في يوم الخميس ثالث صفر من هذه السنة دخل الأفشين على المعتصم سامَرّاء، ومعه بابَك الخُرَّميّ وأخوه عبد اللَّه، في تجمّل عظيم، وقد أمر المعتصم ابنَه هارون الواثق أن يتلقَّى الأفشين، وكانت أخباره تَفِدُ إلى المعتصم في كلِّ يومٍ من شدَّة اعتناء المعتصم بأمر بابَك، وقد ركب المعتصم قبل وصول بابَك بيومين على البريد حتَّى دخل إلى بابَك وهو لا يعرفه، فنظر إليه ثم رجع، فلما كان يوم دخوله عليه تأهَّب المعتصم، واصطفَّ الناس سِماطين (^٥)، وأمر ببابَك أن يركبَ على فيل ليشهر أمره وسرفوه، وعليه قَبَاء ديباج وقَلَنْسَوة سمّور مدوَّرة، وقد هيئ الفيل، وخضّبت أطرافه، وألبس من الحرير والأمتعة التي تليق به شيئًا كثيرًا، وقد قال فيه بعضُهم (^٦):
قد خُضِبَ الفيلُ كعاداتِهِ … يَحمِلُ شَيْطانَ خُراسانِ
والفيلُ لا تُخْضَبُ أعضاؤه … إلا لذِي شأْنٍ مِنَ الشان
ولما أحضر بين يدي الخليفة أمر بقطع يديه ورجليه، وحزّ رأسه، وشقّ بطنه، ثم أمر بحمل رأسه إلى
_________________
(١) الحكم بن نافع البَهْراني، أبو اليَمَان الحمصي، مشهور بكنيته، ثقة ثبت. سير أعلام النبلاء (١٠/ ٣١٩)، وتقريب التهذيب (١/ ١٩٣).
(٢) يكنى أبا حفص الكوفي، من العلماء الأثبات. ثقة، ربما وهم. سير أعلام النبلاء (١٠/ ٦٣٩)، وتقريب التهذيب (٢/ ٥٣).
(٣) مسلم بن إبراهيم الفراهيدي، أبو عمرو البصري، القَصَّاب. محدّث البصرة. وكان ثقة حجّة. أضرَّ بأخرة. وكان يقول: ما أتيت حرامًا ولا حلالًا قطّ. سير أعلام النبلاء (١٠/ ٣١٤)، والعبر (١/ ٣٨٥).
(٤) أبو زكريا الوُحَاظي، الدمشقي، وقيل: الحمصي، صدوق، من أهل الري. سير أعلام النبلاء (١٠/ ٤٥٣)، وتقريب التهذيب (٢/ ٣٤٩).
(٥) في أ: صفين، وهما بمعنى.
(٦) قالهما محمد بن عبد الملك الزيات، كما في الطبري (٩/ ٥٣)، وابن الأثير (٦/ ٤٧٧).
[ ١١ / ٨٢ ]
خراسان، وصلب جثته على خشبة بسامَرّا. وكان بابَك -لعنه اللَّه- قد شرب الخمر في ليلة أسفَرَ صباحها عن قتله، وذلك ليلة الخميس لثلاث عشرة خلَتْ من ربيع الآخر من هذه السنة.
وكان هذا الملعون قد قتل من المسلمين في مدة ظهوره، لعنه اللَّه -وهي عشرون سنة- مئتي ألف وخمسة وخمسين ألفًا وخمسمئة [إنسان] (^١)؛ قاله ابنُ جرير (^٢)، وأسَرَ خَلْقًا لا يُحصوا (^٣) كثرةً، وكان من جملة من استنقذه الأفشين من أسره نحو من سبعة آلاف وستمئة إنسان، وأسر من أولاده سبعةَ عشَرَ رجلًا، ومن حلائله وحلائل أبنائه ثلاثًا وعشرين امرأة من الخواتين (^٤). وقد كان أصلُ بابَك -لعنه اللَّه- ابن جارية زريّة الشكل جدًّا، فآل به الحالُ إلى هذه الحال، ثم أراح اللَّه المسلمين من شرِّه بعدما افتَتَن به خَلْقٌ كثيرٌ وجَمٌّ غفيرٌ من الطَّغام (^٥).
ولما قتله المعتصم (^٦) توَّج الأفشين وقلَّده وِشاحين من جوهر، وأطلَق له عشرين ألف ألف درهم، وكتب له بولاية السِّند، وأمر الشعراء أن يدخلوا عليه فيمدحوه على ما فعل من الخير إلى المسلمين، وعلى تخريبه بلد بابَك التي يقال لها البَذّ، وتركه إياها يبابا (^٧) خرابًا. فقالوا في ذلك فأحسنوا، وكان من جملتهم أبو تمام الطائيّ، وقد أورد قصيدته بتمامها الإمام أبو جعفر بن جرير ﵀ في "تاريخه" (^٨)، وهي قوله:
بَذَّ الجِلادُ البَذَّ (^٩) وهي (^١٠) قَطِينُ … ما إنْ بها (^١١) إلا الوُحُوشَ دَفينُ (^١٢)
لم يُقْرَ هذا السيفُ هَذا الصَّبرَ في … هَيْجَاءَ إلا عَزَّ هذا الدِّينُ
_________________
(١) زيادة من ط والطبري.
(٢) الطبري (٩/ ٥٤).
(٣) في أ: لا يحصرون.
