وهو هودُ بن شالخ بن أرفَخْشَذ بن سام بن نوح ﵇.
ويُقال: إن هودًا هو عابر بن شالخ بن أرفَخْشَذ بن سام بن نوح. ويُقال: هود بن عبد اللَّه بن رَباح بن الجارود بن عاد بن عَوْص بن إرم بن سام بن نوح ﵇. ذكرَه ابن جرير (^١).
وكان من قبيلة يُقال لهم: عاد بن عوص بن سام بن نوح، كانوا عربًا يسكنون الأحقاف، وهي جبال الرمل، وكانت باليمن بين عُمان وحضرموت بأرضٍ مُطلّةٍ على البحر، يقال لها: الشحر، واسم واديهم مغيث.
وكانوا كثيرًا ما يسكنون الخيام ذوات الأعمدة الضِّخام، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ [الفجر: ٦ - ٧] أي: عاد إرم، وهم عاد الأولى. وأما عادٌ الثانية فمتأخرة، كما سيأتي بيان ذلك في موضعه.
وأما عاد الأولى، فهم عاد ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾ [الفجر: ٧ - ٨] أي: مثل القبيلة. وقيل: مثل العمد. والصحيح الأول، كما بيَّناه في التفسير.
ومن زعمَ أنَّ إرمَ مدينةٌ تدور في الأرض، فتارةً في الشام، وتارةً في اليمن، وتارةً في الحجاز، وتارةً في غيرها، فقد أبعدَ النُّجْعةَ، وقال ما لا دليلَ عليه، ولا برهانَ يُعوَّلُ عليه، ولا مستندَ يُركنُ إليه.
وفي صحيح ابن حبَّان: عن أبي ذرٍّ، في حديثه الطويل في ذكر الأنبياء والمرسلين، قال فيه: "منهم أربعةٌ من العرب، هُودٌ، وصالحٌ، وشُعيب، ونَبيُّكَ يا أبا ذر" (^٢).
ويُقال: إن هُودًا ﵇ أوَّلُ من تكلَّم بالعربية، وزعمَ وهبُ بن مُنبِّه أنَّ أباه أوَّلُ من تكلَّم بها. وقال غيره: أوَّلُ من تكلَّم بها نوح. وقيل: آدمُ، وهو الأشبه. وقيل: غير ذلك، واللَّه أعلم.
ويُقال للعرب الذين كانوا قبل إسماعيل ﵇: العربُ العاربةُ، وهم قبائلُ كثيرةٌ منهم: عاد، وثمود، وجُرْهم، وطَسْم، وجَديس، وأميم، ومَدْين، وعِمْلاق، وعَبيل، وجَاسم، وقَحْطان، وبنو يقطن، وغيرهم.
_________________
(١) ذكره ابن جرير في التاريخ (١/ ٢١٦).
(٢) أخرجه ابن حبان (٩٤) موارد، وفي المجروحين (٣/ ١٢٩ - ١٣٠) والطبراني في الكبير (٢/ ١٦٥١). . وإسناده ضعيف جدًا، فيه إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني، كذاب، وقال الذهبي: أحد المتروكين.
[ ١ / ١٨٣ ]
وأما العرب المستعربة: فهم من ولد إسماعيل بن إبراهيم الخليل، وكان إسماعيلُ بن إبراهيم ﵉ أوَّلَ من تكلَّم بالعربية الفصيحة البليغة، وكان قد أخذَ كلامَ العرب من جُرْهم الذين نزلوا عند أُمِّه هاجرَ بالحرم، كما سيأتي بيانُه في موضعه إن شاء اللَّه تعالى، ولكنْ أنطقَه اللَّه بها في غاية الفَصاحة والبيان، وكذلك كان يتلفَّظُ بها رسولُ اللَّه ﷺ.
والمقصودُ أنَّ عادًا وهم عادٌ الأولى كانوا أوَّل من عبدَ الأصنام بعد الطُّوفان، وكانت أصنامُهم ثلاثة: صدًا، وصمودًا، وهرًا (^١). فبعثَ اللَّه فيهم أخاهم هودًا ﵇، فدعاهم إلى اللَّه، كما قال تعالى بعد ذكر قوم نوح، وما كان من أمرهم في سورة الأعراف: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٦٥) قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٦٦) قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٧) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ (٦٨) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٦٩) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧٠) قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٧١) فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ٦٥ - ٧٢].
وقال تعالى بعد ذكر قصة نوح في سورة هود: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ (٥٠) يَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٥١) وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (٥٢) قَالُوا يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (٥٣) إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٥٧) وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (٥٨) وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (٥٩) وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ (٦٠)﴾ [هود: ٥٠ - ٦٠]. وقال تعالى في سورة ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ بعد قصة قوم نوح: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (٣١) فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣٢) وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (٣٣) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (٣٤) أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا
_________________
(١) في تاريخ الطبري (١/ ٢١٦): صدَّاء، وصمود، والهباء. وفي إحدى النسخ المخطوطة: الهناء.
