في رمضانها خلَعَ الخليفة الواثق على أشناس الأمير، وتوجَّه، وألبَسَهُ وِشاحَين من جوهرٍ.
وحجَّ بالناس في هذه السنة محمد بن داود الأمير.
وغَلا السعر على الناس في طريق مكة جدًا، وأصابهم حرٌّ شديد وهم بعرفة، ثم برد شديد ومطر عظيم في ساعةٍ واحدةٍ، ونزل عليهم وهم بمِنًى مطرٌ لم يُرَ مثله، وسقطت قطعةٌ من الجبل عند جمرة العقبة فقتلَتْ جماعةً من الحجَّاج.
_________________
(١) هو أحمد بن عبد اللَّه بن يونس التميمي اليَربُوعيّ الكوفي، أبو عبد اللَّه. ينسب إلى جدّه تخفيفًا. إمام، حجّة، ثقة، متقن. سير أعلام النبلاء (١٠/ ٤٥٧).
(٢) إسماعيل بن عمرو بن نَجيح البَجَلي الكوفيّ، شيخ أصبهان ومسندها. ذكره ابن عدي في الضعفاء، وهو من أبناء التسعين. سير أعلام النبلاء (١٠/ ٤٣٥).
(٣) سعيد بن منصور بن شعبة، أبو عثمان الخراسانيّ المروزيّ، ويقال: الطالقاني، ثم البلخي، ثم المكي المجاور، ثقة، متقن، وهو ممن جمع وصنَّف، شيخ الحرم. وهو من أبناء الثمانين. سير أعلام النبلاء (١٠/ ٥٨٦).
(٤) هو أبو جعفر المزني، البغدادي. ثقة، صاحب حديث. كان أحمد بن حنبل يجلُّه ويعظِّمه. مات بالكَرْخ عن سبع وسبعين سنة. سير أعلام النبلاء (١٠/ ٦٧٠).
(٥) هو هشام بن عبد الملك، أبو الوليد الباهلي، البصري، الطيالسي، الإمام الحافظ الناقد، شيخ الإسلام، أمير المحدثين، ثقة، ثبت. مات عن أربع وتسعين سنة. سير أعلام النبلاء (١٠/ ٣٤١)، وتقريب التهذيب (٢/ ٣١٩).
(٦) هو محمد بن الهُذيل البصري العلاف، أبو الهُذيل، صاحب التصانيف، ورأس المعتزلة. لم يكن بالتَّقيّ، وكان قد أخذ الاعتزال عن عثمان بن خالد الطويل تلميذ واصل بن عطاء. وقد طال عمره، وجاوز التسعين. سير أعلام النبلاء (١٠/ ٥٤٢).
[ ١١ / ١٠٩ ]
قال ابنُ جرير (^١): وفيها مات أبو الحسن المدائنيّ في منزل إسحاق بن إبراهيم الموصليّ، وحَبيب بن أوس الطائيّ أبو تمام الشاعر.
قلت: أمَّا أبو الحسن، عليّ بن محمد المدائنيّ، أحدُ أئمة هذا الشأن، وإمام الأخباريين في زمانه، فتقدَّم (^٢) ذكرُ وفاته قبل هذه السنة، واللَّه أعلم.
وأمَّا أبو تمَّام الطائي الشاعر (^٣): صاحبُ الحماسة التي جمعها في فصل الشتاء بهَمَذان، في دار وزيرها، فهو حبيب بن أوس بن الحارث بن قيس بن الأشَج بن يحيى بن مرينا بن سهم بن خلجان بن مروان بن دُفافة بن مرّ بن سعد بن كاهل بن عمرو بن عَدي بن عمرو بن الحارث بن طيِّئ، وهو جُلْهُمة بن أدد بن زيد بن يشجب بن عَريب بن زيد بن كَهْلان بن سَبَأ بن يَشْجُب بن يعرب بن قحطان (^٤)، أبو تمَّام الطائي الشاعر الأديب المشهور.
ونقل الخطيب (^٥) عن محمد بن يحيى الصولي: أنه حكي عن بعض الناس أنهم قالوا: أبو تمَّام حبيب بن تدوس النصراني، فسماه أبو تمام (^٦) أوس بدل تدوس.
قال ابن خلكان (^٧): وأصله من قرية جاسم من عمل الجَيْدور بالقرب من طَبَريَّةَ. وكان بدمشق يعمل عند حائك. ثم صار (^٨) إلى مصر في شبيبته.
وابن خلكان أخذ ذلك من تاريخ الحافظ ابن عساكر (^٩)، وقد ترجم أبا تمام ترجمة حسنة.
