخاري (٧٥١٧).
(٤) (٢٨٣٩) في الجنة.
(٥) في المسند (٢/ ٣٠١ و٣٠٥).
(٦) في جامعه (٢٠٦٦)، ووقع في بعض الطبعات "حسن غريب".
(٧) في ب: الحر، ولا يستقيم مع سائر ألفاظ الحديث.
[ ١ / ٤٧ ]
وكذا قوله ﷺ: "الحمَّى من فَيْحِ جهنَّم فأبردُوها بالماء (^١) " (^٢) وكذا قوله: "إذا اشتدَّ الحَرُّ فأبردُوا بالصَّلاة، فإن شدة الحرِّ من فيْحِ جهنَّم" (^٣). وهكذا هذه الأنهار أصلُ منابعها مُشاهدٌ من الأرض.
أما النيل، وهو النهر الذي ليس في أنهار الدنيا له نظير في خفته ولطافته وبُعد مسراه فيما بين مبتداه إلى منتهاه، فمبتداه من الجبال القُمْر، أي: البيض، ومنهم من يقول: جبال القَمَر (^٤)، بالإضافة إلى الكوكب، وهي في غربيّ الأرض وراءَ خط الاستواء إلى الجانب الجنوبي. ويُقال: إنَّها حُمْر يَنبعُ من بينها عيون، ثم يجتمعُ من عشر مَسِيلاتٍ متباعدة، ثم يجتمعُ كلُّ خمسة منها في بحرةٍ، ثم يخرجُ منها أنهارٌ ستة، ثم تجتمع كلها في بحيرة أخرى، ثم يخرج منها نهر واحد هو النيل، فيمرُّ على بلاد السُّودان بالحبشة، ثم على النوبة ومدينتها العُظمى دُمْقُلة، ثم على أسوان، ثم يفد على ديار مصر. وقد يحمل إليها من بلاد الحبشة زياداتِ أمطارها، وما اجترفَ (^٥) من ترابها وهي محتاجة إليهما معًا، إن مطرَها قليلٌ لا يكفي زروعَها وأشجارَها، وتربتُها رمالٌ لا تُنبتُ شيئًا حتى يجيءَ النيل بزيادته وطينه، فينبتُ فيه ما يحتاجون إليه، وهي من أحق الأراضي بدخولها في قوله ﷾: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ﴾ [السجدة: ٢٧] ثم يجاوزُ النيلُ مصرَ قليلًا، فيفترقُ شطرين عند قرية على شاطئه، يقال لها: شَطَّنُوف (^٦)، فيمرُّ الغربيّ منه على رشيد ويصبُّ في البحر المالح. وأما الشرقيُّ فيفترقُ أيضًا عند جَوْجرَ فرقتين، تمرُّ الغربيّةُ منهما على دِمياط من غربيِّها، ويصبُّ في البحر، والشرقية منهما تمرُّ على أشْمُون (^٧) طَنَّاح، فيصبُّ هناك في بحيرة شرقي دِمْياط، يُقال لها: بحيرة تِنِّيْس، وبحيرة دمياط. وهذا بُعد عظيم فيما بين مبتداه إلى منتهاه، ولهذا كان ألطف المياه. قال ابن سينا: له خصوصيات دون سائر مياه الأرض، فمنها: أنه أبعدها مسافة من مجراه
_________________
(١) وقع في بعض الأصول: "بالماء البارد"، وليست في المطبوع ولا في روايات الحديث كلمة (البارد).
(٢) رواه البخاري في صحيحه (٣٢٦٢) في بدء الخلق وفي الطب (٥٧٢٦)، ومسلم (٢٢١٢) في الطب، والترمذي في جامعه (٢٠٧٣) في الطب، وابن ماجه في سننه (٣٤٧٢) في الطب، كلُّهم عن رافع بن خديج بلفظ "فأبردوها بالماء". وهو في الصحيحين أيضًا من حديث ابن عمر (البخاري ٣٢٦٤ ومسلم ٢٢٠٩)، وهو في البخاري (٣٢٦١) من حديث ابن عباس، و(٣٢٦٣) من حديث عائشة ﵃.
(٣) رواه أحمد في المسند (٢/ ٢٣٨ و٢٦٦) والبخاري في صحيحه (٥٣٣ و٥٣٤) في مواقيت الصلاة، ومسلم في صحيحه (٦١٥) (١٨٢ و١٨٣) في المساجد.
(٤) انظر ما قيل في تسمية جبال القمر حسن المحاضرة (٢/ ٣٤٩)؛ للسيوطي.
(٥) في ب: واجتراف من.
(٦) انظر ما قاله ياقوت عن هذه القرية في معجم البلدان (٣/ ٣٤٤).
(٧) في معجم البلدان (١/ ٢٠٠): أُشْموم.