[ ١ / ١٨٤ ]
مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (٣٥) هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (٣٦) إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٣٧) إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ (٣٨) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (٣٩) قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ (٤٠) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٣١ - ٤١]. وقال تعالى في سورة الشعراء بعد قصة نوح أيضًا: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٢٤) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٢٥) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٢٦) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢٧) أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (١٢٨) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (١٢٩) وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (١٣٠) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٣١) وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ (١٣٢) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (١٣٣) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٣٤) إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣٥) قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ (١٣٦) إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (١٣٧) وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (١٣٨) فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٢٣ - ١٤٠].
وقال تعالى في سورة حَم السجدة ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (١٥) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [فصلت: ١٥ - ١٦] وقال تعالى في سورة الأحقاف: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٢١) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٢) قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (٢٣) فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأحقاف: ٢١ - ٢٥] وقال تعالى في الذاريات: ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (٤١) مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ [الذاريات: ٤١ - ٤٢] وقال تعالى في النجم: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى (٥٠) وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى (٥١) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى (٥٢) وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾ [النجم: ٥٠ - ٥٣] وقال تعالى في سورة اقتربت: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (١٨) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (١٩) تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (٢٠) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (٢١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٨ - ٢٢] وقال في الحاقة: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (٦) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (٧) فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٦ - ٨] وقال في سورة الفجر: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (٨) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (٩) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (١٠) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (١١) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (١٢) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (١٣) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ٦ - ١٤]. وقد تكلَّمنا على كلٍّ من هذه القصص في أماكنها من كتابنا التفسير، وللَّه الحمد والمنة.
وقد جرى ذكر عاد في سورة براءة، وإبراهيم، والفرقان، والعنكبوت، وفي سورة (ص)، وفي سورة (ق)، ولنذكر مضمون القِصَّة مجموعًا من هذه السياقات، مع ما يُضاف إلى ذلك من الأخبار.
[ ١ / ١٨٥ ]
وقد قدَّمنا أنهم أوَّل الأمم عبدوا الأصنامَ بعد الطُّوفان، وذلك بيِّنٌ في قوله لهم: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً﴾ [الأعراف: ٦٩]. أي: جعلهم أشدَّ أهل زمانهم في الخلقة والشِّدَّة والبطش. وقال في المؤمنون: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ [المؤمنون: ٣١] وهم قوم هود على الصحيح.
وزعم آخرون أنهم ثمود لقوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً﴾ [المؤمنون: ٤١] قالوا: وقوم صالح هم الذين أهلكوا بالصَّيْحة ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٦] وهذا الذي قالوه لا يمنعُ من اجتماع الصَّيْحة والرِّيح العاتية عليهم، كما سيأتي في قصَّة أهل مَدْين أصحاب الأيكة، فإنَّه اجتمعَ عليهم أنواعٌ من العقوبات، ثم لا خلافَ أن عادًا قبلَ ثمود.
