في هذه السنة كتب المأمون إلى نائبه ببغداد إسحاق بن إبراهيم بن مصعب يأمره أن يمتحن القضاة والمحدّثين بالقول بخلق القرآن، وأن يرسل إليه جماعة منهم إلى الرّقة. ونسخة كتاب المأمون إلى نائبه مطولة، قد سردها ابنُ جرير (^٤)؛ ومضمونها الاحتجاجُ على أنَّ القرآن محدث وليس بقديم، وعنده أن كلَّ محدث فهو مخلوق، وهذا أمرٌ لا يوافقه عليه كثيرٌ من المتكلمين ولا المحدثين، فإنَّ القائلين بأنه تعالى تقوم به الأفعال الاختيارية، لا يقولون بأنَّ فعله تعالى القائم بذاته المقدسه (^٥) بعد أن لم يكن مخلوقًا (^٦)، بل يقولون: هو محدَثٌ وليس بمخلوق، بل هو كلام اللَّه تعالى القائم بذاته المقدسة، وما كان قائمًا بالذات لا يكون مخلوقًا، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: ٢] (^٧). وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [الأعراف: ١١]. فالأمر منه بالسجود صدرَ منه تعالى بعد خلقه آدم، فالكلام القائم بالذات ليس بمخلوق، وهذا له موضع آخر.
وقد صنف البخاريُّ كتابًا في هذا المعنى سمَّاه "خلق أفعال العباد".
والمقصود أن الكتاب (^٨) لمَّا ورد بغداد قُرئ على الناس. وقد عيَّن المأمونُ جماعةً من المحدّثين
_________________
(١) في الأصول: ثماني عشرة بإثبات الياء، كالاسم المنقوص المضاف. وأثبت ما جاء في ط.
(٢) "الفَعَلَة": صفة غالبة على عَمَلةِ الطين والحفر ونحوهما؛ لأنَّهم يفعلون. اللسان: فعل.
(٣) في ط: ذكر أوَّل المحنة والفتنة.
(٤) تاريخ الطبري (٨/ ٦٣١).
(٥) في ط: المقدسة مخلوق، بل لم يكن مخلوقًا.
(٦) في ظا، ب: محدثًا.
(٧) وفي الأصول: من الرحمن محدث وهي الآية (٥) من سورة الشعراء. وقد أثبت ما جاء في ط.
(٨) في ط: أن كتاب المأمون.
[ ١١ / ٥٩ ]
ليحضرهم إليه؛ وهم: محمد بن سعد كاتب الواقديّ، وأبو مسلم، مستملي يزيد بن هارون (^١)، ويحيى بن معين، وأبو خيثمة زهير بن حرب، وإسماعيل بن داود، وإسماعيل بن أبي مسعود، وأحمد بن الدّورقيّ (^٢).
فبعث بهم إلى المأمون، إلى الرقة، فامتحنهم بالقول بخلق القرآن، فأجابوه إلى ذلك، وأظهروا موافقتَه وهم كارهون. فردَّهم إلى بغداد، وأمرَ بإشهار أمرهم بين الفقهاء، ففعل إسحاق بن إبراهيم ذلك.
وأحضر خلقًا من مشايخ الحديث والفقهاء والقضاة وأئمة المساجد وغيرهم، فدعاهم إلى ذلك عن أمر المأمون، وذكر لهم موافقة أولئك المحدّثين في ذلك، فأجابوا بمثل جواب أولئك. ووقعت بين الناس فتنةٌ عظيمةٌ، فإنّا للَّه وإنّا إليه راجعون.
