إسحاق بن منصور السَّلُوليُّ (^٢).
وَبِشْرُ بن بكر الدِّمشقيُّ (^٣).
وأبو عامر العَقَديّ (^٤).
ومحمد بن عُبيد الطَّنافسيّ (^٥).
ويعقوب الحضرميُّ (^٦).
وأبو سليمان الدَّاراني (^٧): عبد الرحمن بن أحمد بن عطية، وقيل: عبد الرحمن بن عَطِيَّة، وقيل: عبد الرحمن بن عَسْكَر، أبو سليمان الدَّارانيُّ، أحدُ أئمة العلماء العاملين، أصله من واسط، وسكن قرية غربي دمشق يُقال لها: داريَّا.
وقد سمع الحديثَ من سفيان الثوريِّ وغيره، ورَوى عنه أحمدُ بن أبي الحواري وجماعة.
وأسند الحافظُ ابنُ عساكر من طريقه، قال: سمعت عليَّ بن الحسن بن أبي الربيع الزاهد، يقول: سمعت إبراهيمَ بنَ أدهم، يقول: سمعت ابنَ عجلانَ يذكُرُ عن القَعْقَاع بن حكيم، [عن أبي صالح] (^٨)
_________________
(١) في أ: الحسين، وأثبت ما جاء في ظا، ب والطبري.
(٢) إسحاق بن منصور السَّلُوليُّ، أبو عبد الرحمن الكوفيُّ. صدوق، تكلم فيه للتشيع. تهذيب الكمال (٢/ ٤٧٨) وتقريب التهذيب (١/ ٦١).
(٣) بِشر بن بكر، أبو عبد اللَّه البَجَليّ الدِّمشقي، التِّنِّيسي، الإمام الحجّة، سير أعلام النبلاء (٩/ ٥٠٧).
(٤) هو عبد الملك بن عمرو القيسي العَقَديّ، البصري، أبو عامر. محدِّث البصرة، الحافظ، ثقة مأمون. سير أعلام النبلاء (٩/ ٤٦٩).
(٥) محمد بن عبيد بن أبي أُميَّة الطَّنافِسيّ، الكوفي، الأحدب، ثقة، يحفظ. تقريب التهذيب (٢/ ١٨٨).
(٦) في ط: يعقوب الحضري، تحريف. وهو يعقوب بن إسحاق بن زيد الحضرمي، أبو محمد المقرئ، صدوق. تقريب التهذيب (٢/ ٣٧٥).
(٧) له ترجمة في تاريخ داريا للقاضي عبد الجبار الخولاني ص ٥١ وطبقات الصوفية (ص ٧٥)، وحلية الأولياء (٩/ ٢٥٤)، وتاريخ بغداد (١٠/ ٢٤٨)، وصفة الصفوة (٤/ ٢٢٣)، وسير أعلام النبلاء (١٠/ ١٨٢)، وشذرات الذهب (٢/ ١٣)، وقد اختلف في سنة وفاته، فقيل: سنة ٢١٥، وقيل: سنة ٢٠٥، وقيل غير ذلك.
(٨) ما بين قوسين لم يرد في أ، ط وأثبت من ظا، ب و"ابن عساكر"، وهو أبو صالح السمَّان، واسمه ذكوان، المدني، الزيات، ثقة، ثبت مات سنة ١٠١ هـ. تقريب التهذيب (١/ ٢٣٨). ابن عساكر المجلد الأربعون (ص ٧٧).
[ ١١ / ٢٢ ]
عن أنسِ بن مالك، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ: "مَنْ صلَّى قبلَ الظهر أربعًا غُفِرَت ذنوبُه يومَه ذلكَ" (^١).
وقال أبو القاسم القشيريُّ: حُكي عن أبي سليمان الداراني، قال: اختلفْتُ إلى مجلسِ قاصٍّ، فأثَّر كلامُه في قلبي، فلمَّا قمتُ لم يبقَ في قلبي شيءٌ، فعدت إليه ثانيةً، فأثَّر كلامُه في قلبي بعدما قُمْتُ وفي الطريق؛ ثم عُدْت ثالثةً، فبقي أثرُ كلامِه في قلبي حتَّى رجعت إلى منزلي، فكسرْتُ آلات المخالفات، ولزمت الطريق (^٢).
فحُكيت هذه الحكاية ليحيى بن معاذ، فقال: عصفورٌ اصطادَ كُرْكِيًّا (^٣)، يعني بالعصفور: القاصَّ، وبالكُرْكيِّ: أبا سليمان الداراني (^٤).