والمقصودُ أنَّ عادًا كانوا عَربًا جُفاةً كافرين، عُتاة متمردين في عبادة الأصنام، فأرسلَ اللَّه فيهم رجلًا منهم يدعوهم إلى اللَّه، وإلى إفراده بالعبادة والإخلاص له، فكذَّبوه وخالفوه وتنقَّصوه، فأخذهم اللَّهُ أخذَ عزيز مقتدر، فلما أمرهم بعبادة اللَّه ورغَّبهم في طاعته واستغفاره، ووعدَهم على ذلك خيرَ الدنيا والآخرة وتوعَّدهم على مخالفة ذلك عقوبةَ الدنيا والآخرة: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ﴾ [الأعراف: ٦٦] أي: هذا الأمرُ الذي تدعونا إليه سَفهٌ بالنسبة إلى ما نحن عليه من عبادة هذه الأصنام التي يُرتجى منها النصرُ والرزقُ، ومع هذا نظنُّ أنَّكَ تكذبُ في دعواكَ أنَّ اللَّه أرسلكَ: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٦٧] أي: ليس الأمرُ كما تظنون ولا ما تعتقدون ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾ [الأعراف: ٦٨] والبلاغُ يستلزمُ عدمَ الكذب في أصل المُبلِّغ، وعدم الزيادة فيه والنقص منه، ويستلزمُ إبلاغه بعبارة فصيحة وجيزة جامعةٍ مانعة، لا لَبْسَ فيها ولا اختلافَ ولا اضطرابَ، وهو مع هذا البلاغ على هذه الصفة في غاية النُّصْح لقومه والشفقة عليهم، والحرص على هدايتهم، لا يبتغي منهم أجْرًا ولا يطلب منهم جُعْلًا، بل هو مخلصٌ للَّه ﷿ في الدعوة إليه والنصح لخلقه، لا يطلبُ أجرَه إلا من الذي أرسلَه، فإنَّ خير الدنيا والآخرة كله في يديه وأمره إليه، ولهذا قال: ﴿يَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [هود: ٥١] أي: ألكم عقل تُميِّزونَ به وتفهمونَ أني أدعوكم إلى الحقِّ المبين الذي تشهد به فِطَرُكم التي خُلقتم عليها وهو دينُ الحقِّ الذي بعثَ اللَّه به نوحًا، وأهلكَ من خالفَه من الخلق، وها أنا أدعوكُم إليه، ولا أسألُكم أجرًا عليه، بل أبتغي ذلك عند اللَّه مالكِ الضُّرِّ والنَّفْعِ، ولهذا قال مؤمنُ يس ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢١) وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس: ٢١ - ٢٢] وقال قوم هود له فيما قالوا: ﴿يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (٥٣) إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ [هود: ٥٣ - ٥٤] يقولون: ما جئتنا بخارقٍ يشهدُ لك بصدقِ ما جئت به وما نحن بالذين نتركُ عبادةَ أصنامنا عن مجرد قولك بلا دليل أقمتَه ولا برهان نصبتَه، وما نظنُّ إلا أنَّكَ مجنون فيما تزعمُه،
[ ١ / ١٨٦ ]
وعندنا إنما أصابَك هذا أنَّ بعضَ آلهتنا غضبَ عليك فأصابك في عَقْلك فاعتراكَ جنونٌ بسبب ذلك، وهو قولهم: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ﴾ [هود: ٥٤ - ٥٥] وهذا تحدّ منه لهم وتبرّؤ من آلهتم وتنقُّص منه لها، وبيان أنها لا تنفعُ شيئًا ولا تضرُّ، وإنها جمادٌ حكمُها حكمُه وفعلُها فعله، فإن كانت كما تزعمون من أنها تنصر وتنفع وتضرُّ، فها أنا بريء منها لا عنٌ لها فكيدوني ثم لا تنظرون. أنتم وهي جميعًا بجميع ما يُمكنكم أن تصلوا إليه وتقدروا عليه، ولا تُؤخِّروني ساعةً واحدةً ولا طَرْفة عين، فإني لا أُبالي بكم ولا أُفكِّرُ فيكم ولا أنظر إليكم ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٦] أي: أنا متوكِّلٌ على اللَّه ومتأيِّدٌ به، وواثق بجنابه الذي لا يضيعُ من لاذَ به واستندَ إليه، فلستُ أبالي مخلوقًا سواه، ولستُ أتوكَّل إلَّا عليه، ولا أعبدُ إلَّا إياه.
وهذا وحدهُ برهانٌ قاطعٌ على أن هودًا عبدَ اللَّه ورسولَه، وأنهم على جهل وضلال في عبادتِهم غير اللَّه، لأنهم لم يصلوا إليه بسوء ولا نالوا منه مكروهًا، فدلَّ على صدقه فيما جاءهم به وبطلان ما هم عليه وفساد ما ذهبوا إليه.
وهذا الدليل بعينه قد استدلَّ به نوحٌ ﵇ قبله في قوله: ﴿يَاقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ﴾ [يونس: ٧١].
وهكذا قال الخليلُ ﵇: ﴿وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٨٠) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨١) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢) وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ٨٠ - ٨٣].
﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (٣٣) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣ - ٣٤] استبعدوا أن يبعثَ اللَّه رسولًا بشريًا، وهذه الشبهةُ أدلى بها كثيرٌ من جهلة الكفرة قديمًا وحديثًا، كما قال تعالى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ﴾ [يونس: ٢] وقال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤) قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٤ - ٩٥] ولهذا قال لهم هود ﵇: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ﴾ [الأعراف: ١٦٣] أي: ليس هذا بعجيب فإن اللَّه أعلمُ حيث يجعلُ رسالاته (^١)،
_________________
(١) كذا في الأصل، وفي المطبوع رسالته.
[ ١ / ١٨٧ ]
وقوله ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (٣٥) هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (٣٦) إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٣٧) إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ (٣٨) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي﴾ [المؤمنون: ٣٥ - ٣٩]. استبعدوا المعاد وأنكروا قيامَ الأجساد بعد صيرورتها ترابًا وعظامًا، وقالوا: هيهات هيهات: أي: بعيدٌ بعيدٌ هذا الوعد، ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [المؤمنون: ٣٧] أي: يموت قومٌ ويحيى آخرون، وهذا هو اعتقاد الدهرية كما يقول بعضُ الجهلة من الزنادقة: أرحامٌ تدفعُ وأرضٌ تبلعُ.
وأما الدَّورية فهم الذين يعتقدون أنهم يعودونَ إلى هذه الدار بعد كلِّ ستة وثلاثين ألف سنة، وهذا كلُّه كذب وكفر وجَهْل وضلال، وأقوال باطلة، وخيال فاسد بلا برهان ولا دليل، يستميل عقل الفجرة الكفرة من بني آدم، الذين لا يعقلون ولا يهتدون، كما قال تعالى: ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ [الأنعام: ١١٣] وقال لهم فيما وعظهم به: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (١٢٨) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٨ - ١٢٩] يقول لهم: أتبنون بكلِّ مكان مرتفع بناءً عظيمًا هائلًا كالقصور ونحوها، تعبثون ببنائها، لأنه لا حاجةَ لكم فيه، وما ذاكَ إلا لأنهم كانوا يسكنون الخيامَ، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾ [الفجر: ٦ - ٨] فعادُ إرم هم (^١) عادٌ الأولى، الذين كانوا يسكنون الأعمدة التي تحملُ الخيام.
