فيها: دخل بُغا الكبير ومعه مَنكجور قد أعْطَى الطاعةَ بالأمان.
وفيها: عزل المعتصم جعفر بن دينار عن نيابة اليمن وتغضَّبَ (^٤) عليه وولَّى على اليمن إيتاخ.
وفيها: وجَّه عبد اللَّه بن طاهر بالمازيار، فدخل بغداد على بغلٍ بإكاف (^٥) لخمس خلون من ذي القعدة؛ فضربه المعتصم بين يديه أربعمئة وخمسين سوطًا، ثم سُقيَ الماء حتى مات (^٦). وأمر بصلبه إلى جانب بابَك الخُرَّميّ، وأقرَّ في ضربه أن الأفشين كان يكاتبه ويحسِّنُ له خَلْعَ الطاعة، فغضب المعتصم على الأفشين وأمر بسجنه، فبني له مكان كالمنارة من دار الخلافة تسمَّى لؤلؤة، إنَّما يسع مكانه فقط. وذلك حين تحقق الخليفةُ أنه كان يريد مخالفته والخروجَ عليه، وأنه يعزِمُ على الذهاب إلى بلاد الخَزَر (^٧) ليستجيش بهم على المسلمين، فعاجلَه الخليفةُ بالقبض عليه قبل ذلك كلَّه، وعقد له المعتصم مجلسًا فيه قاضيه أحمد بن دُوَاد (^٨) المعتزلي، ووزيره محمد بن عبد الملك بن الزيَّات، ونائبه إسحاق بن إبراهيم بن مُصْعَب، فاتّهم الأفشين في هذا المجلس بأشياءَ تدلُّ على أنَّه باقٍ على دين أجداده من الفرس؛ وذلك أنَّه غيرُ مختون، فاعتذر بأنه يخافُ من ألم ذلك، فقال له الوزير، وهو الذي كان يتولَّى مناظرته من بين القوم: فأنت تطاعنُ بالرماح في الحروب ولا تخاف من وقعها، وأنت تزعم أنك تخاف من قطع قلفة
_________________
(١) إمام حافظ ثقة ثبت، تغيّر في آخر عمره. قال الذهلي: كان بعيدًا من العَرَامة. و"العرامة": الشدة والقوة والشراسة. سير أعلام النبلاء (١٠/ ٢٦٥)، وتقريب التهذيب (٢/ ٢٠٠).
(٢) محمد بن عيسى بن نَجِيح، أبو جعفر بن الطبَّاع، البغدادي، تحوَّل إلى الشام، ورابط بأذَنَة من بلاد الثغور، ثقة، فقيه، ذكره أحمد بن حنبل، فقال: لبيب كَيِّس. سير أعلام النبلاء (١٠/ ٣٨٦)، وتقريب التهذيب (٢/ ١٩٨).
(٣) أبو الفضل الزُّبَيدي المؤذِّن، كان سكن عند كنيسة جُرجس بحمص، فغلبت عليه النِّسبة إليها. إمام حافظ ثبت، ثقة. سير أعلام النبلاء (١٠/ ٦٦٧).
(٤) في ط: وغضِب، وهما بمعنى.
(٥) "الإكاف": البَرْذَعَة، جمع أكُف.
(٦) في الطبري (٩/ ١٠٤): وطلب ماء فسُقي، فمات من ساعته.
(٧) أي بلاد الترك.
(٨) في الأصول وط: داود، وأثبت ما جاء في الطبري وابن الأثير. وسيترجم له المؤلف في حوادث سنة ٢٤٠ هـ.
[ ١١ / ٩٦ ]
ببدنك؟! وأنه ضرب رجلين؛ إمامًا ومؤذنًا، كلّ واحدٍ ألفَ سوطٍ؛ لكونهما هدما بيتَ أصنامٍ، فاتخذاه مسجدًا. وأنَّه عنده كتاب "كليلة ودمنة"، وفيه الكفر، وهو محلّى بالجواهر والذهب، فاعتذر بأنه ورثه من أبيه. واتُّهم بأنَّ الأعاجم يكاتبونه (^١) فتقول: إلى إله الآلهة من عبيده، وأنَّه يقرُّهم على ذلك. فجعل يعتذر بأنه إنما أجراهم على ما كانوا يكاتبون به آباءه وأجداده، وخاف أن يأمرهم بترك ذلك فيتَّضع عندهم.
فقال له الوزير: ويحك! فإذا أبقيتَ لفرعون (^٢) حين قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤] وأنه كان يكاتب المازيار بأن يخرجَ عن الطاعة وأنه حئقه حتى ينصر دينَ المجوس الذي كان قديمًا، ويظهره على العرب والمغاربة والأتراك، وأنه كان يستطيب المخنوقة على المذبوحة، وأنه كان في كلّ يوم أربعاء يستدعي بشاة سوداء فيضربها بالسيف نصفين، ويمشي بينهما، ثم يأكلهما. فعند ذلك كُلِّه أمر المعتصم بُغا الكبير فسحبه (^٣) إلى سجنه مهانًا ذليلًا، فجعل يقول: أما (^٤) كنتُ أتوقع منكم ذلك.
وفي هذه السنة حمل عبد اللَّه بن طاهر الحسن بن الأفشين وزوجته أُتُرجَّة بنت أشناس إلى سامرَّاء.
وحجَّ بالناس فيها محمد بن داود.