في أوَّل يوم منها بُويع لإبراهيمَ بن المهديّ بالخلافة ببغداد وخُلع المأمون، فلمَّا كان يوم الجمعة خامسُ المحرم صعِدَ إبراهيمُ بن المهدي المنبرَ فبايعه الناسُ ولُقِّب بالمبارك، وغلب على الكوفة وأرض السَّواد، وطلب منه الجندُ أرزاقهم فماطلهم، ثم أعطاهم مئتي درهم لكل واحدٍ، وكتب لهم بتعويضٍ من أرض السَّواد، فخرجوا لا يمرُّون بشيء إلا انتهبوه، وأخذوا حاصل الفلاح والسلطان، واستناب إبراهيمُ على الجانب الشرقيِّ العبَّاسَ بن موسى الهادي، وعلى [الجانب] (^٦) الغربيِّ إسحاقَ بن موسى الهادي.
[وفيها] (^٧): خرج خارجيٌّ يقال له: مَهدي بن عُلوان، فبعث إليه إبراهيمُ جيشًا عليهم أبو إسحاق المعتصم بن الرشيد في جماعة من القُوَّاد، فكسره وردَّ كيده، وللَّه الحمد.
_________________
(١) أبو أسامة، حماد بن أسامة بن زيد، الكوفي. الحافظ الثبت. كان من أئمة العلم. مات وله نحو ثمانين سنة. طبقات خليفة (ترجمة ١٣١٥)، سير أعلام النبلاء (٩/ ٢٧٧).
(٢) حمَّاد بن مَسْعَدَة، أبو سعيد التميمي، ويقال: الباهلي، مولاهم البصري. الحافظ الحجة. طبقات ابن سعد (٧/ ٢٩٤)، سير أعلام النبلاء (٩/ ٣٥٦).
(٣) في أ: محمري بن عمارة، وفي ظا: حماد بن عمارة، وفي ط حرسي بن عمارة، وما أثبته من تهذيب التهذيب (٢/ ٢٣٢). وهو حَرَمي بن عمارة بن أبي حفصة، أبو روح البصري.
(٤) هو علي بن عاصم بن صُهيب، أبو الحسن الواسطيّ القرشي التيمي. الإمام العالم، شيخ المحدثين، مسند العراق. ولد سنة ٢٠٧ هـ، وكان من ذوي الأموال والاتساع في الدنيا، ولم يزل ينفق في طلب العلم ويُفضل على أهله قديمًا وحديثًا. طبقات ابن سعد (٧/ ٣١٣)، سير أعلام النبلاء (٩/ ٢٤٩).
(٥) حوادث سنة ١٩٩ وتاريخ الطبري (٨/ ٥٢٨)، والكامل لابن الأثير (٦/ ٣٠٢).
(٦) زيادة من ط.
(٧) زيادة من ط.
[ ١١ / ٧ ]
وفي هذه السنة خرج (^١) أخو أبي السَّرايا بالكوفة، فبيّض (^٢)، فأرسل إليه إبراهيمُ بن المهدي مَن قاتله فقتل أخو أبي السرايا وأرسل برأسه إلى إبراهيم.
ولما كان ليلة أربعَ عشرةَ من ربيع الآخر من هذه السنة ظهرت في السماء حُمرةٌ ثم ذهبت، وبقي بعدها عمودان أحمران في السماء إلى آخر الليل. وجرت بالكوفة حروب بين أصحاب إبراهيم وأصحاب المأمون، واقتتلوا قتالًا شديدًا. وعلى أصحاب إبراهيمَ السَّوادُ، وعلى أصحاب المأمون الخُضْرَةُ، واستمرَّ القتالُ بينهم إلى أواخر رجب.
وفي هذه السنة ظفر إبراهيم بن المهدي بسهل بن سلامة المطَّوّعي فسجنه، وذلك لأنه التف عليه جماعةٌ من الناس يقومون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكن [كانوا] (^٣) قد جاوزوا الحدَّ، وأنكروا على السلطان، ودعوا إلى القيام بالكتاب والسنة، وصار بابُ داره كأنَّه بابُ سلطان، عليه السلاح والرجال وغيرُ ذلك من أُبَّهة الملك، فقاتله الجند فكسروا أصحابه، فألقى السلاح وصار بين النساء والنظارة، ثم اختفى في بعض الدروب، فأُخذ وجِيء به إلى إبراهيم فسجنه سنة كاملة.
