فَرَوى ابن جرير (^٣) من طريق جويبر -وهو ضعيف- عن الحسن البصري أنَّه كان يقول: الكرسي هو العَرش. وهذا لا يصح عن الحَسَن، بل الصحيحُ عنه وعن غيره من الصحابة والتابعين أنه غيره.
وعن ابن عباس وسعيد بن جبير أنَّهما قالا في قوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥]؛ أي علمه (^٤).
_________________
(١) أبو داود في سننه (٤٧٢٧) في السنة، وإسناده حسن. وانظر جامع الأصول (٤/ ١٩).
(٢) زاد في ب: وقال محمد بن أبي شيبة: حدَّثنا يوسف بن يعقوب الصفّار، حدَّثنا ابن أبي فُديك، عن عبد الرحمن بن عبد المجيد، عن هشام بن الغاز، عن مكحول، عن أنس بن مالك أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: "من قال حين يُصبح وحين يُمسي: اللهمَّ إني أصبحت؛ أشهدك وأُشهد ملائكتك وحملة عرشك، وجميع خلقك؛ بأنَّك أنت اللَّه لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، وأنَّ محمدًا عبدك ورسولك. أعتق اللَّه ربعه من النار. فإن قالها أربع مرات أعتقه اللَّه من النار". طريق أخرى، عن صحابي آخر: قال ابن أبي شيبة أيضًا: حدَّثنا عبيد بن يعيش، حدَّثنا ابن خباب، حدّثنا حميد مولى ابن علقمة المكي، حدّثنا عطاء بن أبي رباح، عن أبي هريرة، حدَّثني سلمان بن الإسلام قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "من قال: اللهمَّ إني أُشهدك وأُشهد ملائكتك وحملة العرش والسماوات ومن فيهنّ والأرضين، وأشهد جميع خلقك؛ بأنَّك أنت اللَّه، وأكفّر من أبى ذاك من الأولين والآخرين، وأشهد أنَّ محمدًا عبدُك ورسولك. من قالها مرة أعتق اللَّه ثلثه من النار، ومن قالها مرتين أعتق اللَّه ثلثيه، ومن قالها ثلاثًا أعتقه اللَّه من النار". طريق أخرى، عن صحابي آخر: قال ابن أبي شيبة: حدَّثنا عبد اللَّه ويحيى بن الربيع بن أبي راشد حدَّثنا محمود بن عطية، عن أبيه، عن أبي سعيد، أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: "ما من عبد يقول أربع مرات اللهمَّ إني أُشهدك -وكفى بك شهيدًا- وأُشهد حملة عرشك وملائكتك وجميع خلقك، وأنا أشهد أن لا إلَه إلا أنت وحدك لا شريك لك، وأنَّ محمدًا عبدك ورسولك. إلا كتب اللَّه له فكاكه من النار" وهذه الروايات أسانيدها ضعيفة.
(٣) في تفسيره، في تفسير قوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥] (٣/ ٨).
(٤) المصدر السابق (٣/ ٧) وفيه كثير من الآراء التي سيذكرها المؤلف هنا.
[ ١ / ٢٣ ]
والمحفوظ عن ابن عباس، كما رواه (^١) الحاكم في "مستدركه" (^٢) -وقال: إنَّه على شرط الشيخين، ولم يخرجاه- من طريق سفيان الثوري، عن عمار الدُّهْني (^٣)، عن مسلم البَطين (^٤)، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس (^٥) أنه قال: الكرسي موضع القدمين (^٦)، والعرش لا يقدر قدره إلا اللَّهُ ﷿ (^٧). وقد رواه شجاع بن مخلد الفلَّاس (^٨) في "تفسيره" عن أبي عاصم النبيل، عن الثوري، فجعله مرفوعًا، والصواب أنَّه موقوف على ابن عباس. وحكاه ابن جرير (^٩) عن أبي موسى الأشعري، والضحاك بن مزاحم، وإسماعيل بن عبد الرحمن (^١٠) السّدِّي: السماوات والأرض في جوف الكرسي والكرسي بين يدي العرش (^١١).
وروى ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق الضحاك، عن ابن عباس أنَّه قال: لو أنَّ السماوات السبع والأرضين السبع بُسطن، ثمَّ وُصِلْن بعضهن إلى بعض، ما كُن في سعة الكرسي إلا بمنزلة الحلقة في المفازة (^١٢).
وقال ابن جرير (^١٣): حدَّثني يونس، حدَّثنا ابن وهب قال: قال ابن زيد: حدَّثني أبي قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "ما السماواتُ السَّبْع في الكرسي إلا كَدَراهمَ سَبْعةٍ أُلْقيتْ في تُرسٍ". قال: وقال أبو ذرّ: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "ما الكُرْسيُّ في العَرْشِ إلا كَحلْقَةٍ منْ حَديدٍ أُلْقيتْ بَيْنَ
_________________
(١) في ب: كما رواه ابن أبي شيبة في كتاب صفة العرش والحاكم. . .
(٢) المستدرك (٢/ ٢٨٢).
(٣) في أ: المديني. وهو: عمار بن معاوية الدهني البجلي الكوفي. والدُّهني: بضم المهملة وسكون الهاء: نسبة إلى دُهن بن معاوية بن أسلم بن أحمس. . . بطن من بجيلة. تقريب التهذيب، واللباب.
(٤) هو مسلم بن عمران البطين، ويقال ابن أبي عمران. تقريب التهذيب.
(٥) زاد في ب في قوله: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾. وقد تقدم هذا قبل قليل.
(٦) تفسير الطبري (٣/ ٧).
(٧) قال الطبري في تفسيره (٣/ ٧): لما نزلت ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ قال أصحاب النبي-ﷺ: يا رسول اللَّه؛ هذا الكرسي وسع السموات والأرض، فكيف العرش؛ فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ. .﴾ [الأنعام: ٩١].