وقال الخطيب (^١٠) البغدادي: وهو شامي الأصل، وكان بمصر في حداثته يسقي الماء في المسجد الجامع، ثم جالس الأدباء فأخذ عنهم، وتعلَّم منهم. وكان فطنًا فهمًا، وكان يحبُّ الشعر، فلم يزل يعانيه حتى قال الشعر فأجاد، وشاع ذكره، وسار شعره، وبلغ المعتصم خبره، فحمله إليه، وهو بسرَّ مَن رأى، فعمل فيه قصائدَ، فأجازه المعتصم، وقدَّمه على شعراء وقته، فقدم بغدادَ فجالس الأدباءَ،
_________________
(١) تاريخ الطبري (٩/ ١٢٤).
(٢) تقدم في وفيات سنة (٢٢٤ هـ).
(٣) الأغاني (١٦/ ٣٨٣)، تاريخ بغداد (٨/ ٢٤٨)، مختصر ابن عساكر (٦/ ١٧٨)، وفيات الأعيان (٢/ ١١)، سير أعلام النبلاء (١١/ ٦٣)، شذرات الذهب (٢/ ٧٢)، تهذيب ابن عساكر (٤/ ١٨)، معاهد التنصيص (١/ ٣٨).
(٤) الجمهرة لابن حزم (ص ٣٩٩)، ووفيات الأعيان (٢/ ١١).
(٥) تاريِخ بغداد (٨/ ٢٤٩) وفيه: حبيب بن بدوس.
(٦) في أ: أبو حبيب، وما أثبته من ب، ظا.
(٧) وفيات الأعيان (٢/ ١١، ١٧) مع اختلاف في العبارة.
(٨) في أ: سار، وفي ط: سار به، وأثبت ما جاء في ب، ظا. وفي الوفيات: ونشأ بمصر.
(٩) تاريخ ابن عساكر (٤/ ٧٧ أ) وما بعدها (نسخة الظاهرية)، ومختصره لابن منظور (٦/ ١٧٨ - ١٨٢).
(١٠) تاريخ بغداد (٨/ ٢٤٨)، ومختصر ابن عساكر (٦/ ١٧٨).
[ ١١ / ١١٠ ]
وعاشر العلماء، وكان موصوفًا بالظَّرْف، وحسن الأخلاق، وكرم النفس. وقد روى عنه أحمد بن أبي طاهر وغيره أخبارًا مسندة.
قال القاضي ابن خلكان (^١): كان يحفظ أربعة (^٢) عشر ألف أرجوزة للعرب، غير القصائد والمقاطيع وغير ذلك.
وكان يقال: في طيِّئ ثلاثة: حاتِمٌ في كرمه، وداود الطائيُّ (^٣) في زهده، وأبو تمَّام في شعره.
قلْتُ: وقد كان الشعراء في زمانه جماعةً، فمن مشاهيرهم: أبو الشِّيص (^٤)، ودِعْبِل بن علي، وابن أبي فنن (^٥)، وقد كان أبو تمام من خيارهم دينًا وأدبًا وأخلاقًا. ومن رقيق شعر (^٦):
ياحَليفَ النَّدى ويا مَعدِنَ (^٧) الجُو … دِ ويا خَيْرَ مَن حَويتَ (^٨) القَريضا
ليتَ حُمَّاكَ بي وكانَ لكَ الأجْـ … ـرُ فلا تشتكي وكنتُ المريضا
وقد ذكر الخطيب (^٩) عن إبراهيم بن محمد بن عرفة: أنَّ أبا تمام توفي سنة ثمانٍ وعشرين ومئتين، وكذا قال ابن جرير (^١٠).
وحكي عن بعضهم أنه قال: توفي في سنة إحدى وثلاثين (^١١).
وقيل: سنة ثنتين وثلاثين (^١٢) ومئتين، اللَّه أعلم.
_________________
(١) وفيات الأعيان (٢/ ١٢).
(٢) في النسخ ووفيات الأعيان: أربع عشرة.
(٣) هو داود بن نُصير الطائي الكوفي، أبو سليمان. الإمام الفقيه، القدوة الزاهد، أحد الأولياء، من أئمة المتصوفة. مات سنة ١٦٥ هـ. حلية الأولياء (٧/ ٣٣٥)، وسير أعلام النبلاء (٧/ ٤٢٢).
(٤) وهو محمد بن علي بن عبد اللَّه بن رَزين الخزاعي، ابن عم دعبل، شاعر مطبوع، من أهل الكوفة، غلبه على الشهرة صاحباه صريع الغواني وأبو نواس، قتله خادم عقبة بن جعفر في الرقة سنة ١٩٦ هـ. طبقات الشعراء لابن المعتز (٧٢)، والأعلام (٧/ ١٥٤).
(٥) أبو عبد اللَّه، أحمد بن صالح، شاعر مفلق مطبوع، اتصل بمحمد بن عبد اللَّه بن طاهر ومدحه. طبقات ابن المعتز (٣٩٦).
(٦) ابن عساكر (٤/ ٨٠)، تاريخ بغداد (٨/ ٢٥٢).