وقال أحمد بن أبي الحواري: سمعت أبا سليمان، يقول: ليس لمن أُلهمَ شيئًا من الخير أن يعملَ به حتى يسمَعَهُ من الأثَرَ، فإذا سمعه من الأثر عمِل به، وحمدَ اللَّهَ حين وافق ما في قلبه (^٥).
وقال الجُنَيْد: قال أبو سليمان الدّارانيُّ: ربَّما يَقَعُ في قلبي النُّكْتةُ مِن نُكَتِ القومِ أيامًا، فلا أقْبَلُ منه إلا بشاهدين عَدْلين: الكتابِ والسُّنَّة (^٦).
قال: وقال أبو سليمان: أفضلُ الأعمال خلافُ هوى النَّفْس (^٧).
وقال: لِكُلِّ شيء عَلَمٌ، وَعَلَمُ الخِذْلانِ تركُ البكاء (^٨).
وقال: لِكُلِّ شيء صَدَأٌ، وصَدَأ نورِ القلب شِبَعُ البَطْنِ (^٩).
_________________
(١) وأخرجه أيضًا الخطيب البغدادي (١٠/ ٢٤٨). وفي سنده (محمد بن عمر بن الفضل) قال الحافظ الذهبي في "ميزان الاعتدال" (٣/ ٦٧١) عنه: اتهم بالكذب، قال: وقال ابن أبي الفوارس: وكان كذابًا وانظر "زوائد تاريخ بغداد" رقم (١٥٢٥) ويغني عنه حديث "من حافظ على أربع ركعات قبل الظهر، وأربع بعدها، حرَّمه اللَّه على النار" رواه أبو داود رقم (١٢٦٩) والترمذي (٤٢٨) من حديث أم حبيبة وقال الترمذي: حديث صحيح.
(٢) تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر، المجلد الأربعون (ص ٨٠) وطبقات الأولياء (٣٨٨).
(٣) "الكرْكيّ" طائر كبير، أغبر اللون، طويل العنق والرجلين، أبتر الذنَب، قليل اللحم، يأوي إلى الماء أحيانًا. جمع كَراكيّ.
(٤) تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر، المجلد الأربعون ص (٨٠)، وطبقات الأولياء (٣٨٨).
(٥) في ط عمل به، فكان نورًا على نور. والخبر في تاريخ ابن عساكر المجلد الأربعون (ص ٨٢)، وسير أعلام النبلاء (١٠/ ١٨٣).
(٦) تاريخ ابن عساكر المجلد الأربعون (ص ٨٢)، وسير أعلام النبلاء (١٠/ ١٨٣)، والحاشية (٣).
(٧) ابن عساكر المجلد ٤٠ (ص ٨٢)، وسير أعلام النبلاء (١٠/ ١٨٣).
(٨) ابن عساكر المجلد ٤٠ (ص ٨٢)، وسير أعلام النبلاء (١٠/ ١٨٣).
(٩) المصدر السابق.
[ ١١ / ٢٣ ]
وقال: كُلُّ ما شَغَلَكَ عن اللَّه من أهلٍ، أو مالٍ، أو ولدٍ، فهو عليك مشؤومٌ (^١).
وقال: كنتُ ليلةً في المحراب أدعو ويداي ممدودتان، فغلبني البَرْدُ، فضممْتُ إحداهما ولقيت الأخرى مبسوطةً أدعو بها، وغلبتْني عيني فنمت، فَهَثفَ بي هاتفٌ: يا أبا سليمان: قد وضَعْنا في هذه ما أصَابَها، ولو كانت الأخرى لوضعنا فيها. قال: فآليْتُ على نفسي ألا أدعوَ إلا ويداي خارجتان، حَرًّا كان أو بردًا (^٢).
وقال أبو سليمان: نمت ليلةً عن وِرْدِي، فإذا أنا بحوراءَ تقولُ لي: تنام وأنا أُرَبَّى لكَ في الخُدورِ منذ خمسمئة عام (^٣)؟
وقال أحمد بن أبي الحواري: سمعت أبا سليمان، يقول: إنَّ في الجنة أنهارًا على شاطئيها خيامٌ فيهن الحُور، ينشئ اللَّه خلق إحداهن (^٤) إنشاءً فإذا تكامل خلقها ضربت الملائكة عليهن الخيامَ، جالسة (^٥) على كرسي ميل في ميل، قد خرج (^٦) عَجيزتُها من جوانب الكرسيّ، فيجيء أهلُ الجنة من قصورهم يتنزهون ما شاؤوا، ثم يخلو كلُّ رجلٍ منهم بواحدة منهن. قال أبو سليمان: كيف يكونُ في الدنيا حالُ منْ يُريد يفتضُّ (^٧) الأبكار على شاطئ الأنهار في الجنة (^٨)؟.
