قد تقدَّم: أن إسحاق بن إبراهيم نائب بغداد لمَّا امتحن الجماعة في القول بخلق القرآن، ونفي التشبيه، فأجابوا كلُّهم إلى نفي المماثلة. وأما القولُ بخلق القرآن فامتنعوا من ذلك، وقالوا كلهم: القرآن كلام اللَّه. قال الإمام أحمد: ولا أزيدُ على هذا حَرْفًا أبدًا، وقرأ في نفي المماثلة: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، فقالوا: ما أردْتَ بقولك: السَّميع البصير؟ فقال: أردْتُ منها ما أراد اللَّه منها.
وكان من الحاضرين من أجاب إلى القول بخلق القرآن مُصانعة مكرهًا؛ لأنَّهم كانوا يعزِلون مَن لا يجيبُ عن وظائفه، وإن كان له رِزْقٌ على بيت المال قُطِعَ، وإن كان مفتيًا مُنع من الإفتاء، وإن كان شيخَ حديثٍ، رُدِعَ عن الإسماع والأداء. ووقعت فتنة صمَّاء، ومحنة شنعاء، وداهية دهياء، فلا حولَ ولا قوَّة إلا باللَّه العلي العظيم، العزيز الحكيم.
وأمر النائبُ إسحاق بن إبراهيم للكاتب فكتب عن كُلِّ واحدٍ منهم جوابه بعينه، وبعث به إلى
_________________
(١) ظا، ب: بما في الرقعة.
(٢) في ط: رجلًا رجلًا.
[ ١١ / ٦١ ]
المأمون، فجاء الجواب يمدح النائب على ما فعل، والرد على كل فردٍ فردٍ فيما قال. وأمر نائبه أن يمتحنهم أيضًا، فمن أجاب منهم شهر أمره في الناس، ومن لم يجب منهم إلى القول بخلق القرآن فابعث به إلى عسكر أمير المؤمنين مقيَّدًا محتفظًا به حتَّى يصل إلى أمير المؤمنين، فيرى به رأيه، ومن مذهبه (^١) أن يضرب عنق من لم يقل بخلق القرآن. فعقد الأميرُ ببغداد مجلسًا آخر، وأحضر أولئك وفيهم إبراهيم بن المهديّ، وكان صاحبًا لبشر بن الوليد الكِنديّ، وقد نصَّ المأمون على قتلهما إن لم يجيبا على الفور، فلمَّا امتحنهم إسحاق بن إبراهيم ثانيًا بعد قراءة كتاب الخليفة أجابوا كلهم مكرهين متأوِّلين قولَه تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٦]، إلَّا أربعةً، [وهم]: أحمد بن حنبل، ومحمد بن نوح، والحسن بن حمّاد سَجَّادة، وعُبَيد اللَّه بن عمر القَوَاريري. فقيَّدهم وأرصدهم ليبعث بهم إلى الخليفة، ثم استدعَى بهم في اليوم الثاني فامتحنهم، فأجاب سَجَّادة إلى القول بخلق القرآن، فأطلق قيده وأطلقه. ثم امتحنهم في اليوم الثالث، فأجاب القَواريريُّ إلى ذلك أيضًا فأطلق قيدَه أيضًا وأطلقه. وأصرَّ أحمد بن حنبل، ومحمد بن نوح الجنديسابوري على الامتناع من ذلك، فأكَّد قيودَهما، وجمعهما في الحديد، وبعث بهما إلى الخليفة وهو بطَرَسُوسَ، وكتب معهما كتابًا بإرسالهما إليه فسارا مقيَّدين في محارة على جمل متعادلين، ﵄.
وجعل الإمام أحمد يدعو اللَّه ﷿ ألا يجمعَ بينهم (^٢) وبين المأمون، وألا يرياه ولا يراهما. وجاء كتاب المأمون إلى إسحاق بن إبراهيم، وفيه: أنه قد بلغني أن القوم إنما أجابوا مكرَهين متأولين قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦]. وقد أخطؤوا في ذلك خطأً كبيرًا، فأرسلهم كلهم إلى أمير المؤمنين.
فاستدعاهم إسحاق بن إبراهيم، وألزمهم بالمسير إلى طَرَسُوس، فساروا إليها، فلمَّا كانوا ببعض الطريق بلغهم وفاة المأمون، فرُدُّوا إلى الرّقَّة، ثم أذن لهم بالرجوع إلى بغداد. وكان أحمد بن حنبل، وصاحبه محمد بن نوح قد سبقا الناس، ولكن لم يجتمعا به حتى مات، واستجاب اللَّه من عبده ووليه أحمد بن حنبل، ﵀، فلم يجتمعوا بالمأمون، ورُدُّوا إلى بغداد.
وسيأتي تمام ما وقع من الأمر الفظيع في أول ولاية المعتصم بن الرشيد، وتمام الكلام فيها في ترجمة الإمام أحمد بن حنبل عند ذكر وفاته في سنة إحدى وأربعين ومئتين، وباللَّه المستعان.
_________________
(١) في ط: ومن رأيه.
(٢) في ط: بينهما.
[ ١١ / ٦٢ ]