لما تُوفي الرشيد بِطُوس في جُمادَى الآخرة من هذه السنة - أعني سنةَ ثلاثٍ وتسعين ومئة، كتب صالِحُ بن الرشيد إلى أخيه وفي العَهْد من بعدِ أبيه محمدٍ الأمين بن زُبيدة وهو ببغداد، يُعلِمُه بوفاةِ أبيه، ويُعَزِّيه فيه، فوصل الكتابُ صحبةَ رجاءٍ الخادم، ومعه الخاتمُ والقَضِيبُ والبُرْدَة يوم الخميس الرابع عشر من جُمادَى الآخرة. فركب الأمينُ من قصرهِ الخُلْد إلى قصر أبي جعفر المنصور -وهو قصرُ الذهَب- على شَطِّ بغداد، فصلَّى بالناس، ثم صَعِدَ المنبر، فخطَبَهم وعزَّاهم في الرشيد، وبسَطَ آمالَ الناس، ووعَدَهم الخير، فبايَعَه الخواصُّ من قومه، ووجوهُ بني هاشم، والأمراء، وأمرَ بصَرْفِ أُعطياتِ الجُند عن سنتَيْن، ثم نزَل. وأمَرَ عمَّهُ سُليمان بن جعفر أنْ يأخذَ له البيعةَ من بقيةِ الناس، فلما انتظم أمرُ الأمين، واستقام حالُه، حسَدَهُ أخوه المأمون، ووقَعَ الخُلْفُ بينهما على ما سنذكرهُ إنْ شاء اللَّه تعالى.