وقال أحمد بن أبي الحواري: سمعت أبا سليمان الداراني يقول: ربَّما مكثت خمس ليالٍ لا أقرأ بعد الفاتحة إلا بآيةٍ واحدةٍ أتفكَّر في معانيها، ولربما جاءت الآية من القرآن فيطير العقل، فسبحان مَن يردُّه بعدُ (^٩).
وسمعته يقول: أصلُ كُلِّ خيرٍ في الدنيا والآخرة الخوفُ من اللَّه ﷿، ومفتاحُ الدنيا الشِّبَعُ، ومفتاحُ الآخرة الجوعُ (^١٠).
_________________
(١) ابن عساكر المجلد ٤٠ (ص ٨٢، ٨٥)، وصفة الصفوة (٤/ ٢٢٤)، حلية الأولياء (٩/ ٢٦٤).
(٢) حلية الأولياء (٩/ ٢٥٩)، وتاريخ ابن عساكر المجلد ٤٠ (ص ٨٣)، وصفة الصفوة (٤/ ٢٢٤).
(٣) المصدر السابق.
(٤) في ط: الحوراء.
(٥) في ط: الواحدة منهن جالسة.
(٦) في ط: وابن عساكر: خرجت.
(٧) في ط: افتضاض.
(٨) تاريخ ابن عساكر، المجلد ٤٠، (ص ٩٢).
(٩) حلية الأولياء (٩/ ٢٦٢). وتاريخ ابن عساكر (المجلد ٤٠)، (ص ٨٣).
(١٠) تاريخ ابن عساكر، المجلد ٤٠ (ص ٨٤).
[ ١١ / ٢٤ ]
وقال لي يومًا: يا أحمدُ، جوعٌ قليلٌ، وذلٌّ قليلٌ، وعُرْيٌ قليلٌ، وفقرٌ قليلٌ، وصبرٌ قليلٌ، وقد انقضت عنك أيامُ الدنيا (^١).
قال: واشتهى يومًا (^٢) رغيفًا حارًّا بملحٍ. قال: فجئته به، فعضَّ منه عضَّةً ثم طرَحَه، وأقبل يبكي، ويقولُ: يا ربّ، عجّلتَ لي شهوتي، لقد أطلت جهدي وشِقْوتي، وأنا تائب [فاقبل توبتي] (^٣). فلم يذق الملح حتَّى لحق باللَّه ﷿ (^٤).
قال: وسمعته يقول: ما رضيتُ عن نفسي طرفة عينن، ولو أنَّ أهلَ الأرض اجتمعوا على أن يَضَعوني كاتِّضاعي (^٥) عند نفسي ما أحسنوا (^٦).
وسمعته يقول: مَن رأى لنفسه قيمةً لم يَذُقْ حلاوةَ الخِدْمة (^٧).
[وسمعته يقول: إذا تكلَّفَ المتعبِّدون ألا يتكلموا إلا بالإعراب ذهب الخشوع من قلوبهم] (^٨).
[وسمعته يقول: مَنْ حَسُنَ ظنُّه باللَّه ثم لا يخافُ، فهو مَخْدوعٌ (^٩).
وقال: ينبغي للخوف أن يكونَ أغلبَ من الرجاء، فإذا غلب الرجاء على الخوف فَسَدَ القلب (^١٠).
وقال لي يومًا: هل فوقَ الصبر منزلة؟ فقلت: نعم -يعني: الرضا- فصرخ صرخةً غشي عليه، ثم أفاق، فقال: إذا كان الصابرون يوفون أجرهم بغير حساب، فما ظنك بالأخرى (^١١)، وهم الذين رضي عنهم.
وقال أبو سليمان: ما يسرّني أن لي الدنيا من أولها إلى آخرها أنفقه في وجوه البِرِّ، وأنِّي أغفلُ عن اللَّه طرفة عين (^١٢).
