أبو عبد اللَّه محمد بن إدريس الشافعي (^٤): وقد أفردنا له ترجمةً مطولة في أوَّل كتابنا "طبقات الشافعيين"، ولنذكر هاهنا ملخصًا من ذلك، وباللَّه المستعان.
هو الإمام العالم أبو عبد اللَّه بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السَّائب بن عُبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المُطَّلب بن عبد مَنَاف بن قُصَيّ، القرشي المطلبي، والسَّائب بن يزيد أسلم يوم بدر، وابنه شافع بن السَّائب من صغار الصحابة، وأمُّه أزدية. وقد رأت حين حملت بالشافعي كأنَّ المشتري خرج من فرجها حتى انقضَّ بمصر، ثم وقع في كل بلدٍ [منه] (^٥) شَظِيَّةٌ.
_________________
(١) = معجم الأدباء (١٩/ ٢٢٦)، وسير أعلام النبلاء (٢٠/ ٥٤٦)، حوادث سنة ٥٦٧ والأعلام (٨/ ٢٤)، وفي الأخير ترجمة مطولة له.
(٢) "القَفيز": مكيال، وهو ثمانية مكاكيك عند أهل العراق، والجمع أقفزة.
(٣) "المَكُّوك": مكيال، صاع ونصف، والجمع مكاكيك، وربَّما قيل: مَكَاكيُّ، على البدل كراهية التضعيف، ومنعه ابن الأنباري. المصباح المنير، واللسان.
(٤) في ط: "عبيد اللَّه بن الحسين بن عبد اللَّه"، تحريف، وما أثبتناه كما في تاريخ الطبري (٨/ ٥٧٦).
(٥) ترجمته ومصادرها في سير أعلام النبلاء (١٠/ ٥ - ٩٩). وترجمه الفاسي في العقد الثمين مرتين (٥/ ٣٠٥) فسمى أباه "الحسن" مرة، و"الحسين" مرة أخرى، وهو ينقل من تاريخ الطبري، وسيأتي اسم أبيه "الحسن" في أحداث زيادة سنة ٢٠٥ هـ.
(٦) زيادة في ب، ظا.
[ ١١ / ١٣ ]
وقد ولد الشافعي بغزة، وقيل: بعَسْقَلان، وقيل: باليمن سنة خمسين ومئة، ومات أبوه وهو صغير، فحملته أمه إلى مكة وهو ابن سنتين لئلا يضيع نسبُه، فنشأ بها، وقرأ القرآن وهو ابنُ سبع [سنين] (^١)، وحفظ "الموطأ" وهو ابنُ عشر، وأفتى وهو ابن خمس عشرة سنة. وقيل: ابن ثماني عشرة سنة، أذِنَ له شيخهُ مسلم بن خالد الزَّنجيُّ (^٢)، وعُني باللغة والشعر، وأقام في هذيل نحوًا من عشر سنين، وقيل: عشرين سنة، فتعلَّم منهم لغاتِ العربِ وفصاحتها، وسمع الحديث الكثير على جماعة من المشايخ والأئمة، وقرأ بنفسه "الموطَّأ" على مالك من حفظه، وأعجبته قراءته وهِمَّته، [وأخذ عنه علم الحجاز من بعد أخذه عن مسلم بن خالد] (^٣).
وأخذ عنه خلقٌ كثيرٌ قد ذكرنا (^٤) أسماءهم مرتبين على حروف المعجم.
وقرأ القرآن على إسماعيل بن قُسْطَنطين، عن شِبْلٍ، عن ابن كثير، عن مجاهدٍ، عن ابن عبّاس، عن أُبَيّ بن كعبٍ، عن رسول اللَّه ﷺ، عن جبريلَ، عن اللَّه ﷿.
وأخذ الشافعيُّ الفقه عن مسلم بن خالد، عن ابن جُرَيْج، عن عطاء، عن ابن عباس وابن الزبير وغيرهما، عن جماعة من الصحابة؛ منهم: عمر وعلي (^٥) وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وغيرهم. وكلُّهم عن رسول اللَّه ﷺ. وتفقَّه أيضًا على مالك عن مشايخه.
وتفقَّه به جماعةٌ قد ذكرناهم ومَن بعدهم إلى زماننا في تصنيفٍ مفردٍ، وللَّه الحمد والمنَّة.