(٨) في أ: لدلاس؛ وهو خطأ.
(٩) تفسير الطبري (٣/ ٧).
(١٠) قوله: وحكاه ابن جرير. . . عبد الرحمن. سقط من ب.
(١١) تتمة الخبر في تفسير الطبري: وهو موضع قدميه. أما قول أبي موسى فهو الكرسي موضع القدمين، وله أطيط كأطيط الرحل. وقول الضحاك: كرسيه الذي يوضع تحت العرش الذي يجعل الملوك عليه أقدامهم.
(١٢) في ب: الفلاة. وانظر الدر المنثور (١/ ٣٢٨) فقد عزى الخبر إلى ابن مردويه، وابن أبي حاتم، ولم أجده في تفسير الطبري.
(١٣) تفسير الطبري (٣/ ٨).
[ ١ / ٢٤ ]
ظَهْري فَلاةٍ منَ الأرْضِ (^١) ".
أول الحديث مرسل، وعن أبي ذر منقطع. وقد رُوي عنه من طريق أخرى موصولًا، فقال الحافظ أبو بكر بن مردويه في "تفسيره": أخبرنا سليمان بن أحمد الطبراني، أنبأنا عبد اللَّه بن وهيب الغَزِّي (^٢)، أنبأنا محمد بن أبي السَّري العَسْقلاني، أنبأنا محمد بن عبد اللَّه التميمي، عن القاسم بن محمد الثقفي، عن أبي إدريس الخَوْلاني، عن أبي ذر الغفاري أنَّه سأل رسول اللَّه ﷺ عن الكرسي، فقال رسول اللَّه (^٣) ﷺ: "والذي نَفْسي بيدِهِ ما السَّماوات السَّبْعُ والأرَضُون السَّبْعُ عِنْدَ الكُرْسي إلا كَحَلْقةٍ مُلْقاةٍ بأرْضٍ فلاةٍ، وإنَّ فَضْلَ العَرْش على الكُرْسي كفَضْلِ الفَلاةِ عَلَى تِلْكَ الحَلْقَةِ" (^٤).
وقال ابن جرير في "تاريخه" (^٥): حدَّثنا ابن وكيع [قال] (^٦): حدَّثنا أبي، عن سفيان، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير قال: سُئل ابن عباس عن قوله ﷿: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ على أي شيء كانَ الماء؟ قال: على متن الريح.
والسَّماوات (^٧) والأرضون (^٨) وكل ما (^٩) فيهنّ من شيء يحيط بها البحار، ويحيط بذلك كله الهيكل ويحيط بالهيكل [-فيما قيل-] (^١٠) الكرسي.
وروى (^١١) عن وهب بن منبه نحوه. وفسَّر وهْبٌ الهيكلَ فقال: شيء (^١٢) من أطراف السماوات
_________________
(١) الحديث في تفسير الطبري (٣/ ٨).
(٢) في أ: العربي، وب: الفزي، وفي ط: المغربي، وكله تصحيف، وما أثبتناه من معجم الطبراني الأوسط (٤٣٧٠) فما بعد، والصغير (٥٩٩).
(٣) الحديث في تفسير الطبري (٣/ ٨) بنحوه.
(٤) في نسخة ب، زيادة: وروى محمد بن عثمان بن أبي شيبة في كتاب (صفة العرش) عن الحسين بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أحمد بن علي الأسدي، عن المختار بن غسان العبدي عن إسماعيل بن مسلم، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي ذر قال: دخلت المسجد الحرام، فرأيت رسول اللَّه ﷺ وحده، فجلست إليه، فقلت: يا رسول اللَّه، أيّ آية نزلت عليك أفضل؟ قال: "آية الكرسي. ما السماوات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة" وهو حديث حسن بطرقه.
(٥) تاريخ الطبري (١/ ٤٠).
(٦) زيادة في المطبوع: موافقة لنص ابن جرير في تاريخه.
(٧) في المطبوع: قال. والكلام من قول ابن عباس، أورده ابن جرير كذلك (١/ ٤١).
(٨) في تاريخ الطبري: والأرض.
(٩) في ب، وتاريخ الطبري: من فيهن.
(١٠) زيادة من المطبوع. موافقة لرواية الطبري.
(١١) أي: الطبري، وانظر قول وهب في تاريخه (١/ ٤١).
(١٢) في أ: فقال: هو. .، وفي ب: الهيكل الكرسي فقال: هو. وأثبت لفظ المطبوع، وهو موافق لرواية الطبري.
[ ١ / ٢٥ ]
محدق بالأرضين والبحار كأطناب الفسطاط (^١).
وقد زعم بعض من ينتسب إلى علم الهيئة أنَّ الكرسي عبارة عن الفلك الثامن الذي يُسَمُّونه فلك الكواكب الثوابت. وفيما زعموه نظر؛ لأنه قد ثبت أنَّه أعظم من السماوات السبع بشيء كثير كما ورد [في] (^٢) الحديث المتقدم بأنَّ نسبتها إليه كنسبة حلقة ملقاة بأرض فلاة، وهذا ليس نسبة فلك إلى فلك. فإن قال قائلُهم: فنحن نعترف بذلك، ونسمّيه مع ذلك فلكًا، فنقول: الكرسي ليس في اللغة عبارة عن الفلك، وإنَّما هو -كما قال غير واحد من السلف-: بين يدي العرش كالمرقاة إليه. ومثل هذا لا يكون فلكًا. وزعمهم (^٣) أنَّ الكواكب الثوابت مرصَّعة، لا دليل لهم عليه. هذا مع اختلافهم في ذلك أيضًا، كما هو مقرر في كتبهم. واللَّه أعلم.
* * *