هو إبراهيم بن تارخ (٢٥٠)، بن ناحور (^١) (١٤٨)، بن ساروغ (٢٣٠)، بن أرغو (^٢) (٢٣٩)، ابن فالغ (^٣) (٤٣٩)، بن عابر (^٤) (٤٦٤)، بن شالخ (^٥) (٤٣٣)، بن أرفخشد (^٦) (٤٣٨)، بن سام (٦٠٠)، بن نوح ﵇.
هذا نصُّ أهل الكتاب في كتابهم، وقد أعلمت على أعمارهم تحت أسمائهم بالهندي، كما ذكروه من المُددِ، وقدَّمنا الكلام على عمر نوح ﵇ فأغنى عن إعادته.
وحكى الحافظُ ابن عساكر في ترجمة إبراهيم الخليل من تاريخه: عن إسحاق بن بشر الكاهلي صاحب كتاب "المبتدأ": أن اسمَ أم إبراهيم "أميلة". ثم أورد عنه في خبر ولادتها (^٧) له حكايةً طويلةً (^٨)، وقال الكلبيُّ: اسمها: "بونا" بنت كربنا بن كرلي، من بني أرفخشذ بن سام بن نوح.
وروى ابن عساكر من غير وجه: عن عكرمة؛ أنه قال: كان إبراهيمُ ﵇ يُكنَّى أبا الضّيفان (^٩).
قالوا: ولما كان عمر تارخ خمسًا وسبعين سنة ولد له إبراهيم ﵇، وناحور وهاران، ووُلد لهاران لوط.
وعندهم: أن إبراهيم ﵇ هو الأوسط، وأن هاران ماتَ في حياة أبيه في أرضه التي وُلد فيها، وهي أرض الكلدانيين، يعنون أرضَ بابل.
وهذا هو الصحيحُ المشهورُ عند أهل السير والتواريخ والأخبار، وصحَّحَ ذلك الحافظ ابن عساكر (^١٠)
_________________
(١) في أ: باحور.
(٢) في أ وب: راغو؛ وأثبت ما في هامش أ. وما يتفق مع تاريخ الطبري ومختصر تاريخ دمشق.
(٣) في نسخة: فالاغ.
(٤) في نسخة: غيبر، وفي نسخة: عابار.
(٥) في نسخة سالاخ.
(٦) في نسخة: أرفخشاذ.
(٧) في أ: ولادها.
(٨) أخرجه ابن عساكر، كما في التهذيب (٢/ ١٤١).
(٩) المصدر السابق (٢/ ١٤٠).
(١٠) المصدر السابق (٢/ ١٣٧).
[ ١ / ٢٠٨ ]
بعدما روى من طريق هشام بن عمَّار، عن الوليد، عن سعيد بن عبد العزيز، عن مكحول، عن ابن عباس، قال: وُلد إبراهيم بغوطةِ دمشقَ في قريةٍ يُقال لها: برزة. في جبل يُقال له: قاسيون. ثم قال: والصحيحُ أنه وُلد ببابل. وإنما نسب إليه هذا المقام لأنَه صلَّى فيه إذ جاءَ مُعينا للوط ﵇.
قالوا: فتزوَّج إبراهيمُ سارَة، وناحور ملكا ابنة هاران، يعنون بابنة أخيه.
قالوا: وكانت سارَةُ عاقرًا لا تلد. قالوا: وانطلقَ تارخ بابنه إبراهيم وامرأته سارَة وابن أخيه لوط بن هاران، فخرج بهم من أرض الكلدانيين إلى أرض الكنعانيين، فنزلوا حرَّان، فمات فيها تارخ وله مئتان وخمسون سنة، وهذا يدلُّ على أنه لم يُولد بحرَّان، وإنما مولده بأرض الكلدانيين، وهي أرضُ بابلَ وما والاها.
ثم ارتحلوا قاصدينَ أرض الكنعانيين، وهي بلاد بيت المقدس، فاقاموا بحرَّان، وهي أرضُ الكلدانيين (^١) في ذلك الزمان، وكذلك أرض الجزيرة والشام أيضًا، وكانوا يعبدون الكواكبَ السبعة.