وقد روى ابنُ أبي حاتم، عن أبي بشر الدولابي، عن محمد بن إدريس ورَّاقِ الحُميدي، عن الحُميدي، عن الشافعيِّ: أنَّه ولي الحكم بنجران من أرض اليمن، ثم تعصَّبوا عليه ووشَوْا به إلى الرشيد هارون أنه يَرُومُ الخلافة، فحُمِلَ على بغلٍ في قيدٍ إلى بغداد، فدخلها في سنة أربعٍ وثمانين وعمرُه ثلاثون سنةً، فاجتمع بالرشيد، فتناظر هو ومحمد بن الحسن (^٦) بين يديه، وأحسن القولَ فيه محمد بن
_________________
(١) زيادة في ب، ظا.
(٢) مسلم بن خالد بن مسلم بن سعيد، المخزوميّ مولاهم، الزَّنجيّ، المكّي، فقيه صدوق، كثير الأوهام في الحديث. كان أبيض بحمرة، ولقب بالزَّنجي لحبه للتمر. قالت له جاريته: ما أنت إلا زنجيّ. وبه تفقه الإمام الشافعي قبل أن يلقى مالكًا، وقد أذِن له بالإفتاء. توفي سنة ١٧٩ هـ. سير أعلام النبلاء (٨/ ١٥٨)، والأعلام (٧/ ٢٢٢).
(٣) زيادة في ب، ظا.
(٤) في ظا، ب: سردنا.
(٥) في ط: عمرو بن علي وهو تصحيف.
(٦) هو محمد بن الحسن بن فرقد، أبو عبد اللَّه الشيباني، فقيه العراق، صاحب أبي حنيفة. ترجم له المؤلف في حوادث سنة ١٨٩.
[ ١١ / ١٤ ]
الحسن، وتبين للرشيد براءته مما نُسب إليه، وأنزله محمد بن الحسن عنده. وكان أبو يوسف (^١) قد مات قبل ذلك بسنة، وقيل: بسنتين. وأكرمه (^٢) محمد بن الحسن وكتب عنه الشافعيُّ وِقْرَ بعيرٍ، ثم أطلق له الرشيدُ ألفي دينارٍ، وقيل: خمسة آلاف دينار.
وعاد الشافعيُّ إلى مكَّةَ، ففرَّق عامة ما حصل له في أهله وذوي رَحِمِهِ من بني عمِّه.
ثم عاد الشافعيُّ إلى بغداد في سنة خمس وتسعين ومئة، فاجتمع به جماعةٌ من العلماء هذه المرة، منهم: أحمد بن حنبل، وأبو ثور (^٣)، والحسين بن علي الكَرابيسي، والحارث بن سُريج النَّقَّال (^٤)، وأبو عبد الرحمن الشافعي، والزَّعفراني، وغيرهم.
ثم رجع إلى مكة، ورجع إلى بغداد أيضًا، سنة ثمان وتسعين ومئة، ثم انتقل منها إلى مصر فأقام بها إلى أن مات في سنة أربع ومئتين، كما سيأتي.
وصنف بها كتابه "الأم" فهو من كتبه الجديدة؛ لأنَّها من رواية الرَّبيع بن سليمان، وهو مصري. وقد زعم إمام الحرمين (^٥) وغيرُه أنَّها من القديم، وهذا بعيدٌ وعجيب من مثله، واللَّه أعلم.
وقد أثنى على الشافعي غيرُ واحدٍ من كبار الأئمة، منهم: عبدُ الرحمن بن مهدي (^٦)، وسأله أن يكتب له كتابًا في الأصول فكتب له "الرسالة" (^٧)، فكان يدعو له في صلاته دائمًا، وشيخُه مالك بن
_________________
(١) هو يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري، الكوفي، القاضي أبو يوسف، صاحب الإمام أبي حنيفة. ترجم له المؤلف في حوادث سنة ١٨٢.
(٢) في أ وأدبه.
(٣) هو إبراهيم بن خالد الكلبي، أبو ثور، الفقيه المشهور، ت ٢٤٠ هـ.
(٤) في أ: الحارث بن شريح القفال وفي ظا، ط البقال، وهو الحارث بن سريج النقّال، أبو عمر، خوارزمي الأصل، أحد الفقهاء، متهم في الحديث. تاريخ بغداد (١٨/ ٢٠٩)، ميزان الاعتدال (١/ ٤٣٣).
