قال اللَّه تعالى: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ﴾ [غافر: ١٥].
وقال تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٦].
وقال اللَّه: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [النمل: ٢٦].
وقال: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ [البروج: ١٤ - ١٥].
وقال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥].
وقال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ في غير ما آيةٍ (^٣) منَ القُرْآنِ.
وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧].
وقال تَعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٧].
وقال تعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الزمر: ٧٥].
وفي الدعاء المروي في "الصحيح" (^٤)، في دعاء الكرب: "لا إلَهَ إلا اللَّه العَظيم الحَليم (^٥) لا إلَهَ
_________________
(١) زيادة من ب، وفي تاريخ الطبري: فوضع عرشه عليه.
(٢) في (ب): في العرش.
(٣) في سورة الأعراف: ٥٤، ويونس: ٣، والرعد: ٢، والفرقان: ٥٩، والسجدة: ٤، والحديد: ٤.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه (٦٣٤٥) و(٦٣٤٦) في الدعوات، باب: الدعاء عند الكرب، و(٧٤٣١) في التوحيد، باب: قوله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤]. وأخرجه مسلم في صحيحه (٢٧٣٠)، في الذكر والدعاء، باب: دعاء الكرب، وأحمد في المسند (١/ ٢٢٨) كلهم من رواية عبد اللَّه بن عباس. ﵄. مع خلاف يسير في اللفظ.
(٥) في أ، وب: الحليم العظيم. وأثبت رواية المطبوع، لأنها موافقة لرواية الحديث في صحيح البخاري الذي ينقل منه المصنف.
[ ١ / ١٦ ]
إلا اللَّه رَبُّ العَرْشِ الكَريم، لا إلَهَ إلا اللَّه رَبّ السَّماواتِ وَرَبُّ الأرْضِ رَبّ العَرْشِ الكَريم".
وقال الإمام أحمد (^١): حدَّثنا عبدُ الرزاق، حدَّثنا يحيى بنُ العلاء، عن عمِّه شُعيب بن خالد، حدَّثني سمَاكُ بن حرب، عن عبد اللَّه بن عَميرةَ، عن الأحنفِ بن قَيْسٍ (^٢)، عن عبَّاس بن عبد المطلب قال: كُنَّا جُلُوسًا مع رسول اللَّه ﷺ بالبطحاء، فمرَّتْ سحابةٌ، فقال رسولُ اللَّه ﷺ: "أتَدْرُون ما هَذَا؟ " قال: قُلْنا: السَّحابُ. قال: "والمزنُ". قلنا: والمزْن. قال: "والعَنان"، قال: فسكتنا، فقال: "هَلْ تدْرُونَ كمْ بيْن السَّماءِ والأرْضِ"؟ قال (^٣): قلنا: اللَّهُ وَرَسُولهُ أعلم. قال: "بَيْنهُما مَسِيرَة خَمْسمئة سنةٍ، ومن (^٤) كُلِّ سَماءٍ إلى سماء مَسيرة خمسمئة سَنَةٍ وكثف كُلّ سَماء مَسِيْرة خَمْسمئَةِ سنةٍ، وفوْق السَّماء السَّابعة بحْرٌ بِين أسْفله وأعْلاهُ كما بَيْن السَّماء والأرْضِ [ثُمَّ فَوْق ذلكَ ثَمَانيةُ أوْعَالٍ بيْن رُكبهن وأظلافهنَّ كما بينَ السَّماء والأرْضِ، ثُمَّ عَلى ظُهُورهم (^٥) العَرْضُ بَيْنَ أسْفَلهِ وَأعْلاهُ كمَا بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ] (^٦). واللَّهُ فَوْقَ ذلك، وليْسَ يَخْفَى عَلَيْهِ منْ أعْمالِ بَني آدَمَ شَيْءٌ". هذا لفظ الإمام أحمد.