ومَنْ زعم أن إرم مدينة من ذهب وفِضَّة، وهي تنتقل في البلاد، فقد غلطَ وأخطأ، وقال ما لا دليلَ عليه، وقوله: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ﴾ [الشعراء: ١٢٩] قيل: هي القصور. وقيل: بروج الحمام. وقيل: مآخذ الحمام ﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٩] أي: رجاءً منكم أن تُعمَّروا في هذه الدار أعمارًا طويلة ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (١٣٠) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٣١) وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ (١٣٢) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (١٣٣) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٣٤) إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٣٠ - ١٣٥] وقالوا له مما قالوا: ﴿أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [الأعراف: ٧٠] أي: أجِئْتنا لنعبدَ اللَّه وحدَه ونخالفَ آباءَنا وأسلافنا وما كانوا عليه، فإن كنتَ صادقًا فيما جئتَ به فأتنا بما تَعدُنا من العذاب والنَّكال، فإنَّا لا نُؤمنُ بك ولا نتبعكَ ولا نُصدِّقك، كما قالوا ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ (١٣٦) إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (١٣٧) وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٦ - ١٣٨] إمَّا على قراءة فتح الخاء، فالمراد به اختلاق الأولين، أي: إن هذا الذي جئتَ به إلا اختلاقٌ منك وأخذتَه من كتب الأوَّلين. هكذا فسَّره غير واحد من الصحابة والتابعين. وإمَّا على قراءة الخاء واللام، فالمراد به الدِّين، أي: إن هذا الدِّين الذي نحن عليه إلا دين الآباء والأجداد من أسلافنا، ولن نتحوَّلَ عنه، ولا نتغيَّرَ، ولا نزالُ مُتمسِّكين به. ويُناسب كلا القراءتين الأولى والثانية قولهم: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٨] قال: ﴿قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ
_________________
(١) في أ: هو.
[ ١ / ١٨٨ ]
رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ [الأعراف: ٧١] أي: قد استحققتم (^١) بهذه المقالة الرجسَ والغضبَ من اللَّه، أتعارضون عبادةَ اللَّه وحدَه لا شريكَ له بعبادة أصنام أنتم نحتُموها وسمَّيتمُوها آلهة من تلقاء أنفسكم، اصطلحتم عليها أنتم وآباؤكم، ما نزَّل اللَّه بها من سلطان، أي: لم يُنْزلْ على ما ذهبتم إليه دليلًا ولا بُرهانًا، وإذا أبيتم قَبُولَ الحقِّ وتمادَيتم في الباطل، وسواء عليكم أنهيتكم عما أنتم فيه أم لا فانتظروا الآن عذابَ اللَّه الواقع بكم، وبأسه الذي لا يُرِدُّ، ونَكَاله الذي لا يُصدّ، وقال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (٣٩) قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ (٤٠) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٣٩ - ٤١] وقال تعالى: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٢) قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (٢٣) فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٢ - ٢٥] وقد ذكرَ اللَّه تعالى خبرَ إهلاكهم في غيو ما آية، كما تقدَّم مجملًا ومفصَّلًا، كقوله: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ٧٢] وكقوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (٥٨) وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (٥٩) وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُود﴾ [هود: ٥٨ - ٦٠]. وكقوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٤١] وقال تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٣٩ - ١٤٠].
وأما تفصيل إهلاكهم، فكما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الأحقاف: ٢٤] كان هذا أول ما ابتدأهم العذاب أنهم كانوا ممحلين مسنتين (^٢)، فطلبوا السُّقيا، فرأوا عارضًا (^٣) في السماء وظنُّوه سقيا رحمة، فإذا هو سقيا عذاب، ولهذا قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ﴾ [الأحقاف: ٢٤] أي: من وقوع العذاب، وهو قولهم: ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٢] ومثلها في الأعراف.
وقد ذكرَ المفسرون وغيرُهم هاهنا الخبرَ الذي ذكره الإمام محمد بن إسحاق بن يسار، قال: فلما أبوا إلا الكفرَ باللَّه ﷿ أمسكَ عنهم القَطْر (^٤) ثلاثَ سنين، حتى جَهدَهم ذلك، قال: وكانَ النَّاسُ إذا
_________________
(١) في أ: استحقيتم.
(٢) ممحلين مسنتين: أصابهم الجدب والقحط.
(٣) عارضًا: سحابًا.
(٤) كذا في الأصل، وفي المطبوع: المطر.