(٥) هو عبد الملك بن عبد اللَّه بن يوسف الجويني، الملقب بإمام الحرمين؛ لمجاورته بمكة أربع سنين. أعلم المتأخرين من أصحاب الشافعي، توفي سنة ٤٧٨ هـ.
(٦) عبد الرحمن بن مهدي بن حسان، أبو سعيد العنبري، اللؤلؤي. من كبار حفاظ الحديث؛ قال الشافعي: لا أعرف له نظيرًا في هذا الشأن. توفي سنة ١٩٨ هـ. سير أعلام النبلاء (٩/ ١٩٢ - ٢٠٩).
(٧) في الأصول: بالرسالة، وأثبت ما في ط. وكتاب "الرسالة" في أصول الفقه، مطبوع. وكتب الذهبي في سير أعلام النبلاء (١٠/ ٤٤) ما نصه: كتب عبد الرحمن بن مهدي إلى الشافعي، وهو شاب، أن يضع له كتابًا فيه معاني القرآن، ويجمع قبول الأخبار، وحُجّة الإجماع، وبيان الناسخ والمنسوخ، فوضع له كتاب الرسالة. وفي هامش التحقيق: وهي الرسالة القديمة التي كتبت عنه بالعراق، وأرسلها إلى عبد الرحمن بن مهدي مع الحارث بن سُريج النقّال الخوارزمي، ثم البغدادي، وبسبب ذلك سمي النقّال. وهذه الرسالة القديمة غير معروفة، وليس في أيدي الناس الآن غير الرسالة الجديدة المطبوعة طبعة جيدة بتحقيق الشيخ أحمد محمد شاكر ﵀.
[ ١١ / ١٥ ]
أنس، وقتيبةُ بن سعيد (^١)؛ وقال: هو إمام [سنّة] (^٢)، وسفيان بن عيينة، ويحيى بن سعيد القطّان، وكان يدعو له في صلاته، وأبو عُبَيد (^٣)؛ وقال: ما رأيت أفصحَ ولا أعقلَ، ولا أورَعَ من الشافعي، ويحيى بن أكثم القاضي، وإسحاق بن رَاهَوَيه، ومحمد بن الحسن، وغيرُ واحد ممن يطولُ ذِكرهم وشرح أقوالهم (^٤).
وكان أحمدُ بن حنبل يدعو له في صلاته نحوًا من أربعين سنة، وكان أحمدُ يقولُ في الحديث الذي رواه أبو داود (^٥) من طريق عبد اللَّه بن وَهْب، عن سعيد بن أبي أيوب، عن شراحيل بن يزيد، عن أِبي علقمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ: "إنَّ اللَّهَ يبعَثُ لهذه الأُمَّةِ على رأسِ كُلِّ مئة سَنَةٍ من يُجدِّدُ لها أمْرَ دِينِها" (^٦). قال: فعُمَرُ بنُ عبد العزيز على رأسِ المئة، والشافعيُّ على رأس المئتين.
وقال أبو داود الطيالسيُّ (^٧): حدثنا جعفرُ بن سليمان، عن النَّضر بن معبد (^٨) الكندي -أو العبدي- عن الجارود (^٩)، عن أبي الأحوص، عن عبد اللَّه قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ: "لا تَسُبُّوا قُريشًا، فإنَّ عالِمَها يملأ الأرضَ علمًا، اللهم إنَّك أذقْتَ أوَّلَهَا عَذَابًا، أو وبالًا، فأذِقْ آخرَها نَوالًا". هذا غريبٌ من هذا الوجه (^١٠).
_________________
(١) قتيبة بن سعيد بن جميل الثقفي أبو رجاء البغلاني. شيخ الإملام، المحدث الإمام، الثقة، مات سنة ٢٤٠ هـ. سير أعلام النبلاء (١١/ ١٣ - ٢٤).
(٢) زيادة من ظا، ب.
(٣) أبو عبيد، القاسم بن ملام الهروي، أحد أئمة اللغة والفقه والحديث والقرآن وغيرها. مات سنة ٢٢٤ هـ.
(٤) كثيرون هم الذين ترجموا للإمام الشافعي وكتبوا عنه ذاكرين مناقبه وسيرته ﵀؛ منهم على سبيل المثال: البيهقي وله "مناقب الشافعي"، والرازي وله أيضًا "مناقب الشافعي"، والسبكي في "طبقات الشافعية" وابن الجوزي في "صفة الصفوة"، ولابن حجر العسقلاني "توالي التأسيس بمعالي ابن إدريس". وغير ذلك.