والذين عمروا مدينةَ دمشق كانوا على هذا الدِّين، يستقبلونَ القطبَ الشمالي، ويعبدون الكواكبَ السبعةَ بأنواع من الفِعال والمقال، ولهذا كان على كل باب من أبواب دمشقَ السبعة هيكلٌ لكوكبٍ منها، ويعملونَ لها أعيادًا وقرابينَ.
وهكذا كانَ أهلُ حرَّان يعبدونَ الكواكبَ والأصنامَ، وكلُّ من (^٢) على وجه الأرض كانوا كفَّارًا، سوى إبراهيم الخليل وامرأته وابن أخيه لوط ﵈.
وكان الخليلُ ﵇ هو الذي أزالَ اللّه به تلك الشرور، وأبطلَ به ذاك الضلال، فإن اللّه ﷾ آتاه رشدَه في صِغَره، وابتعئه رسولًا، واتَّخذه خليلًا في كِبَره، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٥١] أي: كان أهلًا لذلك. وقال تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٦) إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١٧) وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (١٨) أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (١٩) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠) يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (٢١) وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٢٢) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٣) فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ
_________________
(١) كذا في أ وب، وفي المطبوع: الكشدانيين.
(٢) كذا في أ وب: وفي المطبوع: وكلُّ من كان.
[ ١ / ٢٠٩ ]
يُؤْمِنُونَ (٢٤) وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٥) فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٦) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٤ - ٢٧] ثم ذكرَ اللّه تعالى مناظرته لأبيه وقومِه، كما سنذكرُه إن شاء اللّه تعالى.
وكان أوَّل دعوته لأبيه، وكان أبوه ممن يعبد الأصنامَ، لأنه أحقُّ النَّاس بإخلاص النصيحة له، كما قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٤١) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (٤٢) يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (٤٣) يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (٤٤) يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (٤٥) قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦) قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (٤٧) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ [مريم: ٤١ - ٤٨]. فذكرَ تعالى ما كان بينه وبين أبيه من المحاورة والمجادلة، وكيف دعا أباه إلى الحقِّ بألطفِ عبارةٍ وأحسنِ إشارةٍ وبيَّنَ له بطلانَ ما هو عليه (^١) من عبادةِ الأوثان، التي لا تسمعٌ (^٢) دعاءَ عابدِها، ولا تُبصر مكانَه، فكيف تُغني عنه شيئًا أو تفعلُ له خيرًا من رِزقٍ أو نصر؟ ثم قال مُنبِّهًا (^٣) على ما أعطاه اللّه من الهدى والعلم النافع، وإن كان أصغرَ سِنًا من أبيه: ﴿يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ٤٣] أي: مستقيمًا واضحًا سَهْلًا حنيفًا (^٤)، يُفْضي بكَ إلى الخير في دنياكَ وأُخراكَ، فلما عرضَ هذا الرشدَ عليه، وأهدى هذه النصيحةَ إليه، لم يقبلْها منه ولا أخذَها عنه، بل تهذَده وتوعَّدَه، قال: ﴿أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ [مريم: ٤٦] قيل: بالمقال، وقيل: بالفعال. ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٦] أي: واقطعني، وأطل هجراني، فعندها قال له إبراهيم ﴿سَلَامٌ عَلَيْكَ﴾ أي: لا يَصِلُكَ مني مكروهٌ، ولا ينالُكَ مني أذىً، بل أنت سالمٌ من ناحيتي، وزادَه خيرًا فقال: ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم: ٤٧] قال ابن عباس وغيره: أي لطيفًا، يعني في أن هداني لعبادتِه والإخلاص له، ولهذا قال: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ [مريم: ٤٨] وقد استغفرَ إبراهيم ﵇، كما وعده في أدعيته، فلما تبيَّن له أنه عدوٌّ للّه، تَبَرَّأ منه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٤].
_________________
(١) في أ: إليه.
(٢) كذا في ب، وهي في أ غير مقروءة.
(٣) كذا في ب، وهي في أ غير مقروءة.
(٤) حنيفًا: مستقيمًا على الحق، مائلًا عن المعتقدات الباطلة.