[ ١ / ١٨٩ ]
جَهَدهم أمرٌ في ذلك الزمان، فطلبوا من اللَّه الفرجَ منه، إنما يطلبونَه بحرمِهِ ومكانِ بيته، وكان معروفًا عند أهل ذلك الزمان، وبه العماليق مقيمون، وهم من سلالة عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح، وكانَ سيدهم إذ ذاك رجلًا يُقال له معاوية بن بَكْر، وكانت أمُّه من قوم عاد، واسمها جلهدة ابنة الخيبري. قال: فبعثَ عادٌ وفدًا قريبًا من سبعينَ رجلًا ليستسقوا لهم عند الحرم، فمَرُّوا بمعاوية بن بكر بظاهر مكَّة، فنزلوا عليه، فأقاموا عنده شهرًا يشربون الخمرَ، وتُغنيهم الجرَادَتان -قَيْنتان لمعاوية- وكانوا قد وصلوا إليه في شهر. فلمَّا طالَ مقامُهم عندَه وأخذته شفقةٌ على قومِه، واستحيا منهم أن يأمرهم بالانصراف، عمِلَ شعرًا، فعرَّض (^١) لهم بالانصراف، وأمرَ القينتين أن تغنِّيهم به، فقال: [من الوافر]
ألا يا قيلُ ويحك قمْ فهَيْنمْ … لعلّ اللَّه يُصبحنا غَمامًا (^٢)
فيسقي أرضَ عادٍ إنَّ عَادا … قد امسوا لا يُبْينُونَ الكَلاما
مِن العَطَشِ الشديدِ فليسَ نرجو … به الشيخَ الكبيرَ ولا الغُلاما
وقد كانتْ نساؤُهمُ بخيرٍ … فقد أمستْ نساؤهمُ عَيامَى (^٣)
وإنَّ الوحشَ تأتيهم جهارًا … ولا يخشى لعاديٍّ سهاما
وأنتم هاهنا فيما اشتهيتم … نهارَكُمُ وليلَكُمُ التماما
فقُبِّحَ وفدُكم من وَفْدِ قومٍ … ولا لقُّوا التَّحيّةَ والسَّلاما
قال: فعندَ ذلكَ تنبِّه القومُ لما جاؤوا له، فنَهضوا إلى الحرَم ودَعَوا لقومِهم، فدعا داعيهم، وهو قيْل بن عتر، فأنشأ اللَّه سحاباتٍ ثلاثًا: بيضاء، وحمراء، وسوداء، ثم ناداه مُنادٍ من السماء: اخترْ لنفسك ولقومِك من هذا السحاب. فقال: اخترتُ السَّحابة السَّوْداءَ، فإنها أكثرُ السَّحاب ماءً، فناداه: اخترتَ رمادًا رِمْددًا لا تُبقي من عاد أحدًا، لا والدًا تتركُ ولا ولدًا، إلا جعلته هَمِدًا، إلا بني اللُّوذية المُهْدَى (^٤). قال: وهو بطنٌ من عاب كانوا مقيمينَ بمكَّة، فلم يُصبهم ما أصابَ قومَهم. قال: ومَنْ بقي من أنسالهم وأعقابهم هم عاد الآخرة.
قال: وساق اللَّه السَّحابة السَّوداءَ التي اختارَها قَيْلُ بن عتر بما فيها من النقمة إلى عاد، حتى تخرجَ عليهم من واد يقال له المغيث، فلما رأوْها استبشروا، وقالوا: هذا عارض ممطرنا، فيقول تعالى: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الأحقاف: ٢٤ - ٢٥] أي: كل شيءٍ أمرت به.
_________________
(١) في المطبوع: فيعرض.
(٢) فهينم: من الهينمة، وهي الكلام الخفي. وفي تاريخ الطبري: يسقينا غمامًا، وفي المطبوع: يمنحنا.
(٣) كذا في الأصل وتاريخ الطبري، وفي المطبوع: أياما. وعَيَامى: جمع عيمى، وهي المرأة التي مات عنها زوجها ولا مال لها.
(٤) في المطبوع: الهمدا.
[ ١ / ١٩٠ ]
فكان أوَّل من أبصر ما فيها وعرفَ أنها ريحٌ -فيما يذكرون- امرأةٌ من عاد يُقال لها "قهد" (^١) فلما تبيَّنت ما فيها صاحتْ ثم صعِقَتْ، فلمَّا أفاقت، قالوا: ما رأيت يا قهد؟ قالت: رأيتُ ريحًا فيها كشُهُبِ النَّار أمامَها رجال يَقُودونها، فسخَّرها اللَّه عليهم سبعَ ليالٍ وثمانيةَ أيَّام حسومًا، والحسوم: الدائمة. فلم تدعْ من عاد أحدًا إلا هلكَ.
قال: واعتزلَ هودٌ ﵇ فيما ذُكر لي في حظيرةٍ هو ومن معه من المؤمنينَ، ما يُصيبهم إلا ما يلين عليهم الجلود وتلتذ الأنفسُ، وإنها لتمرُّ على عاد بالظعن فيما بين السماء والأرض، وتدمغُهم بالحجارة، وذكر تمامَ القصة (^٢).
وقد روى الإمام أحمد حديثًا في مسنده يُشبه هذه القِصَّة، فقال (^٣): حدَّثنا زيدُ بن الحُبَاب، حدَّثني أبو المنذر سَلَّامُ بن سُليمان النَّحْوي، حدَّثنا عاصمُ بن أبي النَّجُود، عن أبي وائل، عن الحارث -وهو ابن حسَّان، ويقال: ابن يزيد البَكْري- قال: خرجتُ أشكو العلاءَ بن الحضرمي إلى رسول اللَّه ﷺ، فمررتُ بالرَّبَذة، فإذا عجوزٌ من بني تميم منقطَعٌ بها، فقالت لي: يا عبد اللَّه! إن لي إلى رسول اللَّه ﷺ حاجةً، فهل أنت مُبْلغي إليه؟ قال: فحملتُها، فأتيتُ المدينةَ، فإذا المسجدُ غاصٌّ بأَهلِه، وإذا رايةٌ سوداءُ تَخْفقُ، وإذا بلالٌ مُتقلِّدٌ السيفَ بينَ يديْ رسول اللَّه ﷺ، فقلتُ: ما شأنُ الناس؟ قالوا: يُريدُ أن يبعثَ عمرو بن العاص وَجْهًا. قال: فجلست.
