في صفر منها دخل نَصْر بن شَبَث إلى بغداد، بعثه عبد اللَّه بن طاهر من الرقة، فدخلها ولم يتلقَّاه أحدٌ من الجند، بل دخل وحدَه، فأنزل في مدينة أبي جعفر، ثم حوِّل إلى موضعٍ آخر.
وفي هذا الشهر ظفر المأمونُ بجماعةٍ من كبراء مَن كان بايع إبراهيمَ بنَ المهدِيّ، فعاقبهم وحبسهم في المطبق.
ظهور ايراهيم بن المهدي بعد اختفائه: لمَّا كان ليلة الأحد لثلاث عشرة بقيت من ربيع الآخر منها، اجتاز إبراهيم بن المهديّ -وله مدّة ست سنين وشهور مختفٍ من المأمون، وهو متنقِّبٌ في زي امرأة، ومعه امرأتان- في بعض الدروب في أثناء الليل، فقام الحارسُ، فقال: إلى أين هذه الساعة؟ ومن أين؟ ثم أراد أن يمسكهنَّ، فأعطاه إبراهيمُ خاتمًا كان في يده من ياقوت، فلمَّا نظر إليه الحارس استراب، وقال: إنّما هذا خاتم رجلٍ كبير الشأن، فذهب بهنَّ إلى متولي الليل، فأمرهُنَّ أن يُسفرن عن وجوههن، فتمنَّع إبراهيمُ، فكشفوا عن وجهه فإذا هو هو، فعرفه، فذهب به إلى صاحب الجسر، فسلَّمه إليه،
_________________
(١) الحسن بن موسى البغدادي، الأشيب، أبو علي. حافظ، ثقة، قاضي الموصل، سير أعلام النبلاء (٩/ ٥٥٩).
(٢) هو عُبيد اللَّه بن عبد المجيد، الإمام الصدوق، أخو أبي بكر الحنفي. سير أعلام النبلاء (٩/ ٤٨٧).
(٣) حفص بن عبد اللَّه بن راشد السُّلمي، أبو عمرو النيسابوري، قاضيها، صدوق. تقريب التهذيب (١/ ١٨٦).
(٤) عثمان بن عمر بن فارس العَبْديّ، البصري. أصله من بُخارى. ثقة. كان يحيى بن سعيد لا يرضاه. تقريب التهذيب (٢/ ١٣).
(٥) يَعْلَى بن عُبيد بن أبي أميَّة، أبو يوسف الطَّنافِسيّ الكوفيّ. الحافظ، الثقة. سير أعلام النبلاء (٩/ ٤٧٦).
[ ١١ / ٤١ ]
فرفعه الآخر إلى نائب (^١) المأمون، فأصبح في دار الخلافة ونقابُه على رأسه، والمِلْحَفَةُ (^٢) في صدره، ليراه الناسُ، وليعلموا كيفَ أُخِذ. فأمر المأمون بالاحتفاظ به والاحتراسِ عليه مدَّةً، ثم أطلقه ورضي عنه (^٣).
هذا وقد صلب جماعة ممن كان سجنهم بسببه، لكنَّهم أرادوا الفَتْكَ بالموكّلين بالسجن، ويهربون منه، فصلَبَ منهم أربعةً.
وقد ذكروا: أنَّ إبراهيم بن المهدي لمَّا أُوقف بين يدي المأمون شرع في تأنيبه، فترقَّق له عمُّه إبراهيمُ كثيرًا، وقال: يا أميرَ المؤمنين! إنْ تعاقبْ فبحقِّك، وإن تعفُ فبفضلِكَ. فقال: بل أعفو يا إبراهيمُ! إنَّ القدرة تذهب بالحفيظة (^٤)، والندم توبة، وبينهما عفو اللَّه ﷿، وهو أكبر ما تسأله، فكبَّر إبراهيمُ وسجَدَ شكرًا للَّه ﷿.
وقد امتدح إبراهيمُ بنُ المهدي ابن أخيه المأمون بقصيدة بالَغَ فيها، فلمَّا سمعها المأمونُ، قال: أقولُ كما قال يوسف لإخوته: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: ٩٢].
وذكر الحافظ ابنُ عساكر (^٥): أنَّ المأمون لمَّا عفا عنه أَمَرَه أن يغنّيه شيئًا، فقال: إنِّي تركته. فأَمَرَه، فأخَذَ العُودَ في حجره، وقال:
هذا مقام مشرَّدٍ … خربَتْ منازلُهُ ودورُهْ
نمَّتْ عليه عداتُهُ … كذِبًا فعاقَبَهُ أميرُهْ
ثم عاد فقال (^٦):
ذهبْتُ مِن الدُّنيا وقد ذهبَتْ منِّي … لَوى الدَّهْرُ بي عنها ووَلَّى بها عَنِّي
فإنْ أبكِ نفسِي أبْكِ نَفسًا عَزِيزةَ … وإنْ أحتقِرْها أحتقِرْها على رَصْنِ (^٧)
_________________
(١) في ط والطبري: باب المأمون.
(٢) "المِلْحَفة": الملاءة التي تلتحف بها المرأة.
(٣) تاريخ الطبري (٨/ ٦٠٣).
(٤) "الحفيظة": الغضب.
(٥) تاريخ ابن عساكر (٢/ ٢٦٢ أ).
