هو محمد الأمين بن هارون الرشيد بن محمد المهدي بن أبي جعفر المنصور عبد اللَّه بن محمد بن علي بن عبد اللَّه بن عباس بن عبد المطلب، أبو عبد اللَّه، ويقال أبو موسى الهاشمي العباسي، وأمُّه أمُّ جعفر زُبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور. كان مولدُه بالرُّصافة سنةَ سبعين ومئة.
قال أبو بكر بنُ أبي الدنيا: حدّثنا عباس (^٢) بن هشام عن أبيه قال: ولد محمد الأمين بنُ هارون الرشيد في شوال سنة سبعين ومئة. وأتته الخلافةُ بمدينة السلام بغداد لثلاثَ عشرةَ ليلة بقيتْ من جُمادى الآخرة سنة ثلاثٍ وتسعين، وقيل: ليلةَ الأحد لخمسٍ بَقِينَ من المحرَّم، وقُتل سنةَ ثمانٍ وتسعين ومئة، قتله قريش الدَّنْدَاني، وحمل رأسَهُ إلى طاهرِ بن الحسين، فنصبه على رمح، وتلا هذه الآية: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ [آل عمران: ٢٦]، وكانت ولايتُهُ أربعَ سنين وسبعةَ أشهر وثمانيةَ أيام. وكان طويلًا سمينًا أبيض، أقْنَى الأنف، صغيرَ العينَيْن، عظيمَ الكراديس، بعيدَ ما بينَ المَنْكِبَيْن، وقد رماه بعضُهم بكثرةِ
_________________
(١) ترجمته في تاريخ بغداد (٣/ ٣٣٦)، المنتظم لابن الجوزي (٩/ ٢١٨)، سير أعلام النبلاء (٩/ ٣٣٤)، تاريخ الخلفاء (٢٩٧).
(٢) في (ق): عياش بن هشام، وهو تصحيف، وسقط الاسم من (ب) وليس الخبر في (ح)، والتصحيح من تاريخ بغداد (٣/ ٣٣٧). وترجمة أبيه في لسان الميزان (٦/ ١٩٦)، وهو العباس بن هشام بن محمد بن السائب الكلبي، وهو شيخ لابن أبي الدنيا.
[ ١٠ / ٥٣٧ ]
اللعب والشُّرب، وقِلَّةِ الصلاة. وقد ذكر ابنُ جرير طرفًا من سيرته (^١) في إكثاره من اقتناء السُّودان والخِصْيَان، وإعطائه الأموالَ والجواهر، وأمْرِهِ بإحضارِ الملاهي والمغنِّين من سائر البلاد، وأنه أمَرَ بعمَلِ خمسِ حرَّاقاتٍ على صورةِ الفيلِ والأسدِ والعُقاب، والحيَّةِ والفرس، وأنفق على ذلك أموالًا جزيلةً جدًّا، وقد امتدَحَهُ أبو نواس بشعرٍ أقبحَ في معناه من صنيعِ الأمين، فإنه قال في أوله:
سخَّرَ اللَّه للأمينِ مطايا … لم تُسَخَّرْ لصاحبِ المحرابِ
فإذا ما رِكابُهُ سِرْنَ بَرًّا … سار في الماء راكبًا ليثَ غابِ (^٢)
ثم وصف كلًّا من تلك الحرَّاقات، واعتنى الأمين ببنايات هائلة، للنُّزْهَة وغيرِها، وأنفق في ذلك أموالًا كثيرةً جدًّا، فكثُرَ النَّكيرُ عليه بسببِ ذلك.
