وفي يوم الخميس لساعتين مضتا منه، الثامن عشر من ربيع الأول من هذه السنة، كانت وفاة أبي إسحاق محمد المعتصم بن هارون الرشيد بن المهدي بن المنصور.
وهذه ترجمة الخليفة المعتصم (^٣): هو أمير المؤمنين أبو إسحاق محمد المعتصم بن أمير المؤمنين هارون الرشيد بن أمير المؤمنين محمد بن أمير المؤمنين أبي جعفر عبد اللَّه المنصور بن محمد بن علي بن عبد اللَّه بن العباس، ويقال له: المثمَّن؛ لوجوهٍ، منها: أنه ثامن ولد العباس؛ ومنها: أنه ثامن الخلفاء من ذريته؛ ومنها: أنه فتح ثمان فتوحات؛ [بلاد بابك، على يدي الأفشين، وعَمُّوريَّة بنفسه، والزُّطّ بعُجَيف، وبَحر البصرة، وقلعة الأجراف، وأعراب ديار ربيعة، والشارك، وفتح مصر بعد عصيانها. وقيل: ثمانية أعداء؛ بابك، ومازيار، وياطى الرومي، والأفشين، ورئيس الزنادقة، وعُجَيف، وقارن، وقائد الرافضة] (^٤): ومنها: أنه أقام في الخلافة ثماني سنين وثمانية أشهر وثمانية أيام، وقيل: ويومين؛ وأنه ولد سنة ثمانين ومئة في شعبان، وهو الشهر الثامن؛ ومنها: أنه توفي وله من العمر ثمانية (^٥) وأربعون سنة؛ ومنها: أنه خلف ثمانية بنين وثماني بنات؛ ومنها: أنه دخل بغداد من الشام وهو خليفة في مستهل رمضان سنة ثماني عشرة ومئتين، بعد استكمال ثمانية أشهر من السنة، بعد موت أخيه المأمون بطَرَطُوس، كما تقدَّم.
قالوا: وكان أُمِّيًا لا يحسن الكتابة، وكان سبب ذلك أنه كان يتردد معه إلى الكتَّاب غلامٌ، فمات، فقال لأبيه: مات فلان واستراح من الكتّاب، فقال له أبوه الرشيد: لا تذهب إلى الكتَّاب
_________________
(١) تاريخ الطبري (٩/ ١١٦ - ١١٨) وابن الأثير (٦/ ٥٢٢ - ٥٢٣).
(٢) زيادة من ب، ظا. تاريخ ابن عساكر (ج ١٩/ ورقة ١٥/ ب).
(٣) تاريخ الطبري (٩/ ١١٨ - ١٢٣)، تاريخ بغداد (٣/ ٣٤٢)، الكامل لابن الأثير (٦/ ٤٣٩ و٥٢٣)، سير أعلام النبلاء (١٠/ ٢٩٠)، فوات الوفيات (٤/ ٤٨)، الوافي بالوفيات (٥/ ١٣٩)، تاريخ الخلفاء (٣٣٩ - ٣٤٥)، شذرات الذهب (٢/ ٦٣).
(٤) ما بين قوسين زيادة من (ب، ظا) والخبر في تاريخ بغداد (٣/ ٣٤٣) وسير أعلام النبلاء (١٠/ ٣٠٢).
(٥) كذا في الأصول، وحقها: ثمان وأربعون.
[ ١١ / ١٠٢ ]
بعدها، فتركوه فكان أميًّا. وقيل: بل كان يكتب كتابةً ضعيفةً (^١).
وقد أسند الخطيب (^٢) البغداديّ من طريقه عن آبائه حديثين منكرين؛
أحدهما: في ذم بني أمية ومدح بني العباس من الخلفاء.
والثاني: في النهي عن الحِجامة يومَ الخميس.