ورواه أبو داود، وابن ماجه، والترمذي (^٧) من حديث سماك بإسناده، نحوه. وقال الترمذي (^٨): هذا حديث حسن. وروى شريك بعض هذا الحديث عن سماك وَوقفَهُ.
ولفظ أبي داود: "وهَلْ تَدْرُونَ بُعْدَ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ؟ " قالوا: لا نَدْري. قال: "بُعْدُ ما بَيْنَهُمَا إمَّا واحدةٌ أو اثنتان (^٩) أو ثلاثة وسَبْعُونَ سَنَة"، والباقي نحوه (^١٠).
_________________
(١) مسند أحمد (١/ ٢٠٦ - ٢٠٧).
(٢) ليست زيادة (للأحنف بن قيس) في المسند، وقد صرح محمد بن عثمان بن أبي شيبة في "العرش" أن عبد الرزاق لم يذكر في حديثه الأحنف بن قيس، ولكن روى الحديث بزيادة (الأحنف بن قيس) أبو داود (٤٧٢٣) والترمذي (٣٣٢٠) وغيرهما.
(٣) في ب: والأرض؟ قلنا.
(٤) في ب: وبين.
(٥) في مسند أحمد: "ثم فوق ذلك العرش" وقوله: ثمَّ على ظهورهم. . والأرض. ليس في ب.
(٦) ما بين الحاصرتين سقط من أ، وسقط بعضه من ب كما أشرتُ. وهو في المطبوع، ومسند أحمد الذي نص المؤلف على أنه نقل لفظه.
(٧) أخرجه أبو داود في سننه (٤٧٢٣) في السنة، وابن ماجه في سننه (١٩٣) في المقدمة، والترمذي في الجامع (٣٣٢٠) في التفسير. وإسناده ضعيف.
(٨) قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وروى الوليد بن أبي ثور عن سماك نحوه، ورفعه. وروى شريك عن سماك بعض هذا الحديث وأوقفه ولم يرفعه. .
(٩) كذا في ب، وسنن أبي داود. والذي في أ، والمطبوع: أو اثنتين؛ وهو خطأ.
(١٠) أدرج ناسخ (ب) هنا القول: قال شهر بن حوشب: حملةُ العرش ثمانية: أربعة منهم يقولون: سبحانك اللهمَّ وبحمدك على حلمك بعد علمك، وأربعة يقولون: سبحانك اللهمَّ وبحمدك على عفوك بعد قدرتك. قال: وكانوا =
[ ١ / ١٧ ]
وقال أبو داود (^١): حدَّثنا عبد الأعلى بن حَماد ومحمد بن المثنى ومحمد بن بشار وأحمد بن سعيد الرِّباطي (^٢) قالوا: حدَّثنا وَهْب بن جرير -قال أحمد: كتبناه من نسخته، وهذا لفظه- قال: حدَّثنا أبي قال (^٣): سمعت محمد بن إسحاق يُحدِّث عن يعقوب بن عتبة، عن جبير بن محمد بن جبير بن مُطعم، عن أبيه، عن جده قال: أتى رسول اللَّه ﷺ أعرابيٌّ فقال: يا رسولَ اللَّه: جهِدَتِ الأنْفُسُ، وَجَاعت (^٤) العيالُ، وَنُهكتِ الأمْوالُ [وهَلَكتِ الأنْعامُ]، فاسْتَسْق اللَّهَ لَنا، فإنَّا نَسْتَشْفِعُ بِكَ عَلَى اللَّهِ وَنَسْتَشْفعُ باللَّه عَلَيْكَ. فقال (^٥) رسول اللَّه ﷺ: "وَيحكَ؛ أتَدْري ما تَقُولُ"؟! وَسَبَّحَ رسولُ اللَّه ﷺ فما زال يُسَبِّحُ حتى عُرف ذلك في وجوه أصحابه. ثمَّ قال: "وَيْحكَ؛ إنَّهُ لا يُسْتَشْفعُ باللَّهِ على أحدٍ منْ خَلْقِهِ، شَأْنُ اللَّهِ أعْظمُ منْ ذَلكَ. وَيْحكَ، أتَدْري ما اللَّهُ؟ إن عَرْشَهُ على سَمواتِهِ لَهَكذا" -وقال بأصابعه مثل القبة عليه- "وَإنَّهُ لَيَئِطُ بهِ أطِيْطَ الرَّحْل بالرَّاكب". قال ابنُ بشار في حديثه: "إنَّ اللَّهَ فَوْقَ عَرْشِهِ، وَعرْشُهُ فَوْقَ سَمواتِهِ"؛ وساق الحديث. وقال عبد الأعلى وابن المثنى وابن بشار عن يعقوب بن عتبة وجبير بن محمد بن جبير، عن أبيه عن جده. والحديث بإسناد أحمد بن سعيد أيضًا، [هو الصحيح، وافقه عليه جماعةٌ، منهم يحيى بن معين، وعلي بن المديني، ورواه جماعة عن ابن إسحاق كما قال أحمد أيضًا] (^٦) وكان سَماع عبد الأعلى وابن المثنى وابن بشار من نسخة واحدة فيما بلغني (^٧). تفرد بإخراجه أبو داود.
_________________
(١) = يرون أنَّهم يرون ذنوب بني آدم. رواه ابن أبي شيبة في (صفة العرش). ورواه أيضًا من طريق الضحاك، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٧] قال: الجن، والإنس، والشياطين، والملائكة، والكرُوبيون، ثمانية أجزاء كل جزء منهم بعدّة هؤلاء فذلك قوله سبحانه: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ ".
(٢) أبو داود (٤٧٢٦).
(٣) الرباطي، بكسر الراء المهملة، وفتح الباء المنقوطة بواحدة: نسبة إلى الرباط، وهو اسم لموضع رباط الخيل وملازمة أصحابها الثغر لحفظه من عدو الإسلام. وأحمد بن سعيد هذا ثقة، وإنما قيل له الرباطي لأنه كان على الرباط وعمارته وتولّي الأوقات التي له. وتصحّف في المطبوع من سنن أبي داود إلى: الرياطي بالياء آخر الحروف. أنساب السمعاني (٦/ ٧٠).
(٤) في ب: أبي سمعت.
(٥) كذا في الأصول، وفي سنن أبي داود: وضاعت.
(٦) ليست في أ، وهي في ب وسنن أبي داود.
(٧) زيادة من ط، موافقة لنص أبي داود، ليست في أ وب.
(٨) إسناده ضعيف، ولا يصح في أطيط العرش حديث. والنهك: المرض، المراد به هاهنا: التلف. والأطيط: صوت أقتاب الناقة، أي: إنَّه ليعجز عن حمله وعظمته، إذ كان معلومًا أنَّ أطيط الرحل بالراكب إنما يكون لقوة ما فوقه وعجزه عن احتماله. النهاية لابن الأثير (١/ ٥٤). وانظر ما نقله ابن الأثير عن الخطابي، في هذا الحديث، في جامع الأصول (٤/ ٢٤).
[ ١ / ١٨ ]
وقد صنَّف الحافظ أبو القاسم بنُ عساكر الدمشقي جزءًا في الرد على هذا الحديث. سمَّاه: "بيانُ الوَهْمِ والتخليط الواقع في حديث الأطيط"، واستفرغ وسعه في الطعن على محمد بن إسحاق بن يسار راويه. وذكر كلام النَّاسِ فيه.
