وهو أكبر كتب الحافظ ابن كثير في الحديث النبوي، وأكثرها نفعًا، وآخرها تأليفًا في حياته، ولنسمع العلماء الكبار قدماء ومعاصرين ممن يتكلم على هذا الكتاب العظيم:
قال ابن حجر في "إنباء الغمر بأنباء العمر" (١/ ٤٧): "ولما رتب الحافظ شمس الدين بن المحب -المعروف بالصامت المتوفى سنة ٧٨٩ هـ- مسند أحمد على ترتيب حروف المعجم -حتى في التابعين المكثرين عن الصحابة- أعجب ابن كثير، فاستحسنه. ورأيت النسخة بدمشق بخط ولده "عمر" فألحق ابن كثير ما استحسنه في الهوامش من الكتب الستة، ومسندي أبي يعلى والبزار، ومعجمي الطبراني، ما ليس في المسند، وسمَّى الكتاب "جامع المسانيد والسنن" وكُتبت منه عدة نسخ نُسبت إليه. . وهو الآن في أوقاف "المدرسة المحمودية" المتن ترتيب ابن المحب، والإلحاقات بخط ابن كثير في الهوامش والعصافير (الجذاذات) (^٣) وقد كنت رأيت منه نسخة بيضها عمر بن العماد بن كثير مما في المتن والإلحاق، وكتب عليه الاسم المذكور".
وقال ابن العماد في "شذرات الذهب" (٨/ ٣٩٨): "من مصنفاته كتاب في جمع المسانيد العشرة".
_________________
(١) كشف الظنون (١/ ١٠).
(٢) الاجتهاد في طلب الجهاد (ص: ٥).
(٣) العصافير: الجذاذات، لأنها إذا وقعت من الكتاب تطير كالعصافير؛ وفي أساس البلاغة: الوريقات التي تعلق عليها الفوائد.
[ مقدمة / ٤٥ ]
وقال الحسيني في "ذيل تذكرة الحفَّاظ" (ص: ٥٧٢): "كتاب الهدي والسنن، المعروف بجامع المسانيد، رتبَّه على الأبواب (^١)، وهو من أنفع كتبه".
وقال الشوكاني في "البدر الطالع" (١/ ١٥٣): "الهدي والسنن في أحاديث المسانيد والسنن"، جمع فيه بين مسند الإمام أحمد، والبزار، وأبي يعلى، وابن أبي شيبة، إلى الكتب الستة".
وقال حاجي خليفة في "كشف الظنون" (١/ ٥٧٣): "جامع المسانيد والسنن، كتاب عظيم، فيه أحاديث الكتب العشرة في أصول الإسلام".
وقال أحمد شاكر في مقدمة عمدة التفسير (ص: ٣٦) عن جامع المسانيد: منه في دار الكتب المصرية سبع مجلدات، مجموع أوراقها (٢٢٨٠)، وفي معهد المخطوطات بجامعة الدول العربية أجزاء منه.
وطُبع الكتاب في بيروت - بدار الفكر في سنة ١٩٩٩ م في (٣٦) جزءًا ضمن (١٨) مجلدًا + المقدمة، وقد وثَّق أصوله وخرج حديثه وعلَّق عليه الدكتور عبد المعطي أمين قلعجي.
وقد جاء في المقدمة (^٢):
كيف نبتت فكرة "جامع المسانيد والسنن"؟
يدين ابن كثير في وضع هذا الكتاب إلى شيخه الحافظ جمال الدين المِزي، ومما لا ريب فيه أن تطور فهرسة الأحاديث النبوية بطريقة صنع الأطراف لها قد نضج على يد الحافظ المِزي بمؤلفه النفيس"تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف" الذي وضعه للكتب الستة ولواحقها (^٣).
والعمل الذي شرع الحافظ ابن كثير به عملٌ واسع مترامي الأطراف وعملية خطيرة أقدم عليها في أخريات حياته، فهو آخر كتاب صنَّفه، وقد كلفه عناء كبيرًا.
ولكن كيف نبتت فكرة هذا المصنف الشامل؟
كان الحافظ ابن كثير قد استوعب "تحفة الأشراف" استيعابًا وافيًا، وكان يحتفظ بنسخة من التحفة، وقد وضع عليها بعض التقييدات، واستدرك عليها.
_________________
(١) الصحيح ترتيبه على أسماء التابعين الرواة عن الصحابي.
(٢) مقدمة جامع المسانيد (ص: ٢٣٦).
(٣) نشر الشيخ عبد الصمد شرف الدين الكتاب لأول مرة في الهند، ثم أعاد الأستاذ الدكتور بشار عواد معروف تحقيقه على سبعة وثلاثين جزءًا بخط المؤلف وعلى نسخ لرفاقه وتلامذته كُتبت في حياته، ومنها نسخة علم الدين البرزالي التي قابلها بنفسه. وربطت هذه الطبعة الأحاديث ببعضها، كما ربطت بمُسند الإمام أحمد، وأضيف إليها عشرة كتب أخرى، ونشرته دار الغرب الإسلامي منذ سنة ١٩٩٩ م في ثلاثة عشر مجلدًا.
[ مقدمة / ٤٦ ]
وكلنا نعرف ما لأهمية مسند الإمام أحمد في دواوين السنة، وقد تمنى الحافظ الذهبي أن يُقيِّض اللَّه لهذا المسند من يرتبه ويخدمه. وقد أقام اللَّه لترتيبه الشيخ الإمام الصالح الورع أبا بكر بن عبد اللَّه المحب الصامت، فرتبه على معجم الصحابة، ورتب الرواية كذلك كترتيب كتاب الأطراف، وتعب به كثيرًا.
ثم إن الشيخ الإمام مؤرخ الإسلام، وحافظ الشام، عماد الدين أبا الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير ﵀، أخذ هذا الكتاب المرتب من مؤلفه، وأضاف إليه أحاديث الكتب الستة، ومعجم الطبراني الكبير، ومسند البزار، ومسند أبي يعلى المَوْصلي، وأجهد نفسه كثيرًا، وتعب فيه تعبًا عظيمًا، فجاء لا نظير له في العالم (^١).
والحافظ ابن كثير كان يحفظ المسند عن ظهر قلب.
إذن فقد استبان منهج العمل أمام الحافظ ابن كثير، ألا وهو تفريغ مسند الإمام أحمد على تحفة الأشراف، وتفريغ معجم الطبراني الكبير، وهو مصنف أساسًا على أسماء الصحابة، وليضف إليه مسند البزار من الزوائد على الكتب الستة، وكذا مسند أبي يعلى الموصلي. وليكنْ كل هذا في قالب أسماء الصحابة، وليكن أسد الغابة لابن الأثير هو أساس العمل.