[ ١ / ٢١٠ ]
وقال البخاري (^١): حدَّثنا إسماعيل بن عبد اللّه، حدَّثني أخي عبدُ الحميد، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المَقْبُري، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ قال: "يلقى إبراهيمُ أباه آزرَ يوم القيامة، وعلى وجهِ آزرَ قَتَرَةٌ وغَبَرَةً، فيقول له إبراهيم: ألم أقلْ لكَ: لا تعصني؟ فيقول له أبوه: فاليوم لا أعصيك. فيقولُ إبراهيم: يا ربِّ! إنَّكَ وعَدْتني أن لا تُخزني يومَ يُبعثون، وأيُّ خزيٍ أخزى من أبي الأبعد؟ فيقولُ اللّه: إنِّي حرَّمتُ الجنَّة على الكافرين. ثم يُقال: يا إبراهيمُ ما تحتَ رِجْلَيْكَ؟ فينظرُ فإذا هو بذيخٍ مُلْتَطِخٍ، فيُؤخذُ بقوائمِه فيُلقى في النَّار" هكذا رواه في قصة إبراهيم منفردًا.
وقال في التفسير (^٢) وقال إبراهيمُ بن طَهْمان، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المَقْبُري، عن أبيه، عن أبي هريرة.
وهكذا رواه النسائي (^٣): عن أحمد بن حَفْص (^٤) بن عبد اللّه، عن أبيه، عن إبراهيمَ بن طَهْمان، به.
وقد رواه البزار (^٥): من حديث حمَّاد بن سلمةَ، عن أيُّوب، عن محمّد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، بنحوه. وفي سياقه غرابةٌ. ورواه أيضًا (^٦): من حديث قتادة، عن عُقْبة بن عبد الغافر، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ: بنحوه.
وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٧٤] هذا يدلُّ على أنَّ اسمَ أبي إبراهيم آزر، وجمهور أهل النسب - منهم ابن عباس - على أن اسم أبيه تارح، وأهل الكتاب يقولون تارخ بالخاء المعجمة، فقيل: إنه لُقِّبَ بصنم كان يعبدُه اسمه آزر.
وقال ابن جرير (^٧): والصواب أن اسمَه آزر، ولعلَّ له اسمان علمان، أو أحدهما لقب والآخر علم.
وهذا الذي قاله محتمل، واللّه أعلم.
_________________
(١) في صحيحه (٣٣٥٠) في الأنبياء. وقترَة: غبرة شديدة، بحيث يسوَّد الوجه. وغَبَرة: ما يعلو الوجه من الغبار. بذيخ: الذِّيْخ: ذكرُ الضِّباع.
(٢) من صحيحه (٤٧٦٨).
(٣) في السنن الكبرى (١١٣٧٥).
(٤) في أ: أحمد بن عبد اللّه بن حفص، وهو خطأ.
(٥) كما في كشف الأستار (٩٧).
(٦) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (٩٤) وقال البزار: لا نعلم رواه إلا التيمي، ولا عنه إلا ابنه، وهو حديث غريب.
(٧) في تفسيره (٥/ ٢٣٩ - ٢٤٠).
[ ١ / ٢١١ ]
ثم قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩) وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٨٠) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨١) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢) وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ٧٥ - ٨٣] وهذا المقامُ مقام مناظرةٍ لقومه، وبيان لهم أن هذه الأجرام المُشاهدة من الكواكب النيرة لا تصلحُ للألوهية، ولا أن تُعبد مع الله ﷿، لأنها مخلوقةٌ مربوبةٌ مصنوعةٌ، مُدبَّرةٌ مُسخَرة، تطلعُ تارة، وتأفُل (^١) أخرى، فتغيب عن هذا العالم، والربُّ تعالى لا يغيبُ عنه شيءٌ، ولا تخفى عليه خافية، بل هو الدائمُ الباقي بلا زوال، لا إله إلا هو، ولا ربَّ سواه.
فبيَّن لهم أولًا عدمَ صلاحيةِ الكواكب (^٢) لذلك، قيل: هو الزهرة، ثم ترقَّى منها إلى القَمر الذي هو أضوأ منها وأبهى من حسنها، ثم ترقَّى إلى الشمس التي هي أشدُّ الأجرام المشاهدة ضياءً وسناءً وبهاءً، فبيَّن أنها مُسخَّرة مُقدَّرة مربوبة، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: ٣٧] ولهذا قال: ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً﴾ أي: طالعة ﴿قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩) وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾ [الأنعام: ٧٨ - ٨٠]. أي: لستُ أبالي في هذه الآلهة التي تعبدونها من دون اللّه، فإنها لا تنفع شيئًا، ولا تسمع، ولا تعقل، بل هي مربوبة مُسخَّرة كالكواكب ونحوها، أو مصنوعةٌ منحوتة منجورة.