ولكنْ قد (^١) رُوي هذا اللفظ من طريقٍ أخرى عن غير محمد بن إسحاق؛ فرواه عَبْد بن حُميد (^٢)، وابن جرير (^٣) في "تَفْسيريْهما"، وابن أبي عاصم والطبراني في كتابي "السُّنَّة" لهما، والبَزَّار في "مُسنده"، والحافظ الضياء المقدسي في "مختاراته" من طريق أبي إسحاق السَّبيعي (^٤) عن عبد اللَّه بن خَليفة عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: أتَتِ امْرأةٌ إلى رسولِ اللَّه ﷺ فقالت: ادْعُ اللَّهَ أنْ يُدْخلني الجنَّةَ قال: فَعَظَّمَ الرَّبَّ ﵎، وقال: "إنَّ كُرْسيَّهُ وَسِعَ السَّماواتِ والأرْضَ، وَإنَّ لَهُ أطيطًا كَأطِيْط الرحل الجديد منْ ثقلِهِ".
عبد اللَّه بن خليفة ليس بذاك المشهور، وفي سماعه من عمر نظر. ثمَّ منهم من يرويه موقوفًا ومُرْسلًا، ومنهم من يزيد فيه زيادةً غريبةً. فاللَّه أعلم.
وثبت في "صحيحِ البخاري" (^٥) عن رسول اللَّه ﷺ أنَّهُ قال: "إذا سَألْتُم اللَّهَ الجَنَّةَ فَسَلُوْهُ الفِرْدَوسَ فَإنَّهُ أعْلى الجنَّةِ (^٦)، وَفوقهُ عَرْشُ الرَّحْمنِ". يُروى: "وفوقَه" بالفتح على الظرفية، وبالضم (^٧)، قال شيخُنا الحافظُ المِزِّي (^٨): وهو أحسن، أي: وأعلاهما عَرْشُ الرحمنِ.
وقد جاء في بعض الآثار: أنَّ أهْلَ الفِرْدَوْسِ يسمعون أطيطَ العَرْشِ، وهو تَسْبِيْحُهُ وتعظيمه، وما ذاك إلا لقربهم منه.
_________________
(١) في ب: ولكن روي.
(٢) هو أبو محمد عبد الحميد بن حُميد بن نصر الكِسِّي، إمام جليل القدر، يُعرف بعبد بن حميد له "تفسير" و"مسند". توفي سنة (٢٤٩) هـ. أنساب السمعاني (١٠/ ٤٢٩).
(٣) تفسير الطبري (٣/ ٨) في تفسير قوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ من آية الكرسي في سورة البقرة.
(٤) كذا في ب وفي أ: السنبقي؛ وهو خطأ. وأبو إسحاق السبيعي هو: عمرو بن عبد اللَّه بن علي، توفي سنة (١٢٧).
(٥) الحديث كاملًا في صحيحه (٢٧٩٠) في الجهاد. و(٧٤٢٣) في التوحيد، من حديث أبي هريرة ﵁. ورواه الترمذي في الجامع (٢٥٣٠) في صفة الجنة، من حديث معاذ بن جبل ﵁.
(٦) قوله: وأوسط الجنة؛ سقط من ب.
(٧) على الابتداء أو الإخبار.
(٨) الحافظ المزي، هو أبو الحجاج، يوسف بن عبد الرحمن بن يوسف القضاعي المتوفى سنة (٧٤٢) هـ. إمام محدّث حافظ، له مجموعة من الكتب على رأسها "تهذيب الكمال في أسماء الرجال". نُشر بتحقيق الدكتور بشار عواد معروف في مؤسسة الرسالة.
[ ١ / ١٩ ]
وفي "الصحيح" (^١) أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لَقَدِ اهْتَزَّ عَرْشُ الرَّحمنِ لِمَوْتِ سَعْدِ بْنِ مُعاذ".
وذكر الحافظ ابن الحافظ محمد بن عثمان بن أبي شَيْبة (^٢) في كتاب "صِفَة العرش" عن بَعض السلف أنَّ العَرْشَ مخلوقٌ من ياقوتةٍ حَمْراء بُعْدُ ما بَيْنَ قُطْريه مسيرةُ خَمسين ألف سنةٍ (^٣).