(٦) الأول والثاني في الأغاني (١٠/ ١٣٦)، وأشعار أولاد الخلفاء (ص ٢٢).
(٧) في ط: على ضفن. وفي الأغاني: وأشعار أولاد الخلفاء: وإن احتسِبْها أحتسِبْها على ضَنِّ.
[ ١١ / ٤٢ ]
وإنِّي وإنْ كنتُ المسيءَ (^١) بِعَيْنِهِ … فإنِّي بربِّي مُوقنٌ حَسَنُ الظنِّ (^٢)
عَدَوْتُ على نفسي فعادَ بعفوِهِ … عليَّ فعادَ العفوُ مَنًّا على مَنِّ
فقال المأمون: أحسنتَ يا أميرَ المؤمنين حقًّا. فرمَى العودَ من حجره ووثَبَ قائمًا فزعًا من هذا الكلام، فقال له المأمون: اقعد واسكن، مرحبًا بك، لم يكن ذلك لشيءٍ تتوهّمه، وواللَّه لا رأيتَ (^٣) طولَ أيامي شيئًا تكرهه وتغتمُّ به. ثم أمر له بردِّ جميع ما كان له من الأموال والضياع والدُّور، فردَّت إليه، وأمر له بعشرة آلاف دينار وخلَع عليه، وخرج من عنده مكرَّمًا معظّمًا.
عرس بُوران (^٤): وفي رمضان منها بنى المأمونُ ببوران بنت الحسن بن سهل، وقيل: إنه خرج من بغداد في رمضان إلى معسكر الحسن بن سهل بفَم الصِّلْح (^٥)، وكان [الحسن] قد عوفي من مرضه ذلك، فنزل المأمون عنده بمن معه من وجوه الأمراء والرؤساء وأكابر بني هاشم، فدخل ببوران في شوَّال من هذه السنة في ليلةٍ عظيمة، وقد أُشعلت بين يديه شموع العنبر، ونُثر على رأسه الدرُّ والجوهر، فوق حصر منسوجة بالذهب الأحمر. وقد كان عددُ الجوهر منه ألفَ درّةٍ، فأمر به فجمع في صينيته التي كان فيها من الذهب، فقالوا: يا أميرَ المؤمنين، إنَّما نثرناه لتلتقطه الجواري، فقال: لا أنا أعوّض من ذلك، فجمع ذلك كله.
فلمَّا جاءت العروسُ ومعها جَدّتها (^٦)، وزُبيدة أمّ الأمين -من جملة من جاء معها- فأُجلست إلى جانبه، فصبَّ في حِجْرها ذلك الجوهرَ، وقال: هذا نِحْلةٌ منّي لك، وسلي حاجتك، فأطرقت حياءً. فقالت جدَّتُها: تكلمي وسلي من سيدك ما أمرك به. فقالت: يا أمير المؤمنين، أسألك أنْ ترضَى عن عمِّك إبراهيمَ بنِ المهدي. وأن تردَّه إلى منزلته التي كان فيها قبل ذلك. فقال: نعم! قالت: وأمّ جَعفر -تعني: زُبيدة- تأذن لها في الحجّ. قال: نعم! فخلعت عليها زبيدة بذلتها (^٧) الأميرية، وأطلقت لها قرية مقوَّرة.
وأمَّا والدُ العروس الحسنُ بن سهل فإنَّه كتب أسماء قُراه (^٨) وضياعه وأملاكه في رقاع ونثرها على
_________________
(١) في أ، ظا: المسمّى وأثبت ما جاء في ب، ط.
(٢) في الأصول المخطوطة: فإني بربي تعالى جدّه حسن الظن، وهو تحريف.
(٣) ابن عساكر: لا رأيت مني.
(٤) ترجم لها المؤلف في حوادث سنة ٢٧١ هـ.
(٥) "فمُ الصِّلْح" نهر كبير فوق واسط، وفيه كانت دار الحسن بن سهل وزير المأمون. (ياقوت).
(٦) في أ، ب: جدّته، وأثبت ما جاء في ظا والطبري.
(٧) في الطبري: البَدَنة الأموية، ولعله الصواب. و"البَدَنة": الثوب يُشق فتلبسه المرأة من غير جيب ولا كُمَّيْن.
(٨) في الأصول: قراياه، وأثبت ما جاء في ط. وجمع القرية: القُرى، على غير قياس.
[ ١١ / ٤٣ ]
الأمراء ووجوه الناس، فمن وقعت في يده منها رقعة بعث إلى القرية التي فيها نوابه، فتسلَّمها (^١) ملكًا خالصًا. وأنفق على المأمون، ومن معه من الجيشِ في مدة مقامه عنده سبعة عشر يومًا ما يعادل خمسين ألفَ ألفِ درهمٍ.
ولمَّا أراد المأمونُ الانصراف من عنده أطلق له عشرة آلاف ألف درهم، وأقطعه البلده التي هو نازل بها، وهو إقليم فم الصِّلْح، مضافًا إلى ما بيده من الإقطاعات. ورجع المأمون إلى بغداد في أواخر شوال من هذه السنة.
وفي هذه السنة ركبَ عبدُ اللَّه بن طاهر إلى الديار المصرية فاستنقذها بأمر المأمون من يدي عُبَيْد (^٢) اللَّه بن السَّرِي بن الحكم المتغلب بها (^٣)، واستعادها منه بعد حروب يطول ذكرها (^٤).