والظاهر أنَّ موعظتَه هذه في الكواكب لأهل حرَّان، فإنهم كانوا يعبدُونها، وهذا يردُّ قولَ منْ زعمَ أنَّه قال هذا حين خرجَ من السرب لما كانَ صغيرًا، كما ذكره ابن إسحاق وغيره، وهو مستندٌ إلى أخبار إسرائيلية لا يُوثَق بها، ولا سيما إذا خالفتِ الحقَّ.
_________________
(١) تأفل: تغيب.
(٢) في الأصل: عدم صلاحية الكوكب، قيل هو الزهرة لذلك. وأثبت ما في المطبوع.
[ ١ / ٢١٢ ]
وأما أهلُ بابلَ فكانوا يعبدونَ الأصنامَ، وهم الذين ناظرَهم في عبادتِها وكسَّرها عليهم، وأهانَها وبيَّنَ بطلانها، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٥].
وقال في سورة الأنبياء: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (٥١) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (٥٢) قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ (٥٣) قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٥٤) قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (٥٥) قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٥٦) وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (٥٧) فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (٥٨) قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٥٩) قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (٦٠) قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (٦١) قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَاإِبْرَاهِيمُ (٦٢) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (٦٣) فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (٦٤) ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ (٦٥) قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (٦٦) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٧) قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٦٨) قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾ [الأنبياء: ٥١ - ٧٠].
وقال في سورة الشعراء: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (٦٩) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (٧٠) قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (٧١) قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (٧٣) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (٧٤) قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (٧٧) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (٨٢) رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [الشعراء: ٦٩ - ٨٣].
وقال تعالى في سورة الصافات: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (٨٣) إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٤) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (٨٥) أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٧) فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩) فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (٩٠) فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (٩١) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (٩٢) فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (٩٣) فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (٩٤) قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦) قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (٩٧) فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ﴾ [الصافات: ٨٣ - ٩٨].
يخبرُ اللّه تعالى عن إبراهيم خليله ﵇، أنَّه أنكرَ على قومه عبادةَ الأوثان، وحقَّرها عندَهم، وصغَّرها وتنقَّصَها، فقال: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٢] أي: مُعتكفون عندَها، وخاضعون لها، قالوا: ﴿وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٥٣] ما كانَ حجَّتهم إلا صنيع الآباء والأجداد، وما كانوا عليه من عبادة الأنداد ﴿قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الأنبياء: ٥٤] كما قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (٨٥) أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ٨٥ - ٨٧]
[ ١ / ٢١٣ ]
قال قتادة: فما ظنُّكم به أنَّه فاعلٌ بكم إذا لقيتُموه وقد عبدتُم غيره (^١)؟
وقال لهم ﴿قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (٧٣) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: ٧٢ - ٧٤] سلَّموا له أنها لا تسمعُ داعيًا ولا تنفعُ، ولا تضرُّ شيئًا، وإنما الحاملُ لهم على عبادتِها الاقتداء بأسلافهم، ومن هو مثلهم في الضلال من الآباء الجهَّال، ولهذا قال لهم ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٧٥ - ٧٧] وهذا برهانٌ قاطعٌ على بطلان إلهية ما ادَّعَوه من الأصنام، لأنه تبرَّأ منها وتنقَّصَ بها، فلو كانت تضرُّ لضرَّته، أو تُؤَثِّرُ لأثَّرتْ فيه.
﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٥٥]. يقولون: هذا الكلام الذي تقوله لنا وتتنفصُ به آلهتنا، وتطعنُ بسببه في آبائنا، تقولُه مُحقَّقًا جادًّا فيه أم لاعبًا؟ ﴿قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٥٦]، يعني بل أقول لكم ذلك جادًّا مُحقًّا، وإنما إلهكم الله الذي لا إلَه إلا هو، هو ربُّكم وربُّ كلِّ شيءٍ فاطر السموات والأرض، الخالق لهما على غير مثال سبق، فهو المستحقُّ للعبادة وحدَه لا شريكَ له، وأنا على ذلكم من الشاهدين.