وذكرنا (^٤) عند قوله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] أنه بُعْد ما بين العرش إلى الأرض السابعة مسيرةُ خمسين ألف سنةٍ، واتساعُه (^٥) خمسون ألف سنة (^٦).
وقد ذهب طائفة من أهل الكلام إلى أنَّ العرش فلكٌ مستدير من جميع جوانبه، محيطٌ بالعالم من كل جهة، ربما سَمَّوهُ: الفلك التاسع والفلك الأطلس والأثير. وهذا ليس بجيدٍ؛ لأنَّه قد ثبت في الشرع أنَّ له قوائمَ تحمله الملائكة، والفلك لا يكون له قوائم ولا يُحمل، وأيضًا فإنَّهُ فوق الجنَّة، والجنةُ فوق السماوات، وفيها مئةُ درجة، ما بين درجتين كما بين السماء والأرض، فالبعد الذي بينه وبين الكرسي ليس هو نسبة فلك إلى فلك. وأيضًا فإنَّ العرش، في اللغة: عبارة عن السرير الَّذي لِلْمَلِكِ، كما قال تعالى: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: ٢٣]. وليس هو فلكًا، ولا تَفهم منه العرب ذلك. والقرآن إنَّما نَزل بلغة العرب، فهو سريرٌ ذو قوائم تحمله الملائكة، وهو كالقُبَّة على العالم، وهو سقفُ المخلوقات (^٧).
_________________
(١) البخاري (٣٨٠٣)، في مناقب الأنصار. وأخرجه مسلم في صحيحه (٢٤٦٦) في فضائل الصحابة، وابن ماجه في سننه (١٥٨) في المقدمة، والترمذي في الجامع (٣٨٤٨) في المناقب، وأحمد في المسند (٣/ ٢٩٦) كلهم من حديث جابر بن عبد اللَّه ﵄.
(٢) سيترجم له المؤلف في وفيات سنة (٢٩٧ هـ).
(٣) أورد المؤلف هذا النقل عن ابن أبي شيبة في تفسير قوله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ. . .﴾ (٤/ ٤٩٤).
(٤) تفسير القرآن العظيم (٤/ ٤٩٢) وما بعدها. وقد أورد أربعة أقوال لتفسير مقدار اليوم.
(٥) كذا في المطبوع. وفي أ، ب: الساعة. وعبارته في التفسير:. . . . وكذلك اتساع العرش من قطر إلى قطر مسيرة خمسين ألف سنة.
(٦) جاء في ب: زيادة مدرجة ليست في باقي الأصول: قال سهل بن أبي خلف: هو من ياقوتة حمراء. وقال وهب بن منبّه: هو مسيرة خمسين ألف سنة. رواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح إليهما. وقال أيضًا: حدَّثنا قعنب بن محمد التيمي، حدّثنا الوليد بن مسلم، حدثنا داود بن عبد الرحمن المكّي، عن محمد بن زاذان، أنه أخبره عن أم سعد - امرأة من المهاجرات قالت: قال رسول اللَّه ﷺ: "العرش على ملك في صورة ديك رجلاه في تخوم السفلى، وعنقه مثبتة تحت العرش، وجناحاه في المشرق والمغرب. فإذا سبّح ذلك الملك لم يبق شيء إلا سبح".
(٧) أُدرجَ في ب. قوله: قال ابن أبي شيبة في صفة العرش: حدّثنا إبراهيم بن أبي معاوية وهنَّاد بن السري قالا: حدَّثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي نضرة، عن أبي ذر قال رسول اللَّه ﷺ: "ما بين الأرض إلى السماء خمسمئة سنة، وغلظ كل سماء خمسمئة سنة، وما بين كل سماء إلى التي تليها خمسمئة سنة، والأرضون مثل ذلك. وما بين السماء السابعة إلى العرش مثل جميع ذلك كله".
[ ١ / ٢٠ ]
قال اللَّه تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧]. وقد تقدَّم في حديث الأوعال (^١) أنَّهم ثمانية، وفوق ظهورهنَّ العَرشُ، وقال تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٧].