وذكر ابنُ جرير (^٣) أنَّه جلس يومًا في مجلس أنفق عليه مالًا جزيلًا في الخُلد، وقد فُرش له بأنواع الحرير، ونُضِّد بآنيةِ الذهبِ والفضة، وأحضر نُدَماءه، وأمر القَهْرَمانةَ أنْ تُهيِّئ له مئةَ جاريةٍ حسناء، وأمرها أن تبعثَهن إليه عشرًا بعد عشرٍ يُغَنِّينَه، فلما جاءتِ العشرُ الأُوَل اندفَعْنَ يُغَنينَ بصوتٍ واحد:
همو قتلوهُ كي يكونوا مكانَهُ … كما غدرَتْ يومًا بكِسْرى مَرَازِبُهْ
فغضب من ذلكَ وتبَرَّم، وضرب رأسَها بالكأس، وأمر بالقَهْرمانة أنْ تُلقَى إلى الأسد فأكلها. ثم استدعى بعشرةٍ فاندفَعْنَ يُغَنِّين:
منْ كان مسرورًا بمقتلِ مالكٍ … فليأتِ نسوتَنا بوَجْهِ نَهارِ
يجدِ النساء حواسرًا يَنْدُبْنَهُ … يَلْطِمْنَ قبلَ تَبَلُّجِ الأسحارِ
فطردَهُنَّ واستدعى بعشرٍ غيرِهنّ، فلما حضَرْنَ اندفَعْنَ يُغَنينَ بصوتٍ واحد:
كُليبٌ لعَمْرِي كان أكثرَ ناصرًا … وأيسَرَ ذنبًا منكَ ضُرِّجَ بالدَّمِ
فطرَدَهنَّ وقام من فورِه، وأمر بتخريبِ ذلك المجلس، وتحريقِ ما فيه.
وذكر (^٤) أنه كان كثيرَ الأدب، فصيحًا يقولُ الشعر، ويُعطي عليه الجوائزَ الكثيرة، وكان شاعرُه أبا نواس، وقد قال فيه أبو نُوَاس مدائحَ حسانًا، وقد وجدَهُ مسجونًا في حبسِ الرشيدِ مع الزنادقة، فأحضرَهُ وأطلقه، وأطلق له مالًا وجعلَهُ من ندمائه. ثم حبسه مرَّةً أخرى في شُرب الخمر، وأطال
_________________
(١) انظر تاريخ الطبري (٥/ ١١٠) وما بعدها.
(٢) البيتان في ديوان أبي نواس ص (٨٣).
(٣) في تاريخه تاريخ الطبري (٥/ ١١٣، ١١٤).
(٤) يعني الطبري في تاريخه (٥/ ١١٤) وما بعدها.
[ ١٠ / ٥٣٨ ]
حبسَه، ثم أطلقَهُ وأخذ عليه العهدَ أن لا يشربَ الخمر، ولا يأتي الذُّكور من المُرْدان، فامتثل ذلك، وكان لا يفعلُ شيئًا من ذلك بعدَ ما استتابه الأمين. وقد تأدَّب على الكِسَائي، وقرأ عليه القرآن. وروى الخطيبُ من طريقِه (^١) حديثًا أورده عنه لَمَّا عُزِّي في غلامٍ له تُوفي بمكة فقال: حدثني أبي عن أبيه، عن المنصور، عن أبيه، عن علي بن عبدِ اللَّه، عن أبيه قال: سمعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "مَنْ ماتَ مُحْرِمًا حُشِرَ مُلَبِّيًا" (^٢).
