فيها: خرج رجل بآمُل (^٣) طَبَرِستان يقال له: مازيار بن قارن بن وندا هُرْمُز، وكان لا يرضى أن يرفع الحمل (^٤) إلى نائب خراسان عبد اللَّه بن طاهر بن الحسين، بل يبعثه إلى الخليفة ليقبضه منه، فبعث الخليفة من يتلقى الحمل إلى بعض البلاد فيقبضه منه، ثم يدفعه إلى عبد اللَّه بن طاهر، ثم وثب (^٥) على تلك البلاد وأظهر المخالفة للمعتصم.
وقد كان المازيار هذا ممن يكاتب بابَك الخُرَّمِيّ ويعِدُه بالنصر. ويقال: إن الذي قوَّى رأس المازيار هو الأفشين، ليعجز عبدُ اللَّه بن طاهر فيولِّيه المعتصم بلادَ خراسان مكانه، فبعث إليه المعتصم محمد بن إبراهيم بن مُصْعَب، أخا إسحاق بن إبراهيم، في جيشٍ كثيف، فجرَتْ بينهم حرولب طويلة استقصاها ابن جرير (^٦)، وكان آخر ذلك أسر المازيار، وحمل إلى عبد اللَّه بن طاهر، فاستقرَّه عن الكتب التي بعثها إليه الأفشين فأقرَّ بها، فأرسله نحو أمير المؤمنين ومعه من أمواله التي اصطفيت أشياء كثيرة جدًا؛ من الذهب والجواهر والثياب. فلما أوقف بين يدي الخليفة سأله عن كتب الأفشين إليه فأنكرها، فأمر به فضرب بالسّياط حتَّى مات، وصلب إلى جانب بابَك الخُزَميّ على جسر بغداد، وقتل عيون أصحابه وأتباعه.
وفي هذه السنة تزوَّج الحسن بن الأفشين بأتْرُجَّة بنت أشناس ودخل بها في قصر المعتصم بسامرّاء في جمادى، وكان عرسًا عظيمًا، وليه أمير المؤمنين المعتصم بنفسه، حتى قيل: إنهم كانوا يخضِبُون لحى العامة بالغالية (^٧).
_________________
(١) محمد بن سنان العَوَقي، أبو بكر البصري. و"العَوَقة": حيٌّ نزل فيهم، وهم بطن من الأزد. أحد الأثبات. سير أعلام النبلاء (١٠/ ٣٨٥)، العبر (١/ ٣٨٨).
(٢) أبو سَلَمة التَّبَوذكِيُّ، المِنْقَريّ، الإمام الحجَّة، كان من بحور العلم، ثقة ثبت، كثير الحديث. قال عباس الدوري: كتبت عنه خمسة وثلاثين ألف حديث. سير أعلام النبلاء (١٠/ ٣٦٠)، العبر (١/ ٣٨٨).
(٣) في الأصول: من بابل، وأثبت ما جاء في ط. و"آمُلُ": اسم أكبر مدينة بطبرستان في السهل، ومنها المؤرخ أبو جعفر الطبري، ﵀. ياقوت.
(٤) في ط: الخراج.
(٥) في ط: ثم آل أمره إلى أن وثب.
(٦) الطبري (٩/ ٨٠ - ١٠١).
(٧) "الغالية": نوع من الطيب.
[ ١١ / ٩٠ ]
وفيها خرج مَنكجور قرابة الأفشين بأرض أذْرَبيجان، وخلع الطاعة، وذلك أنه كان الأفشين قد استنابه على بلاد أذْرَبيجان حين فَرَغَ من أمر بابَك، فظفر مَنكجور بمالٍ عظيم مخزون لبابَك في بعض البلدان، فاحتجبه لنفسه وأخفاه عن الخليفة، وظهر على ذلك رجلٌ يقال له: عبد اللَّه بن عبد الرحمن، فكاتب الخليفة بذلك، فكتب مَنكجور يكذِّبه في ذلك، وهمَّ به ليقتله فامتنع منه أهل أرْدَبيل. فلمَّا تحقَّق الخليفة كذب مَنكجور بعث إليه بُغا الكبير فحاربه وأخذه بالأمان وجاء به إلى الخليفة.
وفي هذه السنة مات ياطس الرومي الذي كان نائبًا على عَمُّوريَّة حين فتحها المعتصم، ونزل من حصنه على حكم المعتصم، فأخذه معه أسيرًا فاعتقله بسامرّاء حتى توفي في هذا العام.