وقال شهْرُ بْن حوْشب: حملةُ العرْش ثمانيةٌ؛ أربعةٌ منهم يقولون: سُبْحانك اللَّهُمَّ وبحَمْدكَ، لَكَ الحمْدُ على حلْمكَ بَعْدَ عِلْمِكَ (^٢)، وأربعة يقولون: سُبْحانكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدكَ لَكَ الحَمْدُ عَلَى عَفْوكَ بَعْدَ قُدْرَتكَ.
فأما الحديثُ الذي رواه الإمام (^٣) أحمد (^٤): حدَّثنا عبد اللَّه بن محمد هو أبو بكر [بن أبي شَيْبة] (^٥)، حدَّثنا عبدة بن سليمان، عن محمد بن إسحاق، عن يعقوب بن عتبة، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ أنَّ رسول اللَّه ﷺ صدَّق أمية بن أبي الصَّلْت (^٦) في شيء من شعره فقال: [من الكامل]
رجُلٌ وثَوْرٌ تحْتَ رِجْلِ يَمينهِ … والنَّسْرُ للأُخْرَى وَلَيْثٌ مُرْصدٌ (^٧)
فقال رسول اللَّه ﷺ: "صدق". فقال: [من الكامل]
والشَّمْسُ تَطْلع كُلَّ آخِرِ لَيْلَةٍ … حَمْراءَ يُصْبحُ لَوْنُها يَتَورَّدُ
تَأْبَى فما تَطلع لَنا في رِسْلِها … إلا مُعَذَّبَةً وإلا تُجْلَدٌ (^٨)
فقال رسول اللَّه ﷺ: "صَدَقَ". فإنَّهُ حديثٌ صحيحُ الإسناد، رجالُه ثقات (^٩). وهو يقتضي أنَّ
_________________
(١) تقدم الحديث ص ١٥ وإسناده ضعيف.
(٢) في ب: لك الحمد على علمك، وأربعة. . وهو سهو من الناسخ.
(٣) لفظة: الإمام؛ سقطت من ب.
(٤) مسند أحمد (١/ ٢٥٦) وهو عند الدارمي في سنه (٢/ ٢٩٦) في الاستئذان، باب في الشعر وفيه عنعنة ابن إسحاق، وهو مدلس.
(٥) زيادة من ب، وهو في مصنفه (٨/ ٥٠٥).
(٦) شاعر جاهلي معروف، أدرك الإسلام ولم يسلم، وكان ينتظر أن تكون النبوّة له لما علم عن خبرها من رهبان النصارى وأحبار اليهود. انظر دراسة مفصلة عنه في ديوانه، صنعة الأستاذ الدكتور عبد الحفيظ السطلي.
(٧) البيت مع البيتين القادمين، في ديوانه (ص ٣٦٥) وهو من قصيدة طويلة مطلعها: اعلم بأنَّ اللَّه ليس كصُنْعِهِ … صنْعٌ، ولا يخفى عليه مُلْحد وهي من شعره المتهم، كما أشار الدكتور السطلي وسيأتي البيتان أيضًا ص (٥٤).
(٨) أثبتُّ رواية ب، وهي الموافقة للمصدر الذي ينقل منه المصنف وهو مسند أحمد.
(٩) أقول: لكن فيه محمد بن إسحاق مدلس، وقد رواه بالعنعنة.
[ ١ / ٢١ ]
حَملة العرش اليومَ أربعةٌ (^١)، فيعارضه حديث الأوعال (^٢)؛ اللهمَّ إلا أن يُقال: إن إثبات هؤلاء (^٣) الأربعة على هذه الصفات لا ينفي ما عداهم، واللَّه أعلم.