قال: فدخلَ منزله -أو قال: رَحْله- فاستأذنتُ عليه، فأُذنَ لي، فدخلتُ، فسلَّمتُ، فقال: "هل كانَ بينكم وبينَ بني تميم شيٌ؟ " فقلت: نعم، وكانت لنا الدائرة عليهم، ومررتُ بعجوزٍ من بني تميم منقطَع بها، فسألتني أن أحملَها إليكَ، وها هي بالباب، فأذنَ لها فدخلتْ، فقلت: يا رسول اللَّه! إن رأيتَ أن تجعلَ بيننا وبين بني تميم حاجزًا، فاجعل الدهناء، فإنَّها كانت لنا. قال: فحميتِ العجوزُ واستوفزتْ، وقالت: يا رسول اللَّه! فإلى أين تضطر مضرك؟ قال: فقلتُ: إن مثلي ما قال الأول: مِعْزى حملتْ حتفَها، حملتُ هذه الأمَة ولا أشعرُ أنها كانت لي خصمًا، أعوذُ باللَّه ورسوله أن أكونَ كوافد عادٍ. قال: "هيه، وما وافدُ عاد؟ " وهو أعلم بالحديث مني، ولكن يستطعمه.
قلت: إن عادًا قُحطوا فبعثوا وفدًا لهم يُقال له: قَيْل، فمرَّ بمعاوية بن بكر، فأقام عندَه شهرًا يَسقيه الخمرَ، وتُغنِّيه جاريتان يُقال لهما: الجرادتان، فلما مضى الشهرُ خرجَ إلى جبال تِهامةَ (^٤)، فقال: اللَّهمَّ إنَّك تعلمُ أنِّي لم أجئ إلى مريض فأداويه، ولا إلى أسير فأفاديه، اللهم اسقِ عادًا ما كنتَ تسقيه،
_________________
(١) في تاريخ الطبري: مَهْدد.
(٢) انظر القصة في تاريخ الطبري كاملة (١/ ٢١٩ - ٢٢٢).
(٣) في المسند (٣/ ٤٨٢).
(٤) في الأصل: إلى جبال مهرة، وأثبت ما في المسند.
[ ١ / ١٩١ ]
فمرَّتْ به سحاباتٌ سُودٌ، فنُودي منها: اخترْ. فأومأ إلى سحابةٍ منها سوداءَ، فنُودي منها: خذها رمادًا رَمْددًا، لا تُبقي من عادٍ أحدًا. قال: فما بلغني أنه بُعث عليهم من الرِّيح إلا كَقَدْر ما يَجري في خَاتمي هذا من الرِّيح حتَّى هلكُوا. قال أبو وائل: وصدق، وكانت المرأة والرجل إذا بعثوا وافدًا لهم قالوا: لا تكن كوافد (^١) عاد.
وهكذا رواه الترمذي (^٢): عن عبد بن حميد، عن زيد بن الحُباب به. ورواه النسائي (^٣): من حديث سلَّام أبي المنذر، عن عاصم بن بَهْدلة، ومن طريقه رواه ابن ماجه.
وهكذا أوردَ هذا الحديثَ وهذه القِصَّة عند تفسير هذه القصة غيرُ واحد من المُفسِّرين: كابن جرير (^٤) وغيره.
وقد يكونُ هذا السِّياق لإهلاك عاد الآخرة، فإن فيما ذكرَه ابنُ إسحاف وغيرُه ذكرًا لمكَّةَ، ولم تُبنَ إلا بعد إبراهيم الخليل حينَ أسكنَ فيها هاجرَ وابنَه إسماعيل، ونزلت جرهُم عندَهم كما سيأتي، وعادٌ الأولى قبلَ الخليل، وفيه: ذِكر معاوية بن بكر وشعره، وهو من الشعر المتأخِّر عن زمان عادٍ الأولى، لا يُشبه كلامَ المتقدِّمين، وفيه: أن في تلك السحابة شررَ نارٍ، وعادٌ الأولى إنما أُهلكوا بريح صرصر (^٥).
وقد قال ابن مسعود وابن عباس وغير واحد من أئمة التابعين: هي الباردةُ والعاتية الشديدة الهبوب: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة: ٧] أي: كوامل متتابعات. قيل: كان أولها الجمعة، وقيل: الأربعاء ﴿فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧] شبَّههم بأعجاز النخل التي لا رؤوس لها، وذلك لأن الريحَ كانت تجيءُ إلى أحدهم فتحمله فترفعه في الهواء ثم تنكسه على أم رأسه فتشدخه، فيبقى جثَّةً بلا رأس، كما قال ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ [القمر: ١٩] أي: في يوم نحس عليهم، مستمر عذابه عليهم ﴿تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠] ومن قال: إن اليوم النحس المستمر هو يوم الأربعاء وتشاءم به فهذا إليهم (^٦)، فقد أخطأ وخالفَ القرآن فإنه قال في الآية الأخرى ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾ [فصلت: ١٦] ومعلوم أنها ثمانية أيام متتابعات، فلو كانت نحسات في أنفسها لكانت جميع الأيام السبعة المندرجة في الثمانية مشؤومة، وهذا
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند (٣/ ٤٨٢) رقم (١٥٨٩٦) وهو حديث حسن.