وذكر بسنده (^٣) عن المعتصم: أنَّ ملك الروم كتب إليه كتابًا يتهدَّدُه فيه، فقال للكاتب: اكْتُبْ: "قد قرأتُ كتابَك وسمعت خطابَكَ، والجوابُ ما تَرى لا ما تسمَعُ ﴿وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: ٤٢] ".
قال الخطيب (^٤): غزا المعتصم بلاد الروم في سنة ثلاث وعشرين ومئتين، فأنْكَى نكايةً عظيمة في العدوِّ، ونصب على عَمُّوريّة المجانيق، وأقام عليها حتى فتحها ودخلها، فقتل فيها: ثلاثين ألفًا، وسبَى مثلهم، وكان في سبيه ستون بطريقًا، وطرح النار في عَمُّوريَّة من سائر نواحيها، فأحرقها، وجاء ببابها إلى العراق، وهو باقٍ حتى الآن، منصوب على أحد أبواب دار الخلافة مما يلي المسجد الجامع في القصر.
وروى عن أحمد بن أبي دُواد القاضي أنه قال: ربَّما أخرج المعتصمُ ساعدَه إليَّ، وقال لي: عضَّ يا أبا عبد اللَّه بكل ما تقدر عليه، فأقول: إنه لا تطيبُ نفسي يا أميرَ المؤمنين! فيقول: إنه لا يضرُّني. فأكْدِم (^٥) بكلِّ ما أقدرُ عليه فلا يؤثِّر ذلك في يده (^٦).
وقال: مَرَّ يومًا في خلافة أخيه بمخيَّم الجندِ، فإذا امرأة تقول: ابني ابني فقال: ما شأنُكِ؟ فقالت: أخذه صاحبُ هذه الخيمة، فجاء إليه المعتصم، فقال له: أطلق هذا الصبي! فامتنع عليه، فقبض على
_________________
(١) تاريخ بغداد (٣/ ٣٤٣)، وتاريخ الخلفاء (٣٣٩).
(٢) ذكر حديث ذم بني أميّة الخطيب البغدادي في تاريخه (٣/ ٣٤٣) والحافظ السيوطي في تاريخ الخلفاء (ص ٣٣٩) في ترجمة المعتصم، وقال في آخره: قلت: الحديث موضوع، وآفته الغلابي. في تاريخ الخلفاء العلائي، وهو تصحيف. والغلابي هذا هو: محمد بن زكريا الغلابي البصري الأخباري، وهو ضعيف وقال الدارقطني: يضع الحديث. والحديث الآخر: من احتجم يوم الخميس، فمرض فيه مات فيه. ذكره الحافظ السيوطي في الجامع الصغير من رواية ابن عساكر عن ابن عباس، وذكره السيوطي في تاريخ الخلفاء صفحة (٣٣٩) عن ابن عساكر بسنده، وإسناده ضعيف.
(٣) تاريخ بغداد (٣/ ٣٤٤).
(٤) تاريخ بغداد (٣/ ٣٤٤).
(٥) الكدم: العضُّ، وفي تاريخ بغداد: فأروم ذلك.
(٦) تاريخ بغداد (٣/ ٣٤٦)، سير أعلام النبلاء (١٠/ ٣٠٣).
[ ١١ / ١٠٣ ]
جسده بيده، فسُمع صوتُ عظامه من تحت يده، ثم أرسلَه، فسقَطَ ميتًا، وأمر بإخراج الصبيّ إلى أمة (^١).
ولمَّا ولي الخلافة كان شَهْمًا في أيامه، له همة عالية، ومهابة عظيمة جدًا. وقال بعضهم: إنما كانت همته [في الإنفاق] (^٢) في الحرب لا في البناء ولا في غيره.
وقال القاضي أحمد بن أبي دُواد: تصدَّقَ المعتصم على يديَّ، وهب ما قيمته مئة ألف ألف درهم (^٣).
وقال غيره: كان المعتصم إذا غضبَ لا يبالي مَنْ قَتَل ولا ما فعل (^٤).