ومن شعر أميَّة بن أبي الصَّلْت في العرش قولُه: [من الخفيف]
مجِّدُوْا اللَّهَ فَهْوَ للْمَجْد أهْلُ … رَبُّنا في السَّماءِ أمْسَى كَبيرا (^٤)
بالبنَاءَ العَالي الَّذي بَهَرَ النَّا … س وَسَوَّى فَوْقَ السَّماءِ سَريرًا (^٥)
شرْجعًا لا يَنالُهُ بَصَرُ العَيْـ … ــنِ تَرَى حَوْلهُ الملائِكَ صُوْرا (^٦)
صُور: جمع أصْور، وهو المائل العنق لنظره إلى العلو (^٧). والشَّرْجعُ: هو العالي المنيف. والسرير: هو العرش، في اللغة.
ومن شعر عبد اللَّه بن رَوَاحة ﵁ الذي عرَّض به عن القراءة لامرأته حين اتهمته بجاريته (^٨): [من الوافر]
شهدْتُّ بأنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ … وَأنَّ النَّارَ مَثْوى الكَافِرينا
وأنَّ العَرْشَ فوْقَ الماءِ طافٍ … وفَوْقَ العَرْشِ رَبُّ العَالمينا
وتحْملُهُ ملائكةٌ كرَامٌ … مَلائكةُ الإلهِ مُسَوَّمينا (^٩)
ذكره ابن عبد البر (^١٠)، وغير واحد من الأئمة.
_________________
(١) في أ: أربع، وهو سهو من الناسخ.
(٢) وحديث الأوعال ضعيف أيضًا، على أن لفظ الثمانية في القرآن الكريم.
(٣) كذا في ب، وط. وفي أ: هذه الأربعة.
(٤) في ديوانه:. . . قديرًا.
(٥) في ديوانه: بالبناء الأعلى الذي سبق. . .
(٦) الأبيات مطلع قصيدة في ديوانه (ص ٣٩٩) وتخريجها فيه، وهي من شعره المتهم، كما أشار الدكتور السطلي.
(٧) الذي في النهاية لابن الأثير. واللسان: صور، وهو المائل العنق لثقل حمله.
(٨) في أمالي اليزيدي (ص ١٠٢): كانت لعبد اللَّه بن رواحة جارية يستسرها عن أهله، فقالت له امرأته: لقد رأيتك دخلت مع جاريتك، وإنك الآن لجنب، فَجَاحَدَ ذلك. فقالت: فإن كنت صادقًا فاتلُ عليَّ القرآن. فقال: شهدت. . . [الأبيات] قالت: آمنت باللَّه وكذبت البصر. فأتى ابن رواحة رسولَ اللَّه ﷺ، فحدَّثه الحديث، فضحك رسول اللَّه ﷺ، ولم يغير عليه. وكانت امرأته لا تحفظ القرآن، ولا تقرؤه، فظنته يقرأ منه. وانظر: سير أعلام النبلاء (١/ ٢٣٨) والأبيات في ديوان عبد اللَّه بن رواحة (ص ١٦٤).
(٩) في أمالي اليزيدي: وتحمله ثمانية شداد. وفي ديوانه، وأمالي اليزيدي، والسير: مقرَّبينا.
(١٠) الاستيعاب (٦/ ١٧١) على هامش الإصابة (تحقيق. د. طه الزيني - القاهرة).
[ ١ / ٢٢ ]
وقال أبو داود (^١): حدَّثنا أحمد بن حفص بن عبد اللَّه، حدَّثني أبي، حدَّثنا إبراهيم بن طهمان، عن موسى بن عقبة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد اللَّه، أنَّ النبي ﷺ قال: "أذنَ لي أنْ أُحدِّثَ عنْ مَلكٍ منْ مَلائِكةِ اللَّهِ ﷿ منْ حَملةِ العَرْشِ: إنَّ ما بينَ شَحْمةِ أُذُنهِ إلى عاتِقِهِ مَسِيرةُ سبعمئة عامٍ" (^٢).
ورواه ابن أبي حاتم، ولفظه: "مخفق الطير مسيرة سبعمئة عام".