(٢) أخرجه الترمذي (٣٢٧٤) في التفسير وهو حديث حسن.
(٣) أخرجه النسائي في السنن الكبرى (٨٦٠٧) وابن ماجه (٢٨١٦) في الجهاد وهو حديث حسن.
(٤) انظر تفسير ابن جرير الطبري (٧/ ٦٧) والدر المنثور (٤/ ٤٤٢) وتفسير ابن كثير (٢/ ٥٥٩).
(٥) الريح الصرصر: هي الريح الباردة الشديدة.
(٦) كذا في الأصل، وفي المطبوع: لهذا الفهم، وما يذكر عن التشاؤم بيوم الأربعاء، فهو غير صحيح.
[ ١ / ١٩٢ ]
لا يقولُه أحدٌ، وإنما المراد في أيام نحسات، أي: عليهم. وقال تعالى: ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ [الذاريات: ٤١] أي: التي لا تنتج خيرًا، فإن الريحَ المفردة لا تثير سحابًا ولا تلقح شجرًا، بل هي عقيم لا نتيجةَ خيرٍ لها، ولهذا قال: ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ [الذاريات: ٤٢] أي: كالشيء البالي الفاني، الذي لا يُنتفع به بالكلية.
وقد ثبتَ في الصحيحين: من حديث شعبة، عن الحكم، عن مجاهد عن ابن عباس، عن رسول اللَّه ﷺ؛ أنه قال: "نُصِرْتُ بالصَّبا، وأُهلكتْ عادٌ بالدَّبُور" (^١).
وأما قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٢١] فالظاهرُ أن عادًا هذه هي عادٌ الأولى، فإن سياقَها شبيهٌ بسياق قوم هود وهم الأولى، ويحتمل أن يكونَ المذكورون في هذه القصة هم عاد الثانية، ويدلُّ عليه ما ذكرنا، وما سيأتي من الحديث (^٢) عن عائشة ﵂. وأما قوله: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف: ٢٤] فإن عادًا لما رأوا هذا العارض وهو الناشئ في الجوِّ كالسحاب ظنُّوه سحابَ مطرٍ، فإذا هو سحابُ عذابٍ اعتقدوه رحمةً، فإذا هو نقمةٌ، رجوا فيه الخير، فنالوا منه غايةَ الشر، قال اللَّه تعالى: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ﴾ [الاحقاف: ٢٤]. أي: من العذاب، ثم فسَّره بقوله: ﴿رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الأحقاف: ٢٤] يحتمل أن ذلك العذاب هو ما أصابهم من الريح الصرصر العاتية الباردة الشديدة الهبوب، التي استمرت عليهم سبع ليال بأيامها الثمانية، فلم تُبْق منهم أحدًا، بل تتبَّعتهم حتى كانت تدخلُ عليهم كهوفَ الجبال والغيران (^٣)، فتلفُّهم وتخرجهم وتهلكهم، وتُدمِّر عليهم البيوتَ المحكمة والقصورَ المشيَّدة، فكما مُنوا بقوتهم وشدتهم، قالوا: من أشدُّ منا قوة؟ سلَّط اللَّه عليهم الذي هو أشد منهم قوَّةً وأقدر عليهم، وهو الريح العقيم.
ويحتمل أن هذه الريح أثارتْ في آخر الأمر سحابةً ظنَّ منْ بقيَ منهم أنها سحابة فيها رحمة بهم، وغياث لمن بقيَ منهم، فأرسلَها اللَّه عليهم شررًا ونارًا، كما ذكره غير واحد، ويكون هذا كما أصابَ أصحابَ الظُّلَّة من أهل مدينَ، وجمع لهم بين الرياح الباردة وعذاب النار، وهو أشدُّ ما يكون من العذاب بالأشياء المختلفة المتضادَّة، مع الصيحة التي ذكرَها في سورة ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ واللَّه أعلم.
وقد قال ابنُ أبي حاتم: حدَّثنا أبي، حدَّثنا محمد بن يحيى بن الضريس، حدَّثنا ابن فضيل، عن مسلم، عن مجاهد، عن ابن عمر، قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "ما فتحَ اللَّه على عادٍ من الريح التي
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٠٣٥) في الاستسقاء، ومسلم (٩٠٠) في صلاة الاستسقاء.
(٢) انظر حديث عائشة ﵂ في ص ١٩٤.
(٣) الغيران: المغاور، جمع مغارة.
[ ١ / ١٩٣ ]
أهلكوا بها إلا مثل موضع الخاتم، فمرَّتْ بأهل البادية فحملتْهم ومواشيَهم وأموالَهم بين السماء والأرض، فلما رأى ذلك أهلُ الحاضرة من عاد الريحَ وما فيها ﴿قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف: ٢٤] فألقتْ أهل الباديةِ ومواشيَهم على أهل الحاضرة".
وقد رواه الطبراني (^١): عن عبدان بن أحمد، عن إسماعيل بن زكريا الكوفي، عن أبي مالك، عن مسلم الملائي، عن مجاهد وسعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "ما فتحَ اللَّه على عادٍ من الريح إلا مثل موضعِ الخاتم، ثم أرسلتْ عليهم البدوَ إلى الحضَر، فلما رآها أهلُ الحَضَر، قالوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ مستقبل أوديتنا، وكان أهل البوادي فيها، فألقي أهلُ البادية على أهل الحاضرة حتى هلكوا". قال: عَتتْ على خُزَّانها حتى خرجتْ من خِلال الأبواب (^٢). قلت: وقال غيره: خرجت بغير حساب.