وقوله: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ [الأنبياء: ٥٧] أقسمَ ليكيدنَ هذه الأصنامَ التي يَعبدونها بعدَ أن يوثُوا مدبرينَ إلى عيدهم. قيل: إنه قال هذا خفيةً في نفسه. وقال ابن مسعود: سمعَه بعضُهم وكان لهم عيدٌ يذهبون إليه في كلّ عام مرَّةً إلى ظاهر البلد، فدعاه أبوه ليحضرَه، فقال: إني سقيم، كما قال تعالى: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٨، ٨٩]، عرَّض لهم في الكلام حتى توصَّل إلى مقصوده من إهانة أصنامهم، ونُصرة دين الله الحقِّ في بطلان ما هم عليه من عبادة الأصنام، التي تستحقُّ أن تُكسرَ، وأن تُهانَ غايةَ الإهانة.
فلمَّا خرجوا إلى (^٢) عيدهم، واستقرَّ هو في بلدهم: ﴿فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ﴾ [الصافات: ٩١] أي: ذهبَ إليها مُسرعًا مُستخفيًا، فوجدَها في بهوٍ عظيمٍ، وفد وَضعُوا بين أيديها أنواعًا من الأطعمة قربانًا إليها ﴿فَقَالَ﴾ على سبيل التَّهكُّم والازدراء: ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ (٩١) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (٩٢) فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ [الصافات: ٩١ - ٩٣] لأنها أقوى وأبطشُ وأسرعُ وأقهرُ، فكسَّرها بقَدُوم في يده كما قال تعالى: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا﴾ [الأنبياء: ٥٨]، أي: حُطامًا، كسَّرها كلَّها ﴿إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٨] قيل: إنه وضعَ القَدُوم في يد الكبير، إشارة إلى أنَّه غارَ أن تُعبدَ معه هذه الصغار، فلما رجعُوا من عيدهم ووجدوا ما حلَّ بمعبودهم ﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٥٩].
_________________
(١) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٧/ ٧٨).
(٢) كذا في ب، وفي أ: من عيدهم.
[ ١ / ٢١٤ ]
وهذا فيه دليلٌ ظاهر لهم لو كانوا يعقلون، وهو ما حلَّ بآلهتهم التي كانوا يعبدُونها، فلو كانت آلهةً لدفعتْ عن أنفسها منْ أرادَها بسوء، لكنَّهم قالوا من جهلهم وقلَّة عقلهم، وكثرةِ ضلالهم وخَبَالهم ﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٥٩) قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء: ٥٩، ٦٠] أي: يذكرها بالعيب والتَّنقُّص لها والازدراء بها، فهو المقيم عليها والكاسرُ لها. وعلى قول ابن مسعود، أي: يذكرُهم بقوله: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ [الأنبياء: ٥٧] ﴿قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾ [الأنبياء: ٦١]، أي: في الملأ الأكبر على رؤوس الأشهاد، لعلَّهم يشهدونَ مقالتَه، ويسمعونَ كلامَه، ويُعاينون ما يحلُّ به من الاقتصاص منه.
وكان هذا أكثرَ مقاصدِ الخليل ﵇ أن يجتمعَ النَّاسُ كلُّهم، فيقيمَ على جميع عُبَّاد الأصنام الحجَّةَ على بُطلان ما هم عليه، كما قال موسى ﵇ لفرعون: ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾ [طه: ٥٩].