_________________
(١) في أ: جوعّ قلبك، وذلل قلبك، وعز قلبك، وفقر قلبك، وصبر قلبك، واثبت ما جاء في ظا، ب، وابن عساكر المجلد ٤٠، (ص ٨٦).
(٢) في ظا، ب: مرة.
(٣) زيادة من ظا، ب وابن عساكر.
(٤) تاريخ ابن عساكر، المجلد الأربعون (ص ٨٦).
(٥) وَضُعَ الرجل يَوْضُع ضَعة بفتح الضاد وكسرها: صار وضيعًا.
(٦) تاريخ ابن عساكر، المجلد ٤٠ (ص ٨٧)، وصفة الصفوة (٤/ ٢٢٩).
(٧) تاريخ ابن عساكر المجلد ٤٠ (ص ٨٧)، وسير أعلام النبلاء (١٠/ ١٨٤).
(٨) زيادة من ظا، ب وابن عساكر (ص ٨٧)، وسير أعلام النبلاء (١٠/ ١٨٤).
(٩) تاريخ ابن عساكر، المجلد ٤٠ (ص ٨٨)، وصفة الصفوة (٤/ ٢٢٦).
(١٠) ابن عساكر المجلد ٤٠ (ص ٩١).
(١١) تاريخ ابن عساكر، المجلد ٤٠ (ص ٨٨).
(١٢) ذكره ابن عساكر في تاريخه، المجلد ٤٠ (ص ٨٩) من طريق ابن أبي الدنيا، عن موسى بن عمران، وصفة الصفوة (٤/ ٢٢٥).
[ ١١ / ٢٥ ]
وقال أبو سليمان: قال زاهدٌ لزاهدٍ: أوْصِني، فقال: لا يراكَ اللَّهُ حيثُ نهاكَ، ولا يفقِدُكَ حيث أمرَكَ. فقال: زِدْني. فقال: ما عندي زيادة (^١).
وقال أيضًا: مَنْ أحسَنَ في نهاره كوفئ في ليله، ومَنْ أحسَنَ في ليله كوفئ في نهاره، ومَنْ صَدَقَ في ترك شَهْوةٍ ذَهب (^٢) اللَّهُ بها من قلبه، واللَّه أكرمُ من أن يعذِّب قلبًا في (^٣) شهوةٍ تُركت له (^٤).
وقال: إذا سكنت الدنيا القلبَ ترحَّلَتْ منه الآخرة (^٥).
وقال: إذا كانت الآخرة في القلب جاءت الدنيا تَزْحَمُها، وإذا كانت الدنيا في القلب لم تَزْحَمْها الآخرة؛ إنَّ الآخرة كريمةٌ، والدنيا لئيمةٌ (^٦).
وقال أحمد بن أبي الحواري: بِتُّ ليلةً عند أبي سليمان، فسمعته يقول: وعزَّتِك وجلالِك، لئن طالبتني بذنوبي لأطالبنَّك بعفوك، ولئن طالبتني بلؤمي لأطالبنك بسخائك، ولئن أمرتَ بي إلى النار لأخبرنَّهم أنِّي كنت أحبُّك (^٧).
وكان أبو سليمان يقول: لو شكَّ النَّاسُ كلُّهم في الحق ما شككتُ فيه وحدي (^٨).
وكان يقول: ما خَلق اللَّهُ خَلْقًا أهونَ عليَّ (^٩) من إبليس، ولولا أنَّ اللَّه أمرني أن أتعوَّذ منه ما تعوذت منه أبدًا، ولو بدا لي ما لطمت إلا صفحةَ وجهه (^١٠).
وكان يقول: إنَّ اللص لا يجيء إلى خربة ينقب حيطانها وهو قادر على الدخول إليها من أي مكان شاء، وإنما يجيء إلى بيت معمورٍ، وكذلك إبليسُ لا يجيء إلا إلى كُلِّ قلبٍ عامر ليستنزله (^١١) عن شيءٍ (^١٢).
_________________
(١) ابن عساكر، المجلد ٤٠ (ص ٨٩).
(٢) في أ، ب: ذهب بها من قلبه، وأثبت ما جاء في ظا وابن عساكر.
(٣) في ط وابن عساكر: بشهوة.
(٤) ابن عساكر، المجلد (٤٠/ ٩١)، وصفة الصفوة (٤/ ٢٢٩).
(٥) ابن عساكر (المجلد ٤٠/ ٩٢).