(٥) سنن أبي داود (٤٢٩١) في الملاحم، باب ما يذكر في قرن المئة، وهو حديث صحيح.
(٦) وأخرجه أيضًا ابن عدي في الكامل (١/ ١٢٣)، والحاكم (٤/ ٥٢٢)، والبيهقي في المعرفة ٥٢، والخطيب في تاريخ مدينة السلام (ط. د. بشار) من طريق سعيد بن أبي أيوب، به. وإسناده حسن، وشرح معناه في جامع الأصول (١١/ ٣٢٠) (بشار).
(٧) مسند الطيالسي (٣١٠).
(٨) هكذا في النسخ، وهو كذلك في مسند الطيالسي، وحلية الأولياء، وتاريخ الخطيب، وتاريخ دمشق، وتهذيب الكمال. ووقع في ضعفاء العقيلي (٤/ ٢٨٩) والجرح والتعديل (٨/ الترجمة ٢١٨٤)، وميزان الاعتدال (٤/ الترجمة ٩٠٦٠) "حميد"، ومهما يكن فهو متروك لا يفرح به (بشار).
(٩) هكذا ورد اسمه في النسخ كافة، وفي عدد من مصادر التخريج، وهو وهم من بعض رواة الحديث حيث أسقط لفظة "أبي" منه، والصواب "أبو الجارود" وهو زياد بن المنذر الكوفي، كذبه يحيى بن معين، كما في التقريب لابن حجر.
(١٠) وأخرجه أيضًا العقيلي في الضعفاء (٤/ ٢٨٩)؛ وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٢٥٩)؛ و(٩/ ٦٥) والخطيب البغدادي في =
[ ١١ / ١٦ ]
وقد رواه الحاكم في مستدركه عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ بنحوه (^١).
قال أبو نُعيم عبد الملك بن محمد الإسفراييني: لا ينطبق هذا إلا على محمد بن إدريس الشافعيِّ؛ حكاه الخطيب.
وقال يحيى بن مُعين: صدوقٌ لا بأس به (^٢).
وقال مرَّةً: لو كان الكذبُ له مطلقًا لكانت مروءته تمنعه من أن يكذبَ (^٣).
وقال (^٤) ابنُ أبي حاتم: سمعتُ أبي يقولُ: الشافعيُّ فقيه البدن، صدوقُ اللسان.
وحكى بعضُهم عن أبي زُرْعَة، أنَّه قال: ما عندَ الشافعيِّ حديثٌ غَلِطَ فيه (^٥).
وحُكي عن أبي داود نحوه (^٦).
وقال إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خُزَيمة -وقد سئل: هل سنة لم تبلغ الشافعيَّ؟ - فقال لا (^٧).
ومعنى هذا: أنها تبلغه تارة بسندها، وتارة مرسلةً، وتارة منقطعةً، كما هو الموجود في كتبه، واللَّه أعلم.
وقال حَرْمَلةُ: سمعتُ الشافعيَّ يقول: سُمِّيتُ ببغداد ناصِرَ السنة (^٨).
_________________
(١) = تاريخه (٢/ ٣٩٨) (ط. د. بشار)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٥١/ ٣٢٦)، والمزي في تهذيب الكمال (٢٤/ ٣٦٣) من طريق النضر الكندي، به وإسناده ضعيف جدًا، لكن قوله في آخر الحديث: "اللهم، إنك أذقت أولها عذابًا أو وبالا، فأذق آخرها نوالا"، رواه الترمذي رقم (٣٩٠٨) وأحمد في المسند (١/ ٢٤٢) من حديث ابن عباس. وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح. وله شاهد من حديث ابن عمر في مسند الشهاب للقضاعي (٢/ ٣٤١)، فهذه الزيادة ثابتة، ولكن أول الحديث "لا تسبوا قريشًا، فإن عالمها يملأ الأرض علمًا" ضعيف جدًا كما تقدم.
(٢) لم أجده عند الحاكم.
(٣) الحلية (٩/ ٩٧)، سير أعلام النبلاء (١٠/ ٤٧).
(٤) في أ: من الكذب. معجم الأدباء (١٧/ ٣١٤).