فلما اجتمعوا وجاؤوا به كما ذكروا ﴿قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَاإِبْرَاهِيمُ (٦٢) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٢، ٦٣] قيل: معناه هو الحامل لي على تكسيرها، وإنما عرَّضَ لهم في القول ﴿فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٣] وإنما أرادَ بقوله هذا أن يُبادروا إلى القول بأن هذه لا تنطقُ، فيعترفوا بأنَّها جمادٌ كسائرِ الجمادات ﴿فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٤] أي: فعادوا على أنفسهم بالملامة، فقالوا: إنكم أنتم الظالمون، أي: في تركها لا حافظَ لها، ولا حارسَ عندها ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ﴾ قال السُّدي: أي: ثم رجعوا إلى الفتنة فعلى هذا يكون قولهم ﴿إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ﴾ أي: في عبادتها. وقال قتادة: أدركتِ القومَ حيرةُ سوء، أي: فأطرقوا ثم قالوا: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٥] أي: لقد علمت يا إبراهيمُ أن هذه لا تنطقُ، فكيف تأمرُنا بسؤالها؛ فعندَ ذلك قال لهم الخليل ﵇: ﴿قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (٦٦) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٦، ٦٧] كما قال: ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ [الصافات: ٩٤] قال مجاهد: يُسرعون. قال: ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾ [الصافات: ٩٥] أي: كيف تعبدون أصنامًا أنتم تنحتونها من الخشب والحجارة، وتصوِّرونها وتُشكِّلونها كما تُريدون ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] وسواءٌ كانت ما مصدرية، أو بمعنى الذي، فمقتضى الكلام أنَكم مخلوقون، وهذه الأصنامُ مخلوقةٌ، فكيف يعبدُ مخلوقٌ لمخلوقٍ مثله؟ فإنه ليس عبادتكم لها بأولى من عبادتِها لكم. وهذا باطل، فالآخر باطل للتحكُّم، إذ ليست العبادة تصلحُ ولا تجبُ إلا للخالق وحده لا شريكَ له.
﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (٩٧) فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ﴾ [الصافات: ٩٧، ٩٨] عَدلُوا عن الجِدال والمناظرة لمَّا انقطعوا وغُلبوا، ولم تبقَ لهم حجَّة ولا شُبهة إلا استعمال قوَّتهم وسلطانهم،
[ ١ / ٢١٥ ]
لينصروا ما هم عليه من سَفَههم وطُغيانهم، فكادَهم الربُّ ﷻ، وأعلى كلمته ودينه وبرهانَه، كما قال تعالى: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٦٨) قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾ [الأنبياء: ٦٨ - ٧٠].
وذلك أنَّهم شرعوا يجمعون حَطبًا من جميع ما يمكنهم من الأماكن، فمكثُوا مدَّة يجمعون له، حتى أن المرأة منهم كان إذا مرضت تنذرُ لئن عُوفيت لتحملنَّ حطبًا لحريق إبراهيم. ثم عمدوا إلى جَوْبةً (^١) عظيمةً، فوضعوا فيها ذلك الحطبَ، وأطلقوا فيه النَّار، فاضْطَرمتْ وتأجَّجتْ والتهبتْ، وعلا لها شَرَرٌ لم يُرَ مثله قط.
ثم وضعوا إبراهيمَ ﵇ في كِفَّة مَنْجنيق (^٢)، صنعَه لهم رجلٌ من الأكراد (^٣)، ويُقال له: "هيزن"، وكان أَوَّلَ من صنعَ المجانيقَ، فخسفَ الله به الأرضَ فهو يتجلجلُ (^٤) فيها إلى يوم القيامة.
ثم أخذوا يُقيِّدونه ويُكَتِّفُونهُ، وهو يقول: لا إله إلا أنت سبحانك، لك الحمد، ولك الملك، لا شريكَ لك. فلما وُضعَ الخليلُ ﵇ في كِفَّة المَنْجنيق مُقيَّدًا مكتوفًا، ثم ألقَوه منه إلى النار، قال: حسبنا الله ونعم الوكيل. كما روى البخاريُّ (^٥): عن ابن عباس: أنه قال: حسبُنا اللّه ونعمَ الوكيل، قالها إبراهيمُ حين أُلقيَ في النَّار، وقالها محمَّد حين قيل له ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ [آل عمران: ١٧٣، ١٧٤] الآية.
وقال أبو يعلى: حَدَّثَنَا أبو هشام الرفاعي، حَدَّثَنَا إسحاق بن سليمان، عن أبي جعفر الرازي، عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال ﷺ: "لما ألقي إبراهيمُ في النَّار قال: اللَّهُمَّ إنك في السماء واحدٌ، وأنا في الأرض واحدٌ، أعبدُك" (^٦).
وذكر بعضُ السَّلف: أنَّ جبريل عرضَ له في الهواء، فقال: ألك حاجة؟ فقال: أمَّا إليكَ فلا (^٧).
_________________
(١) جَوْبة: الجَوْبة: هي الحفرة المستديرة الواسعة، وكلُّ مُنْفتق بلا بناءٍ جَوْبة. وبهامش ب: قال الجلال السيوطي في مختصر النهاية: وصارت المدينة مثل الجوبة، هي الحفرة الواسعة، وكل منفتق بلا بناء جوبة.