ثم كتب المأمون كتابًا ثانيًا إلى إسحاق بن إبراهيم يستدلّ فيه على القول بخلق القرآن بشُبهِ من الدلائل لا تحقيق فيها، ولا حاصلَ لها، بل هي من المتشابهات، وأورد من القرآن آياتٍ هي حجة عليه لا له؛ أورده ابنُ جرير (^٣) بطوله. وأمر (^٤) أن يقرأ ذلك على أناس وأن يدعوهم إليه والقول به. فأحضر إسحاق بن إبراهيم جماعةً من الأئمة، وهم: أحمد بن حنبل، وقُتَيْبة، وأبو حسّان الزِّياديُّ، وبشر بن الوليد الكِندي، وعليّ بن أبي مُقاتل، وسَعْدُويه الواسطيّ، وعليّ بن الجَعْد، وإسحاق بن أبي إسرائيل، وابن الهِرْش، وابن عُلَيَّة الأكبر، ويحيى بن عبد الرحمن (^٥) العمري، وشيخ آخر من سلالة عمر، كان قاضيًا على الرقة، وأبو نَصر التَّمَّار، وأبو مَعْمَر القَطيعيّ، ومحمد بن حاتم بن ميمون، ومحمد بن نوح الجنديسابوري المضروب، وابن الفَرُّخان، [والنَّضْر بن شميل، وأبو علي بن عاصم، وأبو العوام الجزَّار (^٦)، وابن شجاع] (^٧)، وعبد الرحمن بن إسحاق، وجماعة (^٨).
فلمَّا دخلوا على إسحاق بن إبراهيم قرأ عليهم كتاب المأمون، فلما فهموه قال لبشر بن الوليد: ما تقولُ في القرآن؟ فقال: هو كلام اللَّه. قال: ليس عن هذا أسألك، إنما أسألك أهو مخلوقٌ؟ قال:
_________________
(١) في ط وأبو مسلم المستملي، ويزيد بن هارون، وهو تحريف.
(٢) الطبري (٨/ ٦٣٤).
(٣) تاريخ الطبري (٨/ ٦٣٢).
(٤) في ط: وأمر نائبه.
(٥) في ط: "عبد الحميد" محرف.
(٦) تحرفت نسبته في النسخ التي بين أيدينا على وجوه مختلفة، وما أثبتناه من كتب الرجال، وهو فائد بن كيسان الباهلي أبو العوام الجزار (ع).
(٧) ما بين قوسين من ظا، ب. وابن شجاع: هو محمد بن شجاع المرُّوذي، من رجال التهذيب.
(٨) تاريخ الطبري (٨/ ٦٣٧)، والكامل لابن الأثير (٦/ ٤٢٣).
[ ١١ / ٦٠ ]
ليس بخالق. قال: ولا عن هذا أسألك. فقال: ما أُحسن غيرَ هذا. وصمَّم على ذلك. فقال: أتشهد أن لا إلَه إلا اللَّه أحدًا فردًا، لم يكن قبله شيء ولا بعده شيء، ولا يشبهه شيء من خلقه في معنى من المعاني ولا وجهٍ من الوجوه؟ قال: نعم! فقال للكاتب: اكتب بما قال. فكتب.
ثم امتحنهم رجلًا رجلًا، فأكثرُهم امتنَعَ من القول بخلق القرآن، وإذا مانع الرجل منهم يمتحنه بالرقعة (^١) التي وافق عليها بِشْرُ بن الوليد الكِنديّ؛ من أنه تعالى لا يشبهه شيء من خلقه في معنًى من المعاني ولا وجهٍ من الوجوه، فيقول: نعم، كما قال [بِشر].
ولما انتهت النوبةُ إلى امتحان أحمد بن حنبل، قال له: أتقولُ إن القرآن مخلوق؟ فقال: القرآن كلامُ اللَّه، لا أزيد على هذا. قال: فما تقول في هذه الرقعة؟ فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. فقال رجلٌ من المعتزلة: إنه يقول: سميع بأُذن، بصير بعين. فقال له [إسحاق]: ما أردْتَ بقولك: سميع بصيرٌ؟ فقال: أردت منها ما أرادَه اللَّهُ منها، وهو كما وَصَفَ نفسَه، ولا أزيدُ على ذلك.
فكُتبتْ جواباتُ القوم، رجل (^٢) رجل، وبعث بها إلى المأمون.