(٥) من هنا حتى قوله: صدوق اللسان لم يرد في ظا، ب.
(٦) سير أعلام النبلاء (١٠/ ٤٧).
(٧) سير أعلام النبلاء (١٠/ ٤٧)
(٨) ذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء (١٠/ ٥٤) أن يحيى بن منصور القاضي، قال: سمعت إمامَ الأئمة ابنَ خزيمة يقول، وقلت له: هل تعرف سنةً لرسول اللَّه ﷺ في الحلال والحرام لم يُودعها الشافعيُّ كتبَه؟ قال: لا.
(٩) تاريخ بغداد (٢/ ٦٨)، سير أعلام النبلاء (١٠/ ٤٧).
[ ١١ / ١٧ ]
وقال أبو ثَوْرٍ: ما رأينا مثلَ الشافعيِّ، ولا رأى هو مثلَ نفسِهِ (^١). وكذا قال الزَّعْفَرَانيُّ وغيرُ واحد.
وقال داود بن علي الظاهريُّ (^٢) في كتابٍ جَمعه في فضائل الشافعي: للشافعيِّ من الفضائل ما لم يجتمع لغيره؛ من شرفِ نسبِهِ، وصحة دِينه ومعتقده (^٣)، وسخاوةِ نفسِه، ومعرفته بصحة الحديث وسقمه، وناسخه ومنسوخه، وحفظِه الكتابَ والسنَّةَ وسيرةَ الخلفاءِ، وحسنِ التصنيف، وجودةِ الأصحابِ والتلامذة، مثلِ أحمد بن حنبل في زهده وورعه، وإقامته على السنة. ثم سَرَد أعيانَ أصحابه من البغاددة والمصريين. وكذا عدَّ أبو داود في جملة تلامذته في الفقه: أحمد بن حنبل.
وقد كان الشافعيُّ ﵀ من أعلم الناس بمعاني القرآن والسنة، وأشدِّ النَّاس انتزاعًا للدلائل منهما.
وكان من أحسن النَّاس قصدًا وإخلاصًا، كان يقولُ: وددْتُ: أنَّ النَّاس تعلموا هذا العلمَ ولا يُنسبُ إليَّ منه شيءٌ أبدًا، فأُوْجَرُ عليه ولا يَحمدوني (^٤).
وقد قال غيرُ واحدٍ عنه: إذا صحَّ عندكم الحديثُ عن رسول اللَّه ﷺ فقولوا به ودعوا قولي، فإني أقولُ به، وإن لم تسمعوه منِّي (^٥).
وفي رواية: فلا تقلِّدُوني.
وفي رواية: فلا تلتفتوا إلى قولي.
[وفي رواية: فاضْرِبُوا بقولي عُرْضَ الحائطِ، فلا قولَ لي مع رسول اللَّه ﷺ] (^٦).
وقال: لأنْ يَلقى اللَّهَ المرْءُ (^٧) بكل ذنبٍ ما خلا الشرك باللَّهِ، خيرٌ له من أن يَلْقَاه بشيءٍ من الأهواء.
وفي رواية: خيرٌ له من أن يلقاه بعلمِ الكلام.
وقال: لو علِمَ النَّاس ما في الكلام من الأهواء لفرُّوا منه كما يُفَرُّ مِنَ الأسدِ.
_________________
(١) تاريخ ابن عساكر (١٤/ ٤١١)، سير أعلام النبلاء (١٠/ ٤٦).
(٢) أحد الأئمة المجتهدين في الإسلام، تنسب إليه الطائفة الظاهرية، سميت بذلك لأخذها بظاهر الكتاب والسنة، وإعراضها عن التأويل والرأي والقياس. توفي سنة ٢٧٠ هـ، وسيترجم له المؤلف في تلك السنة.
(٣) في ب، ظا: ومعرفته. والخبر في معجم الأدباء (١٧/ ٣١٥).
(٤) سير أعلام النبلاء (١٠/ ٥٥)
(٥) المصدر السابق.
(٦) ما بين قوسين زيادة من ط فقط. سير أعلام النبلاء (١٠/ ٣٣ - ٣٥).
(٧) في ط وسير أعلام النبلاء (١٠/ ١٦): العبد.