(٦) بعدها في ط: وما ينبغي لكريم أن يزاحم لئيمًا. ابن عساكر (المجلد ٤٠/ ٩٢)، وصفة الصفوة (٤/ ٢٢٥).
(٧) ابن عساكر (المجلد ٤٠/ ٩٥). وفي ط: لأخبرن أهل النار أني أحبك.
(٨) ابن عساكر (المجلد ٥٠/ ٩٥).
(٩) في أ: عليه.
(١٠) ابن عساكر (المجلد ٤٠/ ٩٦).
(١١) في ط: ليستنزله وينزله عن كرسيه ويسلبه أعزَّ شيء.
(١٢) الحلية (٩/ ٢٥٧)، وابن عساكر (المجلد ٤٠/ ٩٦).
[ ١١ / ٢٦ ]
وكان يقول: إذا أخلص العبدُ انقطع عنه كثرةُ الوسواس والرّياء، أو الرؤيا (^١).
قال: ومكثت عشرين سنةً لم أحتلم، فدخلْتُ مكة ففاتتني صلاةُ العشاء في جماعة، فاحتلمت تلك الليلة (^٢).
وقال: إن من خلق اللَّه قومًا لا يَشغلهم الجنان وما فيها من النعيم عنه، فكيف يُشغلون بالدنيا (^٣)؟.
وقال: الدنيا عند اللَّهِ أقلُّ من جناح بعوضةٍ، فما الزهد فيها، إنَّما الزهد في الجنان والحور العين، حتَّى لا يرى اللَّهُ في قلبكَ غيرَه (^٤).
وقال الجُنيد: شيء يُروى عن أبي سليمان أنا استحسنْتُه كثيرًا، قوله: من اشثغل بنفسه شُغل عن الناس، ومن اشتغل بربِّه شُغل عن نفسه وعن الناس (^٥).
وقال غيره: كان أبو سليمان يقول: خيرُ السَّخاء ما وافق الحاجة (^٦).
وقال أبو سليمان: من طلب الدنيا حلالًا واستعفافًا عن المسألة، واستغناءً عن الناس، لقي اللَّه ﷿ يومَ يلقاه ووجهُهُ كالقمر ليلةَ البدر، ومن طلب الدنيا حلالًا مكاثِرًا مفاخرًا لقي اللَّه ﷿ يوم يلقاه وهو عليه غضبان (^٧).
وقال أبو سليمان: إنَّ قومًا طلبوا الغنى فحسبوا أنَّه في جمع المال، ألا وإنَّما الغنى في القناعة. وطلبوا الراحة في الكَثْرة، ألا وإنَّما الراحةُ في القِلَّة. وطلبوا الكرامة من الخلق، ألا وإنَّما هي في التقوى. وطلبوا النعمة في اللباس الرقيق اللين، وفي طعامٍ طيبٍ، والنعمة في الإسلام والسِّترِ والعافيةِ (^٨).
وكان يقول: لولا قيامُ الليل ما أحببت البقاء في الدنيا، وما أحبُّ البقاء لتشقيق الأنهار ولا لغرس الأشجار (^٩).
_________________
(١) بعدها في ط: يعني الجنابة، ابن عساكر (المجلد ٤٠/ ٩٦، ٩٧).
(٢) ابن عساكر (المجلد ٤٠/ ٩٧).
(٣) تاريخ داريا (١١٧)، وابن عساكر (المجلد ٤٠/ ٩٩).
(٤) ابن عساكر (المجلد ٤٠/ ٩٩).
(٥) ابن عساكر (المجلد ٤٠/ ٩٨).
(٦) ابن عساكر (المجلد ٤٠/ ٩٨).
(٧) ابن عساكر (المجلد ٤٠/ ١٠٠).
(٨) ابن عساكر (المجلد ٤٠/ ١٠١).
(٩) بعدها في ط: وإنما أحبها لصيام الهواجر وقيام الليل. ابن عساكر (المجلد ٤٠/ ١٠٣)، وصفة الصفوة (٤/ ٢٢٣).
[ ١١ / ٢٧ ]
وقال: أهلُ الطاعة في ليلهم ألذُّ من أهل اللهو بلهوهم، وربَّما استقبلني الفرح في جوف الليل، وربَّما رأيت القلْبَ يضحك ضحكًا (^١).
