عانة، ثم إلى هيت، ثم إلى الكوفة، ثم تخرجُ إلى فضاء العراق، وتصبُّ في مصالح كبار، أي بحيرات وترد إليها، ويخرج منها أنهار كبار معروفة.
وأما سَيحان: ويُقال له: سَيْحون أيضًا، فأوَّلُه من بلاد الروم، ويجري من الشمال والغرب إلى الجنوب والشرق، وهو غربيّ مجرى جيحان، ودونَه في القدْر، وهو ببلاد الأرمن التي تُعرف اليوم ببلاد سِيس، وقد كانت في أول الدولة الإسلامية، فلما تغلَّب الفاطميون (^١) على الديار المصرية، وملكوا الشام وأعمالَها عجزوا عن صَوْنها عن الأعداء، فتغلب أليقفور الأرمني على هذه البلاد، أعني بلادَ سيس في حدود الثلاثمئة، وإلى يومنا هذا -واللَّه المسؤول عودُها إلينا بحوله وقوته- ثم يجتمعُ سَيحان وجَيحان عند أذنةَ، فيصيران نهرًا واحدًا، ثم يَصُبَّان في بحر الروم بين إياسَ وطرَسوس.
وأما جيحان: ويُقال له: جيحون أيضًا، وتسمية العامة جاهان. وأصلُه في بلاد الروم، ويسير في بلاد سِيس من الشمال إلى الجنوب، وهو يُقارب الفرات في القدر، ثم يجتمعُ هو وسيحان عند أذنَة فيصيران نهرًا واحدًا. ثم يَصُبَّان في البحر عند إياسَ وطرَسوس، واللَّه أعلم.
* * *
فصل
قال اللَّه تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (٢) وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٣) وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد: ٣ - ٤].
وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (٦٠) أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [النمل: ٦٠ - ٦١].
وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١١) وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٢) وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٠ - ١٣].
_________________
(١) في أ: تعدت القاطنون.
[ ١ / ٥٠ ]
يذكر (^١) تعالى ما خلقَ في الأرض من الجبال والأشجار والثِّمار والسهول والأوعار، وما خلق من صنوف المخلوقات من الجمادات والحيوانات في البراري، والقِفار والبر والبحار مما يدلُّ على عظمته وقدرته وحكمته ورحمته بخلقه، وما سهَّل لكلِّ دابَّة من الرزق الذي هي محتاجة إليها في ليلها ونهارها، وصيفها وشتائها، وصباحها ومسائها، كما قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [هود: ٦].
وقد روى الحافظُ أبو يعلى عن محمد بن المثنى، عن عُبيد بن واقد، عن محمد بن عيسى بن كَيْسان، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، عن عمر بن الخطَّاب، قال: سمعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "خلقَ اللَّه ألفَ أُمَّة: منها ستمئة في البحر، وأربعمئة في البرِّ، وأوَّلُ شيءٍ يهلكُ من هذه الأمم الجرادُ، فإذا هلكَ تتابعتْ مِثْل النِّظام إذا قُطِعَ سِلْكُه" (^٢).
عبيد بن واقد: أبو عبَّاد البَصْري، ضعَّفهُ أبو حاتم (^٣)، وقال ابن عديّ (^٤): عامَّة ما يرويه لا يُتابع عليه، وشيخه أضعف منه (^٥). قال الفَلَّاس (^٦) والبخارىِّ (^٧): منكر الحديث. وقال أبو زُرْعة (^٨): لا ينبغي أن يُحدَّث عنه. وضعَّفه ابنُ حِبَّان (^٩) والدارقطني (^١٠)، وأنكر عليه ابن عديّ هذا الحديث بعينه وغيره (^١١)، واللَّه أعلم.
وقال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: ٣٨].
* * *
_________________
(١) في ب: وذكرَ.
(٢) رواه أبو يعلى (٢٣٩٩ - المطالب العالية، النسخة المسندة) وحكم عليه ابن حبان بالوضع في ترجمته لابن كيسان.
(٣) الجرح والتعديل (٦/ الترجمة ١٨).
(٤) الكامل (٥/ ١٩٩٠).
(٥) يعني: محمد بن عيسى بن كيسان.
(٦) ساقه ابن عدي في الكامل عن الفلاس (٦/ ٢٢٤٩).
(٧) تاريخه الكبير (١/ الترجمة ٦٣٥)، والصغير (٢/ ٢٧١).
(٨) سؤالات البرذعي (٢/ ٥١٧).
(٩) المجروحين (٢/ ٢٦٥ - ٢٦٦) بتحقيق السلفي.
(١٠) الضعفاء والمتروكون (٤٩٤).
(١١) الكامل (٦/ ٢٢٥٠).
[ ١ / ٥١ ]