(٤) الخواتين: جمع خاتون، وهي لفظة تركية معناها السيدة العريقة الأصل، وهي مستعملة في العراق إلى عهد قريب (بشار).
(٥) "الطَّغام": أوغاد الناس، الواحد والجمع فيه سواء.
(٦) لفظة: المعتصم سقطت من أ.
(٧) ليس بها ساكن، في جوف الليل. وفي ط: قيعانًا.
(٨) الطبري (٩/ ٥٥) ولم ترد القصيدة فيه بتمامها كما أشار المؤلف ﵀، وإنما وردت الأبيات نفسها في البداية. وهي مطلع قصيدة طويلة بلغت ستة وثلاثين بيتًا في ديوانه (٣/ ٣١٦ - ٣٢٢).
(٩) في أ: إليك.
(١٠) في ط والديوان والطبري: فهو دفين.
(١١) الديوان: به، والطبري: بها.
(١٢) في ط والديوان والطبري: قطين. و"بَذَّ": سَبَقَ وغَلَب. و"القطين": أهل الدار، أي غلب الضِّراب هذا المكان، وهو موضع بابَك الخُرَّميّ.
[ ١١ / ٨٣ ]
قد كان عُذْرَةَ سُوددٍ فافْتَضَّها … بالسّيفِ فَحْلُ المَشْرِقِ الأفشِينُ (^١)
فأعادَها تَعْوِي الثَّعَالِبُ وسْطَها … ولَقَدْ تُرى بالأمس وَهْيَ عَرِينُ
هَطَلَتْ عليها من جَمَاجِمِ أهلِها (^٢) … دِيَمٌ أمَارَتُها طُلًى وشُؤونُ
كَانتْ مِنَ الهَيْجاء قبلُ مفازة (^٣) … عشرًا فأضحَتْ وهي منهُ مَعينُ
وفي هذه السنة، أعني سنة ثلاث وعشرين ومئتين، أوقَعَ ملك الروم توفيل بن ميخائيل -لعنه اللَّه- بأهل مَلَطْيَة (^٤) من المسلمين وما والاها ملحمةً عظيمةً، قتل فيها منهم خلقًا كثيرًا، وأسر ما لا يحصون كثرةً، وكان من جملة من أسر ألفُ امرأة من المسلمات. ومثَّل بمن وقَعَ في أسره من المسلمين، فقطع آذانهم وآنافهم، وسَمَلَ أعينهم، قبَّحه اللَّه (^٥).
وكان سبب ذلك أن بَابَك -لعنه اللَّه- لمَّا أحيط به في مدينة البَذّ، واستوسقت الجنود حوله، كتب إلى ملك الروم يقولُ له: إنَّ ملك العرب قد جهَّز إليَّ جمهور جيثه، ولم يبقَ في أطراف بلاده من يحفظها، فإن كنتَ تريدُ الغنيمة فانهَضْ سريعًا إلى ما حولك من بلاده فخذها، فإنَّك لا تجد أحدًا يمانعك عنها (^٦).
فركب توفيل -لعنه اللَّه- في مئة ألف، وانضافَ إليه المحمّرة الذين كانوا قد خرجوا في الجبال، وقاتلهم إسحاق بن إبراهيم بن مُصْعَب، فلم يقدر عليهم، وتحصَّنوا بتلك الجبال، فلمَّا قدِمَ ملك الروم صاروا معه على المسلمين، فوصلوا إلى زِبَطْرَة، فقتلوا من رجالها خلقًا، وأسروا من حريمها أمَّةً كثيرة، فبلغ ذلك المعتصم فانزعج لذلك جدًّا، وصرخ في قصره بالنفير، ونهض من فوره فأمر بتعبئة الجيوش، واستدعى بالقاضي والعدول، فأشهدهم أن ما يملكه من الضّياع ثلثه للَّه (^٧)، وثلثه لولده، وثلثه لمواليه (^٨).
وخرج من بغداد، فعسكر غربيّ دجلة يوم الإثنين لليلتين خلتا من جمادى الأولى، ووجَّه بين يديه عُجَيْفًا وطائفةً من الأمراء، ومعهم (^٩) خَلْق من الجيش إعانةً لأهل زِبَطْرَة. فأسرعوا السيرَ، فوجدوا ملك
_________________
(١) أي كان محصَّنًا محروسًا ففتحه الأفشين.
(٢) في الديوان: جادت عليها.
(٣) في الطبري وط: كانت من المهجات، وفي الديوان: كانت من الدَّم قبلَ ذاك مفازةً.
(٤) بلدة من بلاد الروم مشهورة، تتاخم الشام.
(٥) الطبري (٩/ ٥٥).
(٦) الطبري (٩/ ٥٦)، وابن الأثير (٦/ ٤٧٩).
(٧) في ط: صدقة.
(٨) الطبري (٩/ ٥٦).
(٩) في أ: معه، وفي ب، ظا: معهم، بلا واو، وأثبت ما جاء في ط.
[ ١١ / ٨٤ ]
الروم قد فَعَلَ ما فَعَلَ، وانْشَمَر (^١) راجعًا إلى بلاده، وتفارطَ الحالُ ولم يمكن الاستدراك فيه، فرجعوا إلى الخليفة لإعلامه بما وقع من الأمر، فقال للأمراء: أيُّ بلاد الروم أمنعُ؟ قالوا: عَمّورية، لم يعرِض لها أحدٌ منذ كان الإسلام، وهي أشرف عندهم من القسطنطينية (^٢).