وقال أحمد بن أبي الحواري: سمعت أبا سليمان يقول: بينا أنا ساجد إذ ذَهب بي النَّوْم (^٢)، فإذا أنا بها -يعني: الحوراء- قد ركَضَتْني برجلها، فقالت: حبيبي، أترقدُ عيناك والمَلِكُ يَقْظَان ينظر إلى المتهجّدين في تهجُّدِهم؟ بؤسًا لعين آثرت لَذَّةَ نومةٍ على لَذَّةِ مناجاة العزيز، قم فقد دنا الفراغ، ولقي المحبون بعضُهم بعضًا، فما هذا الرُّقاد؟! حبيبي وقرَّةَ عيني، أترقدُ عيناك وأنا أُربَّى لك في الخُدور منذ كذا وكذا؟ فوثبْتُ فزِعًا وقد عَرِقْتُ استحياءً من توبيخها إيَّاي، وإنَّ حلاوة منطِقها لفي سمعي وقلبي (^٣).
وقال أحمد بن أبي الحواري: دخلت على أبي سليمان فإذا هو يبكي، فقلت: ما لك؟ فقال: زُجِرْتُ البارحةَ في منامي. قلت: ما الذي حلَّ بك (^٤)؟ قال: بينا أنا قد غفوت في محرابي إذ وقفْتُ على جاريةٍ تفوق الدنيا حسنًا، وبيدها ورفة، وهي تقول: أتنام يا شيخ؟ فقلت: من غلبثه عينُه نام. فقالت: كلا، إنَّ طالب الجنة لا ينام، فقالت: أتقرأ؟ فأخذت الورقة من يدها، فإذا فيها مكتوب (^٥):
لَهَتْ بكَ لَذَّةٌ عنْ حسنِ عيشٍ … معَ الخيراتِ في غُرفِ الجنانِ
تعيشُ مخلّدًا لا موتَ فيها … وتنعمُ في الجنانِ معَ الحسانِ
تيقَّظْ من منامِكَ إنَّ خيرًا … منَ النومِ التهجّد بالقرانِ
وقال أبو سليمان: أما يستحي أحدهم أن يلبَسَ عباءةً بثلاثة دراهم وفي قلبه شهوة بخمسة دراهم (^٦)؟!
وقال أيضًا: لا يجوز لأحدٍ أن يُظهر للناس الزهدَ والشهواتُ في قلبه، فإذا لم يبقَ في قلبه شيءٌ من شهواتِ الدنيا جاز له أن يظهر للناس الزُّهدَ بلبس العَبَاء (^٧)، فإنَّها عَلَمٌ من أعلام الزُّهاد، ولو لبس ثوبين أبيضين ليسترَ بها أبصار الناس عنه كان أسلم لزهده (^٨).
_________________
(١) ابن عساكر (المجلد ٤٠/ ١٠٣). وبعدها في ط: وقال: إنه لتمر بالقلب أوقات يرقص فيها طربًا، فأقول: إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيشٍ طيبٍ.
(٢) في أ: الليل.
(٣) ابن عساكر (المجلد ٤٠/ ١٠٤)، وصفة الصفوة (٤/ ٢٢٥).
(٤) في ظا، ب: رأيت، وفي ط: زجرك.
(٥) الخبر والأبيات في ابن عساكر (المجلد ٤٠/ ١٠٤).
(٦) حلية الأولياء (٩/ ٢٦٨)، وابن عساكر (المجلد ٤٠/ ١٠٤).
(٧) "العَبَاء": ضرب من الأكسية، الواحدة عباءة وعباية، وقد تقع على الواحد؛ لأنه جنس. وقد تكرّر في الحديث. النهاية لابن الأثير (٣/ ١٧٥).
(٨) ابن عساكر (المجلد ٤٠/ ١٠٥).
[ ١١ / ٢٨ ]
وكان يقول: إذا رأيتَ الصوفيَّ يتنوَّق (^١) في الصوف فليس بصوفيٍّ (^٢).
وخيارُ هذه الأمة أصحابُ القُطنِ؛ أبو بكر الصدِّيق وأصحابة (^٣).
وقال أبو سليمان: إنَّما الأخ الذي يعظك برؤيته قبلَ كلامِهِ، وقد كنتُ أنظر إلى الأخ من أصحابي بالعراق فأنتفع (^٤) برؤيته شهرًا.