وفي هذه السنة أقبل المأمون من خراسان قاصدًا العراق، وذلك أنَّ عليَّ بن موسى بن جعفر العلوي أخبر المأمون بما الناس فيه من الفتن والاختلاف بأرض العراق، وأنَّ الهاشميين يتهمون المأمون بأنه مسحور ومجنون (^٤)، وأنهم قد ينقمون عليك ببيعتك إليَّ من بعدك، وأن الحرب قائمة بين الحسن بن سهل وبين إبراهيم بن المهدي. فاستدعى المأمون بجماعة من أمرائه وقراباته (^٥) فسألهم عما أخبر (^٦) به علي الرِّضا، فصدَقوه الأمرَ بعد أخذهم الأمان منه، وقالوا له: إنَّ الفضل بن سهل حسَّن لك قتل هَرْثَمَة (^٧)، وقد كان ناصحًا لك، فعاجله بقتله، وإن طاهرَ بن الحسين مهَّد لك الأمور حتى قاد لك
_________________
(١) في أ، ظا: خروج أبو السرايا وأثبت ما جاء في ط، وقد قتل أبو السرايا في سنة ١٩٩ هـ.
(٢) "بيّض": أي أمر بلبس الخضرة، مخالفًا بذلك ما عليه بنو العباس من لبس السواد، وهو شعارهم.
(٣) زيادة من ط.
(٤) كذا في ظا والطبري: مجنون، وفي ط مسجون، تحريف.
(٥) في ط: وأقربائه. وقرابة الرجل، على المصدر.
(٦) في أ، ط: أخبرهم، وأثبت ما جاء في ظا.
(٧) هو هَرْثَمَة بن أعْيَن، أمير، من القادة الشجعان، ولاه الرشيد مصر، ووجهه إلى إفريقية، وعقد له على خراسان. ولما بدأت الفتنة بين الأمين والمأمون انحاز إلى المأمون، فقاد جيوشه وأخلص له الخدمة حتى سكنت الفتنة بمقتل الأمين. ونقم المأمون عليه أمرًا، قيل: اتهمه بممالأة إبراهيم بن المهدي أو بالتراخي في قتال الطالبيين وأبي السرايا، فدعاه إليه وشتمه وضربه وحبسه. وكان الفضل بن سهل (الوزير) يبغضه، فدس إليه من قتله في الحبس سرًا. ترجمته في الأعلام (٨/ ٨١).
[ ١١ / ٨ ]
الخلافة بزمامها فطردْتَه إلى الرقة، وقعد لا عَمَل له ولا تستنهضه في أمرٍ، وإنَّ الأرض قد تفتَّقت من أقطارها، وكثرت الفتن، وانثشرت الشرور بين الناس.
فلما تحقَّق ذلك المأمون أمر بالرحيل إلى بغداد، وقد فطِنَ الفضلُ بن سهل بما تمالأ عليه أولئك الناصحون للمأمون، فضرب قومًا ونتف لحى بعضهم. وسار المأمون، فلمَّا كان بسَرَخْس (^١) عدا قومٌ على الفضل بن سهل وزير المأمون وهو في الحمام بالسيوف فقتلوه، وذلك يوم الجمعة لليلتين خلتا من شعبان وله ستون سنة (^٢). فبعث المأمون في آثارهم فجيء بهم وهم أربعة من المماليك فقتلهم، وكتب إلى أخيه الحسن بن سهل يعزِّيه فيه، وولاه مكانه الوزارة، وارتحل المأمون من سَرَخْس يوم عيد الفطر نحو العراق وإبراهيمُ بن المهدي بالمدائن، وفي مقابلته جيش يقاتلونه من جهة المأمون.
وفي هذه السنة تزوج المأمون بُوران (^٣) بنتَ الحسن بن سهل، وزوَّج عليَّ بن موسى الرِّضا بابنته أُمِّ حبيب، وزوَّج ابنه محمد بن علي بن موسى بن جعفر بابنته الأخرى أمِّ الفضل.
وحجَّ بالناس في هذه السنة إبراهيمُ بن موسى بن جعفر أخو علي الرِّضا، ودعا لأخيه بعد المأمون. ثم انصرف من بعد الحج إلى اليمن، وقد كان تغلب عليها حَمْدَوَيْه بن علي بن موسى بن ماهان (^٤).