(٧) في تاريخ بغداد وابن عساكر: يا تؤم.
(٨) في تاريخ بغداد وابن عساكر: حبوتُ.
(٩) تاريخ بغداد (٨/ ٢٥٢).
(١٠) تاريخ الطبري (٩/ ١٢٤).
(١١) سير أعلام النبلاء (١١/ ٦٧).
(١٢) قاله مَخلد الموصلي، كما في سير أعلام النبلاء (١١/ ٦٧).
[ ١١ / ١١١ ]
وكانت وفاته بالموصل، وبنيت على قبره قبة. وحكى الصولي عن الوزير محمد بن عبد الملك بن الزتات أنّه قال يرثيه (^١):
نَبَأٌ أتَى مِن أعظم الأنباءِ … لمَّا ألَمَّ مُقَلْقِل الأحْشَاءِ
قَالُوا حَبيبٌ قَدْ ثَوَى فأَجَبْتُهم … نَاشَدْتُكُم لا تَجْعَلُوهُ الطَّائي
وقال غيره (^٢):
فُجِعَ القَريضُ بخَاتَمِ الشُّعَراءِ … وَغَديرِ رَوْضتِها حَبيبِ الطائي
مَاتا مَعًا فَتَجاوَرا في حُفْرَةٍ … وكذاكَ كانا قَبْل في الأحْياءِ
وقد جمع الصُّولي شعرَ أبي تمام على حروف المعجم. قال القاضي ابن خلكان (^٣): وقد امتدح أحمدَ بن المعتصم، ويقال: أيَّنَ المأمون، بقصيدته التي يقول فيها:
إقْدامُ عَمْرٍو في سَمَاحَةِ حَاتِمٍ … في حِلْمِ أحنَفَ في ذَكاءِ إياسِ
فقال له بعضُ الحاضرين (^٤): أتقول هذا للأمير وهو أكبرُ قدرًا من هؤلاء (^٥)؟ فأطرق ساعةً، ثم قال:
لا تُنْكروا ضَرْبي لَهُ مَنْ دُونَهُ … مَثلًا شَرُودًا في النَّدى والبَاسِ
فاللَّهُ قَدْ ضَرَبَ الأقَلَّ لِنُورِهِ … مَثلًا مِنَ المِشْكَاةِ والنِّبْرَاسِ
فلَّما أخذوا منه القصيدة لم يجدوا فيها هذين البيتين، وإنَّما قالهما ارتجالًا. فقال [بعضهم]: لا يعيش هذا بعد هذا إلا قليلًا، فكان كذلك.
قال القاضي ابن خلكان (^٦): وقد زعم بعضهم أنَّ هذه القصيدة امتدح بها بعضَ الخلفاء، فأقطعه الموصل، فأقام بها أربعين يومًا، وليس هذا بصحيح، ولا أصلَ له، وإن كان قد لهِج به بعضُ الناس، كالزمخشري وغيره.
_________________
(١) تاريخ بغداد (٨/ ٢٥٣)، وفيات الأعيان (٢/ ١٨)، وسير أعلام النبلاء (١١/ ٦٧) ونسبا أيضًا لغيره.
(٢) هو الحسن بن وهب الوزير، والبيتان في وفيات الأعيان (٢/ ١٨)، ومختصر ابن عساكر (٦/ ١٨٢)، وسير أعلام النبلاء (١١/ ٦٧).
(٣) وفيات الأعيان (٢/ ١٥)، وفيه الأبيات الثلاثة، وهي في ديوانه (٢/ ٢٤٩).
(٤) هو يعقوب بن إسحاق الكندي، كما في ديوانه (٢/ ٢٥٠).
(٥) بعدها في ط: فإنك ما زدت على أن شبهته بأجلافٍ من العرب البوادي.
(٦) وفيات الأعيان (٢/ ١٥).
[ ١١ / ١١٢ ]
وقد أورد له الحافظ ابن عساكر (^١) أشياء مستظرفة من شعره الرائق ونظمه الفائق، فمن ذلك قوله (^٢):
ولَوْ كانَتِ الأرْزَاقُ تُجْرَى على الحِجَا … هَلَكْنَ إذًا من جَهْلِهنَّ البَهَائِمُ
ولَمْ يَجْتَمِعْ شَرْقٌ وغَرْبٌ لِقَاصِدٍ … ولا المَجْدُ في كفِّ امرئٍ والدَّراهِمُ
ومنه قوله (^٣):
وما أنا بالعراقِ مِن دُونِ عُرْسِه (^٤) … إذا أنا لم أُصْبعْ غَيُورًا على العِلْمِ
طَبيبُ فؤادي مُذْ ثلاثون حجَّةً (^٥) … ومُذهِبُ همِّي والمُفَرِّجُ للغَمَ (^٦)