والمقصودُ أن هذا الحديث في رفعه نظرٌ. ثم قد اختلف فيه على مسلم الملائي، وفيه نوع اضطراب، واللَّه أعلم.
وظاهرُ الآية أنهم رأوا عارضًا، والمفهوم منه لمعة السحاب، كما دلَّ عليه حديث الحارث بن حسَّان البكري إن جعلناه مفسرًا لهذه القصة.
وأصرحُ منه في ذلك ما رواه مسلم في صحيحه حيث قال: حدَّثنا أبو الطاهر، حدَّثنا ابنُ وهب، سمعتُ ابنَ جريج، يُحدِّثنا، عن عطاء بن أبي رباح، عن عائشة ﵂، قالت: كان رسول اللَّه ﷺ إذا عصفتِ الريحُ قال: "اللهمَّ إني أسألُك خيرها وخير ما فيها وخيرَ ما أُرسلَتْ به، وأعوذُ بكَ من شرِّها وشرِّ ما فيها وشرِّ ما أُرسلتْ به"؟ قالت: وإذا عَبَبت (^٣) السَّماءُ تَغيَّرَ لونُه وخرجَ ودخلَ، وأقبلَ وأدبرَ، فإذا أمطرتْ سُرِّي عنه، فعرفتْ ذلكَ عائشةُ فسألتْه، فقال: "لعلَّه يا عائشةُ كما قال قوم عاد ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف: ٢٤] " (^٤).
ورواه التِّرْمذيُّ والنسائيُّ وابنُ ماجه (^٥)، من حديث ابن جريج.
_________________
(١) وأخرجه الطبراني كما في مجمع الزوائد (٧/ ١١٣) عن ابن عمر وفيه مسلم الملائي؛ ضعيف، وفيه: ابن فضيل، بعضهم لا يحتج به. انظر المغني في الضعفاء (٢/ ٦٢٤).
(٢) أخرجه الطبراني (١٢٤١٦) في الكبير، وذكره الهيثمي في المجمع (٧/ ١١٣) وقال: فيه مسلم الملائي، وهو ضعيف.
(٣) في صحيح مسلم (تخيَّلت) أي يخيل إليه أنها ماطرة.
(٤) أخرجه مسلم (٨٩٩) في صلاة الاستسقاء.
(٥) أخرجه الترمذي (٣٤٤٩) في الدعوات. وقال: حديث حسن، والنسائي (٩٤٠) في عمل اليوم والليلة، والبيهقي (٣/ ٣٦٠) في السنن الكبرى.
[ ١ / ١٩٤ ]
طريق أخرى: قال الإمام أحمد: حدَّثنا هارون بن معروف، أنبأنا عبد اللَّه بن وهب، أنبأنا عمرو -هو ابن الحارث- أن أبا النضر حدَّثه عن سليمان بن يسار، عن عائشة؛ أنها قالت: ما رأيتُ رسول اللَّه ﷺ: مستجمعًا ضاحكًا قطُّ حتى أرى منه لهواتِه، إنما كان يَتَبَسَّمُ. وقالت: كان إذا رأى غيمًا أو ريحًا عُرفَ ذلك في وجهه. قالت: يا رسولَ اللَّه! الناسُ إذا رأوا الغيمَ فَرِحوا رجاءَ أن يكونَ فيه المطرُ، وأراكَ إذا رأيتَه عُرفَ في وجهكَ الكراهية؟ فقال: "يا عائشة! ما يؤمنني أن يكون فيه عذاب، قد عُذِّبَ قومُ نوحٍ بالريح، وقد رأى قومٌ العذابَ" فقالوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ (^١).
فهذا الحديثُ كالصريح في تغاير القِصَّتين كما أشرنا إليه أولًا، فعلى هذا تكون القِصَّة المذكورة في سورة الأحقاف خبرًا عن قوم عاد الثانية، وتكون بقيَّةُ السياقات في القرآن خبرًا عن عادٍ الأولى، واللَّه أعلم بالصواب.
وهكذا رواه مسلم (^٢) عن هارون بن معروف، وأخرجه البخاري وأبو داود (^٣) من حديث ابن وهب.
وقد قدمنا حجَّ هودٍ ﵇ عند ذكر حجِّ نوح ﵇.
ورُوي عن أميرِ المؤمنين عليّ بن أبي طالب أنه ذكرَ صفةَ قبر هُودٍ ﵇ في بلاد اليمن.
وذكرَ آخرون أنه بدمشقَ، وبجامِعها مكانٌ في حائطِه القِبْليّ يزعمُ بعضُ النَّاس أنَّه قبرُ هودٍ ﵇، واللَّه أعلم.
* * *
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند (٦/ ٦٦) رقم (٢٤٢٥٠).
(٢) أخرجه مسلم (٨٩٩) (١٦) في صلاة الاستسقاء.
(٣) أخرجه البخإري (٤٨٢٨ و٤٨٢٩) في التفسير، وأبو داود (٥٠٩٨) في الأدب.
[ ١ / ١٩٥ ]