وقال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: دخلتُ يومًا على المعتصم وعنده قَيْنةٌ له تغنيه، فقال لي: كيف تراها؟ فقلت: يا أمير المؤمنين! أراها تقهَرُه بحِذْقٍ، وتختله برِفقٍ، ولا تخرُجُ من شيء إلا إلى أحسنَ منه، وفي صوتها قطع شُذُور أحسنُ من نظم الدُّرِّ على النُّحور. فقال: واللَّه لَصِفَتُكَ لها أحسنُ منها ومن غنائها، ثم قال لابنه هارون الواثق وليّ عهده من بعده: اسمع هذا الكلام (^٥).
وقد استخدم من الأتراك خَلْقًا عظيمًا، كان له من المماليك قريبٌ من عشرين ألفًا. وتمَّ له من آلات الحرب والدواب ما لم يتفق لغيره.
ولمَّا حضرته الوفاةُ جعل يقول: ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾ [الأنعام: ٤٤]. وقال: لو علمت أن عمري قصيرٌ ما فعلْتُ ما فعلْتُ. وقال: إني أوخذ من بين هذا الخلق. وجعل يقول: ذهبَت الحيل، فليست حيلة.
ورُوي عنه أنه قال في مرض موته: اللَّهُمَّ إني أخافُكَ مِنْ قِبَلى ولا أخافُكَ مِن قِبَلِك، وأرجوك من قِبَلِك، ولا أرجُوكَ مِن قِبَلِي (^٦).
وكانت وفاته "بسرَّ مَنْ رأى" في يوم الخميس ضحّى لسبعَ عشرةَ خَلَتْ من ربيع الأول من هذه السنة، أعني سنة سبعٍ وعشرين ومئتين، وكان مولده يوم الإثنين لعشر خلون من شعبان سنة ثمانين ومئة، وولي الخلافة في رجب سنة ثماني عشرة ومئتين.
_________________
(١) المصدر السابق.
(٢) زيادة في ب، ظا، ط.
(٣) تاريخ الطبري (٩/ ١٢٣).
(٤) الطبري (٩/ ١٢١)، وابن الأثير (٦/ ٥٢٦).
(٥) تاريخ الطبري (٩/ ١٢٢)، وسير أعلام النبلاء (١٠/ ٣١٣).
(٦) تاريخ بغداد (٣/ ٣٤٦)، سير أعلام النبلاء (١٠/ ٣٠٦).
[ ١١ / ١٠٤ ]
وكان المعتصم أبيضَ، أصهبَ (^١) اللحية طويلها، مربوعًا، مُشْرَبَ اللون.
أمُّه أمُّ ولد اسمُها مارِدة. وهو أحدُ أولاد ستةٍ من أولاد الرشيد، كلٌّ منهم اسمُه محمد، وهم: أبو إسحاق المعتصم، وأبو العباس الأمين، وأبو عيسى، وأبو أحمد، وأبو يعقوب، وأبو أيوب؛ قاله هشام بن الكلبي (^٢).
وقد قام بالخلافة بعدَه ولدُه هارون الواثق.
ذكر ابن جرير أن وزيره محمد بن عبد الملك بن الزيات رثاه، فقال (^٣):
قَد قُلْتُ إذْ غَيَّبُوكَ واصطَفَقَتْ … عَلَيْكَ أيدي (^٤) التُّراب والطِّينِ
اذهَبْ فنِعمَ الحفيظُ كنْتَ على الـ … ـدُّنْيا ونِعْمَ الظهيرُ للدِّينِ
لا جَبَرَ اللَّهُ أُمَّةً فَقَدَتْ … مِثلَكَ إلا بمِثْلِ هارُونِ
وقال مَرْوان بن أبي الجنوب، وهو ابن أخي مروان ابن أبي حَفْصة (^٥):
أبو إسحاقَ ماتَ ضُحًى فمِتْنا … وأمْسَيْنا بهارُونٍ حَيينا
لئنْ جاءَ الخميسُ بما كرهنا … لقَدْ جَاءَ الخميسُ بما هَوِينا