(٢) مَنْجنيق: بفتح الميم وكسرها: آلة قديمة من آلات الحصار، تُرمى بها حجارة ثقيلة على الأسوار فتهدمها.
(٣) انظر تفسير الطبري (٩/ ٤٢).
(٤) يتجلجلُ: يغوص في الأرض حين يُخسف به، والجلجلة: حركة مع صوت.
(٥) أخرجه البخاري (٤٥٦٣) في التفسير.
(٦) وأخرجه أبو نعيم في الحلية (١/ ١٩)، والبزار كما في كشف الأستار (٢٣٤٩) وفي سنده عاصم بن أبي النجود، وهو عاصم بن بهدلة، وهو صدوق له أوهام. حجة في القراءة، وحديثه في الصحيحين مقرون.
(٧) أخرجه أبو نعيم في الحلية (١/ ٢٠) من قول مقاتل وسعيد، وهذا من الإسرائيليات، من رواية كعب الأحبار، وهو غير صحيح، ومخالف لما رواه البخاري كما تقدم قبل قليل.
[ ١ / ٢١٦ ]
ويُروى عن ابن عبَّاس وسعيد بن جُبَيْر: أنَّه قال: جعل ملَكُ المَطر يقولُ: متى أُومرُ فأُرسِلُ المَطَرَ؟ فكانَ أمرُ اللّه أسرع (^١).
﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩] قال عليُّ بن أبي طالب: أي: لا تضرّيه (^٢).
وقال ابن عباس وأبو العالية: لولا أن اللّه قال ﴿وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ لأذى إبراهيم بردُها.
وقال كعبُ الأحبار: لم ينتفعْ أهلُ الأرض يومئذٍ بنارٍ، ولم يُحْرقْ منه سوى وَثَاقه (^٣).
وقال الضحاك: يروى أنَّ جبريل ﵇ كان معه يمسحُ العرقَ عن وجههِ لم يصبْه منها شيءٌ غيره (^٤).
وقال السُّدّي: كان معه أيضًا مَلَكُ الظِّل (^٥).
وصارَ إبراهيمُ ﵇ في مثل الجُوبة حولَه النار، وهو في روضةٍ خضراءَ، والنَّاسُ ينظرون إليه لا يَقْدرونَ إلى الوصول إليه، ولا هو يخرجُ إليهم، فعن أبي هريرة أنه قال: أحسنُ كلمةٍ قالها أبو إبراهيم إذ قال لما رأى ولده على تلك الحال: نعمَ الربُّ ربُّك يا إبراهيمَ (^٦).
وروى ابن عساكر عن عكرمة، أنَّ أمَّ إبراهيم نظرتْ إلى ابنها ﵇، فنادته: يا بُنيَّ إنِّي أُريد أن أجيءَ إليكَ، فادعُ اللّهَ أنْ يُنجيَني من حرِّ النَّارِ حولك. فقال: نعم، فأقبلتْ إليه لا يمسُّها شيءٌ من حرِّ النَّار، فلما وصلتْ إليه اعتنقتْه وقبَّلته، ثم عادت (^٧).
وعن المِنْهال بن عمرو أنَّه قال: أخبرتُ أنَّ إبراهيم مكثَ هناكَ إمَّا أربعين وإما خمسينَ يومًا، وأنَّه قال: ما كنتُ أيامًا ولياليَ أطيبَ عيشًا، إذ كنتُ فيها، وددتُ أنَّ عيشي وحياتي كلَّها مثل إذ كنت فيها (^٨)، صلوات اللّه وسلامه عليه.
فأرادوا أن ينتصروا فخذلُوا، وأرادوا أن يرتفعوا فاتَّضعُوا، وأرادوا أن يَغْلبُوا فغُلبوا. قال اللّه تعالى: ﴿وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٠] وفي الآية الأخرى ﴿الْأَسْفَلِينَ﴾ [الصافات: ٩٨]
_________________
(١) تفسير الطبري (٩/ ٤٣).
(٢) المصدر السابق (٩/ ٤٣).
(٣) المصدر السابق (٩/ ٤٣).
(٤) ذكره السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٦٤٠).
(٥) المصدر السابق (٥/ ٦٤٠).
(٦) أخرجه ابن جرير في التفسير (٩/ ٤٣).