[ ١١ / ١٨ ]
وقال أيضًا: حكمي في أهلِ الكلام أن [يُضربوا بالجَريد] (^١)، ويُطافَ بهم في القبائل، ويُنادى عليهم: هذا جزاءُ من ترك الكتاب والسنة، وأقبلَ على الكلام.
وقال البُوَيْطيُّ: سمعت الشافعيَّ يقولُ: عليكم بأصحاب الحديث فإنَّهم أكثرُ الناس صوابًا.
وكان يقول: إذا رأيتُ رجلًا من أصحاب الحديث فكأنَّما رأيتُ رجلًا من أصحاب رسول اللَّه ﷺ وجزاهم اللَّه خيرًا، حفظوا لنا الأصلَ، فلهم علينا الفضل (^٢). ومن شعره في هذا المعنى قولُه (^٣):
كُلُّ العُلومِ سِوَى القرآنِ مَشغلةٌ … إلا الحديثَ وإلا الفقهَ في الدِّينِ
العلمُ ما كانَ فيهِ قالَ حدَّثنا … وما سِوى ذاكَ وَسواسُ الشَّياطينِ
وكان يقول: القرآنُ كلامُ اللَّه غيرُ مخلوقٍ، ومَن قال مخلوقٌ فهو كافر (^٤). وقد روى عنه الربيعُ وغيرُ واحدٍ من رؤوس أصحابه ما يدُلُّ على أنه كان يُمرُّ آياتِ الصِّفات وأحاديثَها كما جاءت من غير تكييف، ولا تشبيه، ولا تعطيل، ولا تحريف، على طريقة السَّلف.
وقال ابنُ خُزيمة: أنشدني المُزنيُّ، قال: أنشدنا الشافعيُّ لنفسه (^٥):
فما شئتَ كانَ وإنْ لم أشأْ … وما شئتُ إنْ لم تَشَأْ لم يكنْ
خَلَقْتَ العِبادَ على ما علمْتَ … ففي العلم يجري الفَتَى والمُسِنّ
فمنهم شقيٌّ ومنهمْ سعيدٌ … ومنهم قبيحٌ ومنهمْ حَسَنْ
على ذا مَنَنْتَ وهذا خذَلْتَ … وهذا أعنْتَ وذا لم تُعِنْ
وقال الربيعُ: سمعتُ الشافعيَّ يقولُ: أفضلُ الناس بعدَ رسولِ اللَّه ﷺ أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي.
وعن الربيع، قال: أنشدنا الشافعيُّ (^٦):
قد نفَّرَ (^٧) الناس حتَّى أحدثوا بِدَعًا … في الدِّينِ بالرأي لم تُبعَث بها الرُّسُلُ
_________________
(١) زيادة من ط وسير أعلام النبلاء (١٠/ ٢٩). و"الجَريد": جمع جريدة، وهي السَّعَفَة التي تقشر من خوصها.
(٢) حلية الأولياء (٩/ ١٠٩)، سير أعلام النبلاء (١٠/ ٦٠).
(٣) طبقات الشافعية للسبكي (١/ ٢٩٧).
(٤) سير أعلام النبلاء (١٠/ ١٨ - ٣٠).
(٥) طبقات الشافعية للسبكي (١/ ٢٩٥)، وابن عساكر (١٤/ ٤٠٦ - ٤٠٧)، ومناقب الشافعي للبيهقي (١/ ٤١٢ و٢/ ١٠٩).
(٦) ابن عساكر (١٠/ ١٩٠)، ومناقب الشافعي للبيهقي (٢/ ٧١) وفي الأخير: لم يبرح الناس.
(٧) في ط: عوج.
[ ١١ / ١٩ ]
حتَّى استخَفَّ بحقِّ اللَّهِ أكثرُهمْ … وفي الذي حُمِّلُوا من حقِّهِ شُغُلُ
وقد ذكرنا من شعره في السُّنّة وكلامه فيها وفي الحِكم والمواعظ طرفًا صالحًا في الذي كتبناه في أول "طبقات الشافعية".
وقد كانت وفاتُه بمصرَ يومَ الخميس، وقيل: يوم الجمعة، في آخر يومٍ من رجبَ سنة أربعٍ ومئتين، عن أربع وخمسين سنة.
وكان أبيضَ جميلًا، طويلًا، مَهيبًا، يخضِبُ بالحِنَّاء، مخالفًا للشيعة، ﵀، وأكرَمَ مثواه (^١).