وقد قدَّمنا ما وقع بينه وبين أخيه من الاختلاف والفُرقة حتى أفضى ذلك إلى خَلْعِه وعَزْله، ثم إلى التضييق عليه، ثم إلى قتله، وأنه حُصر في آخر أمرِه حتى احتاج إلى مُصانعةِ هَرْثَمة، وأنه أُلقي في حرَّاقة ثم أُلقي منها فسبَح إلى الشطِّ الآخر، فدخل دارَ بعضِ العامَّة، وهو في غايةِ الخوف والدَّهَشِ والجوعِ والعُرْي، فجعل الرجلُ يُلقِّنه الصبرَ والاستغفار، فاشتغل بذلك ساعةً من الليل، ثم جاء الطلَبُ وراءه من جهةِ طاهرِ بن الحسين بن مُصْعب، فدخلوا عليه وكان البابُ ضيقًا، فتدافعوا عليه، وقام إليهم فجعَلَ يُدافعُهم عن نفسِه بِمخدَّةٍ في يدِه، فما وصلوا إليه حتى عرقبوه، وضربوا رأسَه أو خاصرتَهُ بالسيوف، ثم ذبحوه وأخذوا رأسَه وجُثَّته، فأتَوْا بهما طاهرًا، ففَرِح بذلك فرحًا شديدًا، وأمر بنَصْبِ الرأسِ فوقَ رُمْحٍ هناك، حتى أصبح الناسُ فنظروا إليه فوق الرمح عند بابِ الأنبار. وكثر عددُ الناس ينظرون إليه، ثم بعث طاهرٌ برأسِ الأمينِ مع ابنِ عمِّه محمد بن مصعب، وبعث معه بالبُرْدَةِ والقضيبِ والنَّعْل، وكان من خُوصٍ مُبَطَّن، فسلَّمَهُ إلى ذي الرِّيَاستَيْن، فدخل به على المأمون على تُرْس، فلما رآه سجد، وأمر لمن جاء به بألفِ ألفِ درهم. وقد قال ذو الرياستَيْن حين قدم الرأس يُؤلِّب على طاهر: أمرناه بأن يأتيَ به أسيرًا، فأرسل به إلينا عَقِيرًا! فقال المأمون: مضى ما مضى، وكتب طاهرٌ إلى المأمون كتابًا ذكرَ فيه صورةَ ما وقع حتى آلَ الحالُ إلى ما آلَ إليه. ولما قُتل الأمين هدَأتِ الفِتَن، وخمدتِ الشرور، وأمن الناس، وطابتِ النفس، ودخل طاهر بغدادَ يومَ الجمعة، وخطبهم خُطبةً بليغة، ذكر فيها آيات كثيرةً من القرآن، وأنَّ اللَّه يفعَلُ ما يشاء، ويحكُمُ ما يُريد، وأمرهم فيها بالجماعةِ والسمعِ والطاعة، ثم خرج إلى معسكرهِ فأقام به، وأمر بتحويلِ زُبيدةَ من قصرِ أبي جعفر إلى قصر الخُلد، فخرجتْ يومَ الجمعةِ الثاني عشر من ربيعِ الأول من هذه السنة، وبعث بموسى وعبدِ اللَّه ابنَي الأمين إلى عمّهما المأمون بخراسان، وكان ذلك رأيًا سديدًا. وقد وثب طائفة من الجند على طاهر بعدَ خمسةِ أيام من مقتلِ الأمين، وطلبوا منه أرزاقَهم، فلم يكنْ عندَهُ إذْ ذاك مال، فتحزَّبوا واجتمعوا، ونَهبوا بعضَ متاعِه، ونادَوا: يا موسى، يا منصور، واعتقدوا أنَّ موسى بن الأمين الملقَّب بالناطق هناك، وإذا هو قد سيَّرَهُ إلى عمِّه. وانحاز طاهرٌ بِمَنْ معه من القوَّاد ناحيةً، وعزَمَ على قتالِهم بِمَنْ معه. ثم رجعوا إليه واعتذروا ونَدِموا. فأمر لهم برِزْقِ أربعة
_________________
(١) في تاريخ بغداد (٣/ ٣٣٨).
(٢) وذكره المناوي في فيض القدير (٦/ ٢٢٥)، وعزاه إلى الخطيب، وهو حديث ضعيف.
[ ١٠ / ٥٣٩ ]
أشهر بعشرينَ ألفَ دينار، اقترَضَها من بعضِ الناس، فطابتِ الخواطر. ثم إنَّ إبراهيم بن المهدي قد أسِفَ على قَتْل محمدٍ الأمينِ بن زُبيدة، ورثاهُ بأبيات، فبلغ ذلك المأمون، فبعث إليه يُعنِّفُه ويَلُومُه على ذلك. وقد ذكر ابنُ جرير مراثِيَ كثيرةً للناس في الأمين (^١)، وذكر من أشعارِ الذين هجَوْه طرَفًا، وذكر من شعر طاهر بن الحسين حين قتله قوله:
ملكتَ النَّاسَ قَسْرًا واقتِدارا … وقَتَّلْتَ الجبابرةَ الكِبَارا
ووجَّهْتَ الخلافةَ نحوَ مَرْوٍ … إلى المأمونِ تبتدرُ ابتِدَارا