(٧) أخرجه ابن عساكر في تاريخه (٢/ ١٤٥) تهذيب.
(٨) أخرجه ابن جرير الطبري في التفسير (٩/ ٤٣).
[ ١ / ٢١٧ ]
ففازوا بالخسارة والسفال هذا في الدنيا، وأما في الآخرة فإن نارهم لا تكون عليهم بردًا ولا سلامًا، ولا يلقون فيها تحية ولا سلامًا بل هي كما قال تعالى: ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ [الفرقان: ٦٦].
قال البخاري (^١): حَدَّثَنَا عبدُ اللّه بن موسى - أو ابنُ سلام عنه - أنبأنا ابنُ جريج، عن عبدِ الحميدِ بن جُبَيْر، عن سعيدِ بن المُسَيِّب، عن أُمِّ شُرَيْك؛ أنَّ رسولَ اللّه ﷺ أمرَ بقتل الوَزَغِ، وقال: "كانَ ينفخُ على إبراهيم ﵇".
ورواه مسلم (^٢): من حديث ابن جُرَيْج.
وأخرجاه، والنسائي، وابن ماجة (^٣): من حديث سُفيان بن عُيَيْنة، كلاهما عن عبد الحميد بن جُبَيْر بن شَيْبَة به.
وقال أحمد (^٤): حَدَّثَنَا محمَّدُ بن بَكْر، حَدَّثَنَا ابن جُرَيْج، أخبرني عبدُ الله بن عبد الرحمن بن أبي أُميَّة، أن نافعًا مولى ابن عمر أخبرَه، أنَّ عائشةَ أخبرته، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "اقتلُوا الوَزغَ، فإنَّه كانَ ينفخُ النَّارَ على إبراهيم". قال: فكانتْ عائشةُ تقتلُهنَّ.
وقال أحمد (^٥): حَدَّثَنَا إسماعيلُ، حَدَّثَنَا أيُّوب، عن نافع؛ أنَّ امرأةً دخلتْ على عائشةَ، فإذا رمحٌ منصوبٌ، فقالت: ما هذا الرُّمحُ؟ فقالت: نقتلُ به الأوزاغ. ثمَّ حدَّثتْ عن رسول الله ﷺ أن إبراهيمَ لما أُلقي في النَّار، جعلتِ الدوابُّ كُلّها تُطفئ عنه إلا الوَزَغ، فإنَّه جعلَ ينفخُها عليه.
تفرَّد به أحمدُ من هذين الوجهين.
وقال أحمد (^٦): حَدَّثَنَا عفان، حَدَّثَنَا جريرُ، حَدَّثَنَا نافعُ، حدَّثتني سائبة (^٧) - مولاة الفاكِه بن المغيرة - قالت: دخلتُ على عائشةَ فرأيتُ في بيتها رُمحًا موضوعًا، فقلت: يا أُمَّ المؤمنينَ ما تصنعينَ بهذا الرُّمْحِ؟ قالت: هذا لهذه الأوزاغِ نقتلُهن به، فإنَّ رسولَ الله ﷺ حَدَّثَنَا أنَّ إبراهيمَ حين أُلقيَ في النَّار، لم يكنْ في الأرض دَابَّةٌ إلا تُطفئُ عنه النَّار، غيرَ الوَزغ كانَ ينفخُ عليه، فأمرنا رسولُ الله ﷺ بقتله.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٣٥٩) في الأنبياء، والوزغ: سامٌّ أبرص.
(٢) أخرجه مسلم (٢٢٣٧) (١٤٣) في السلام.
(٣) أخرجه البخاري (٣٣٥٩) في أحاديث الأنبياء، ومسلم (٢٢٣٧) (١٤٣) في السلام، والنسائي (٥/ ٢٠٩) في مناسك الحج، وابن ماجة (٣٢٢٨) في الصيد.
(٤) في المسند (٦/ ٢٠٠).
(٥) في المسند (٦/ ٢١٧).
(٦) في المسند (٦/ ٨٣)، وهو حديث حسن.
(٧) في أ: سمامة، وفي ب: شماسة، والتصحيح من المسند (٦/ ٨٣).
[ ١ / ٢١٨ ]
ورواه ابن ماجة (^١): عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يونس بن محمد، عن جرير بن حازم، به.
* * *