وقال أبو سليمان: قال اللَّه تعالى: عبدي، إنك ما استحييتَ مني أنسيْتُ النَّاسَ عيوبَكَ، وأنسيْتُ بقاعَ الأرض ذنوبَك، ومحوْتُ زلاتِك من أُمِّ الكتاب، ولا أناقشك في الحساب يومَ القيامة (^٥).
وقال أحمد بن أبي الحواري: سألت أبا سليمان عن الصبر، فقال: واللَّه إنَّك لا تقدرُ عليه في الذي تحبُّ، فكيفَ فيما تكره (^٦)؟.
وقال أحمد: تنهدْتُ عنده يومًا، فقال: إنَّك مسؤولٌ عنها يوم القيامة، فإنْ كانت على ذنبٍ سَلَفَ فطُوبى لك، وإن كانت على الدنيا فويلٌ لك (^٧).
وقال: إنَّما رَجَعَ مَن رَجَع من الطريق قبلَ الوصول، ولو وصلوا إلى اللَّه ما رَجَعوا (^٨).
وقال: إنَّما عَصَى اللَّهَ من عصاه لهوانهم عليه، ولو كرموا [عليه] (^٩) لحجزهم عن معاصيه (^١٠).
وقال: جُلَسَاءُ الرحمن يومَ القيامة مَنْ جعل فيهم خصالًا: الكرَم، والحلم، والحكمة، والرَّحمة، والرِّقَّة، والفضل، والصفح، والإحسان، والبرَّ، والعفو، واللطف (^١١).
وذكر أبو عبد الرحمن السُّلَميُّ في كثاب "محن المشايخ": أنَّ أبا سليمان الدارانيَّ أُخرج من
_________________
(١) "تنوَّق في الأمر": أي تأنَّق فيه.
(٢) ابن عساكر (المجلد ٤٠/ ١٠٥).
(٣) ابن عساكر (المجلد ٤٠/ ١٠٦) وبعدها في ط، وقال غيره: إذا رأيت ضوء الفقير في لباسه فاغسل يديك من لافحه.
(٤) في ابن عساكر: فأعمل على رؤيته شهرًا، وكذا في صفة الصفوة (٥/ ٢٢٦).
(٥) ابن عساكر (المجلد ٤٠/ ١٠٦).
(٦) ابن عساكر (المجلد ٤٠/ ١٠٦).
(٧) ابن عساكر (المجلد ٤٠/ ١٠٧).
(٨) ابن عساكر (المجلد ٤٠/ ١٠٧).
(٩) من ظا، ب.
(١٠) ابن عساكر (المجلد ٤٠/ ١٠٨).
(١١) ابن عساكر (المجلد ٤٠/ ١٠٩).
[ ١١ / ٢٩ ]
دمشق، وقالوا: إنه يزعم أنَّه يرى الملائكة ويكلّمونه، فخرج إلى بعض الثغور، فرأى بعضُ أهل دمشق: أنه إن لم يرجع إليكم هلكتم. فخرجوا في طلبه وتشفَّعُوا إليه حتَّى ردُّوه (^١).
وقد اختلف الناس في وفاته على أقوال، فقيل: سنة أربع ومئتين، وقيل: سنة خمس ومئتين، وقيل: سنة خمس عشرة، وقيل: سنة خمس وثلاثين، واللَّه أعلم.
وقد قال مروان الطَّاطَريُّ (^٢) يوم مات أبو سليمان: لقد أصيبَ به أهلُ الإسلام كلُّهم (^٣).
قلت: وقد دفن في قرية دارَيَّا، وقبره بها مشهور وعليه بناءٌ، وقبلته مسجد بناه الأمير ناهض الدين عمر المهراني، ووقف على المقيمين عنده وقفًا يدخل عليهم منه غلة، وقد جُدد مزارُه في زماننا هذا، ولم أر الحافظ ابن عساكر تعرَّض لموضع دفنه بالكلية، وهذا عجيب منه.
وروى ابنُ عساكر، عن أحمد بن أبي الحواري، قال: كنت أشتهي ان أرى أبا سليمان في المنام، فرأيتُه بعد سنة، فقلت: ما فعلَ اللَّهُ بك يا معلّم؟ فقال: يا أحمدُ، دخلت يومًا من باب الصَّغير فرأيت حِمْلَ شِيحٍ (^٤)، فأخذتُ منه عودًا، فما أدري تخلَّلتُ به أو رميته، فأنا في حسابه إلى الآن (^٥).
وقد توفي ابنه سليمان بعده بنحوٍ من سنتين، رحمهما اللَّه تعالى.