كان العباس بن المأمون مع عمِّه المعتصم في غَزاة عَمُّوريَّة، وكان عُجَيف بن عَنبسة قد ندَّمه إذ لم يأخذ الخلافة بعد أبيه المأمون حين مات بطَرَسُوس، ولامه على مبايعته عمه المعتصم، ولم يزل به حتى أجابه إلى الفتك بعمه المعتصم وأخذ البيعة من الأمراء له، وجهَّز رجلًا يقال له: الحارث السمرقندي، كان نديمًا للعباس، فأخذ له البيعة من جماعة من الأمراء في الباطن، واستوثق منهم، وتقدَّم إليهم أنَّه متى (^٦) ما فتك بعمِّه فليقتل كلُّ واحد منهم من يقدر عليه من رؤوس أصحاب المعتصم، كالأفشين وأشناس وغيرهم من الكبار. فلمَّا كانوا بدرب الروم وهم قاصدون إلى أنقرة ومنها إلى عَمُّوريَّة، أشار عُجَيْف على العباس أن يقتلَ عمَّه في هذا المضيق ويأخذَ له البيعة ويرجعَ إلى بغداد، فقال العباس: إنِّي أكره أن أعطِّل على الناس هذه الغزوةَ، فلمَّا فتحوا عَمُّوريَّة، واشتغل الناس بالمغانم، أشار عليه أن يفتك
_________________
(١) في الطبري: صالح الروم.
(٢) في ك: فضربه، وفي الطبري: فقنَّعه سوطًا.
(٣) زيادة من ط.
(٤) في أ، ط: خمسة وعشرين يومًا، وأثبت ما جاء في ب، ظا، والطبري، وابن الأثير.
(٥) أخبار فتح عَمَّورية في تاريخ الطبري (٩/ ٥٧ - ٧٠)، والكامل لابن الأثير (٦/ ٤٨٠ - ٤٨٨).
(٦) في أ: أنه يلي ما قبل عمِّه، فليسل، وأثبت ما جاء في ب، ظا.
[ ١١ / ٨٨ ]
به، فوعده مضِيق الدّرب إذا رجعوا، فلما رجعوا فطن المعتصم بالخبر، فأمر بالاحتفاظ وقوَّةِ الحرس، وأخذ بالحزم، واجتهد في العزم، واستدعى بالحارث السمرقنديّ فاستقره فأقرَّ له بجليَّة الأمر، وأنَّه أخذ البيعة للعباس بن المأمون من جماعةٍ من الأمراء سمَّاهم له، فاستكثرهم المعتصم، واستدعى بابن أخيه العباس بن المأمون فقيَّده وغضب عليه وأهانه، ثم أظهر له أنه قد رضي عنه وعفا عنه، فأرسلَه من القيد وأطلق سراحه، فلمَّا كان من الليل استدعاه إلى حضرته في مجلسِ شرابه واستخلاه حتَّى سقاه، واستحكاه عن الذي كان قد دبَّره من الأمر، فشرح له القضية، وأنهى له القصة، فإذا الأمرُ كما ذَكَرَ الحارثُ السمرقنديّ.
فلمَّا أصبح استدعى بالحارث فأخلاه وسأله عن القضية ثانيًا، فذكرها له كما ذكرها أول مرة، فقال له: ويحك! إنِّي كنت حريصًا على ذلك، فلم أجد إلى ذلك سبيلًا بصدقك إياي في هذه القصة. ثم أمر المعتصم حينئذ بابن أخيه العباس فقيد وسُلِّم إلى الأفشين، وأمر بعُجَيْف وبقيّة من ذكر من الأمراء فاحتيط عليهم، فأحيط بهم، ثم أخذ في أنواع النقمات يقترحها لهم، فقتل كلَّ إنسانٍ منهم بنوعٍ من القتلات، ومات العباس بن المأمون بمَنْبج فدفن هناك، وكان سبب موته أنه جاع جوعًا شديدًا، ثم جيء بأكل كثير فأكل، وطلب الماء، فمنع منه حتى مات. وأمر المعتصم بلعنه على المنابر وسمَّاه اللعين. وقتل جماعةً من ولد المأمون أيضًا (^١).
وفتحت فيها عَمُّوريَّة كما تقدَّم.
وحجَّ بالناس في هذه السنة محمد بن داود.