[ ١ / ٤٨ ]
إلى أقصاه. ومنها أنه يجري على صخور ورمال ليس فيه خز ولا طحلب ولا أوحال، ومنها أنه لا يخضرُّ فيه حجر ولا حصاة، وما ذاك إلا لصحة مزاجه وحلاوته ولطافته، ومنها أن زيادته في أيام نقصان سائر الأنهار، ونقصانه في أيام زيادتها وكثرتها، وأما ما يذكره بعضُهم من أن أصل منبع النيل من مكان مرتفع اطَّلع عليه بعضُ الناس فرأى هناك هولًا عظيمًا وجواريَ حِسانًا وأشياءَ غريبةً، وأن الذي اطَّلعَ على ذلك (^١) لم يمكنْه الكلامُ بعد هذا، فهو من خرافاتِ المؤرِّخين وهذيانات الأفَّاكين (^٢).
وقد قال عبدُ اللَّه بن لَهِيْعة (^٣): عن قيس بن الحجَّاج، عمَّن حدثه قال: لمّا فُتحتْ مصر، أتى أهلها عمرَو بن العاص حين دخلَ بؤنة -من أَشْهُرِ العجم- فقالوا: أيُّها الأمير! إن لنيلنا هذا سُنَّةً لا يجري إلا بها. قال: وما ذاك؟ قالوا: إذا كان لِثنتي عشرة ليلةً خلتْ من هذا الشهر عَمَدْنا إلى جاريةٍ بكْرٍ بين أبويها، فارْضَيْنا أبويْها وجعلنا عليها من الحليِّ والثياب أفضل ما يكون، ثم ألقيناها في هذا النيل، فقال لهم عمرو: إن هذا لا يكون في الإسلام. إنَّ الإسلامَ يهدم ما كان قبله. فأقاموا بؤنةَ، والنِّيلُ لا يجري قليلًا ولا كثيرًا. وفي رواية: فأقاموا بؤنةَ وأبيب ومِسْرى (^٤) وهو لا يجري، حتَّى همُّوا بالجلاء. فكتبَ عمرو إلى عمرَ بن الخطَّاب بذلك. فكتب إليه إنَّك قد أصبتَ بالذي فعلتَ، وإني قد بعثتُ إليكَ ببطاقةٍ داخلَ كتابي هذا فألقِها في النيل. فلما قدمَ كتابُه، أخذَ عمرو البطاقة ففتحها فإذا فيها: من عبد اللَّه عمر أمير المؤمنين إلى نيل أهل مصر، أما بعد: فإن كنتَ لا تجري إلا من قِبَلكَ فلا تَجْرِ، وإن كان اللَّه الواحدُ القهَّارُ هو الذي يُجريك فنسألُ اللَّهَ أنْ يُجريَكَ. قال: فألقى البطاقةَ في النيل، فأصبحَ يومَ السبت قد زادَ ستةَ عشرَ ذراعًا في ليلة واحدة، وقطعَ اللَّه ﷾ (^٥) تلك السُّنَّة عن أهل مصر إلى اليوم (^٦).
وأما الفرات: فأصلُها من شمال أَرْزَن الروم، فتمرُّ إلى قرب مَلطية ثم تمر على سُمَيْساط، ثم على إلبيرة (^٧) قِبْليِّها، ثم تُشَرِّقُ إلى بالس (^٨) وقلعة جعبرَ (^٩)، ثم الرَّقّة، ثم إلى الرحبة شماليِّها، ثم إلى
_________________
(١) في ب: وأن الذي اطَّلعَ عليها لم يمكنه.
(٢) انظر حسن المحاضرة؛ للسيوطي (٢/ ٣٥٠).
(٣) عبد اللَّه بن لهيعة بن عقبة، أبو عبد الرحمن الحضرمي المصري، قاضي مصر، توفي سنة ١٧٤ هـ كان شيخًا صالحًا، ولكن خلط بعد احتراق كتبه. واحترقت كتبه قبل موته بأربع سنين. انظر المجروحين؛ لابن حبان (٢/ ١١).
(٤) أسماء أشهر قبطية.
(٥) زيادة من ب.
(٦) كانت هذه الحادثة سنة (٢٣ هـ) كما في بدائع الزهور (١/ ١١١). وانظر حسن المحاضرة (٢/ ٣٥٣ - ٣٥٤). وإسناد هذه الحكاية ضعيف، لضعف ابن لهيعة عند التفرد وجهالة من روى عنه شيخ قيس بن الحجاج.
(٧) إلبيرة: من نواحي حلب.
(٨) بالس: بلدة بالشام بين حلب والرقة. معجم البلدان (١/ ٣٢٨).
(٩) قلعة على الفرات، بين بالس والرقة، قرب صِفِّين. معجم البلدان (٢/ ١٤٢).
[ ١ / ٤٩ ]