إبراهيم بن المهديّ بن المنصور: عم الخليفة، ويعرف بابن شَكْلَة (^١)، وكان أسودَ اللون ضخمًا فصيحًا فاضلًا، قال ابن ماكولا (^٢): وكان يقال له: التِّنِّين، يعني لسواده، وقد ترجمه الحافظ ابن عساكر في "تاريخه" (^٣) ترجمة حافلةً، وذكر أنه ولي إمرة دمشق نيابة عن أخيه الرشيد مدة سنتين، ثم عزل عنها ثم أعيد إليها الثانية فأقام بها أربع سنين. وذكر من عدله وصرامته أشياءً حسنةً، وأنَّه أقام للناس الحجَّ سنة أربع وثمانين، ثم عاد إلى دمشق، وكان قد بايعه أهل بغداد في أول خلافة المأمون سنة ثنتين ومئتين كما ذكرنا، وقد قاتله الحسن بن سهل نائبُ بغداد، فهزمه إبراهيمُ هذا، فقصده حُمَيد الطُّوسيّ فهزم إبراهيم، واختفى إبراهيمُ ببغداد حين قدمها المأمون مدة طويلة، ثم ظفر به المأمون سنة عشر فعفا عنه وأكرمه.
وكانت مدة ولايته على بغداد ومعاملتها سنة وأحَدَ عشرَ شهرًا واثني عشر يومًا [وقيل: وخمسة أيّام] (^٤). وكان بدء اختفائه في أواخر ذي الحجة سنة ثلاث ومئتين، وكانت مدة اختفائه ست سنين وأربعة أشهر وعشرًا، وكان الظفر به في ثالث عشر ربيع الأول من سنة عشر ومئتين. وقد جرت له في اختفائه هذا أمور عجيبة يطول بسطها.
_________________
(١) بالفتح والكسر، وهي أمُّه، مولَّدة، كان أبوها من أصحاب المازيار، فقتل معه، سُبيت بنته شَكْلَة، فحملت إلى المنصور، فوهبها إلى محيَّاة أم ولده فربَّتها. فلما كبرت رآها المهدي فأعجبته، فطلبها من مُحَياة فأعطته إيَّاها فولدت منه إبراهيم. وترجمة إبراهيم بن المهدي في الأغاني (١٠/ ٩٥ - ١٥٠)، وتاريخ بغداد (٦/ ١٤٢)، ووفيات الأعيان (١/ ٣٩)، وسير أعلام النبلاء (١٠/ ٥٥٧).
(٢) الإكمال (١/ ٥١٨).
(٣) تهذب تاريخ ابن عساكر (٢/ ٢٢٦ - ٢٢٨) ومختصره (٤/ ١٢٦ - ١٤٨).
(٤) زيادة في ب، ظا.
[ ١١ / ٩١ ]
قال الخطيب البغدادي (^١): وقد كان إبراهيم بن المهدي وافرَ الفَضْل، غزيرَ الأدبِ، واسعَ النفس، سخيَّ الكف، وكان معروفًا بصنعة الغناء، حاذقًا بها.
وذكر الخطيب (^٢) أنَّه قلَّ المال على إبراهيم بن المهدي في أيام خلافته ببغداد، فألحَّ الأعرابُ عليه في أخذ أعطياتهم، فجعل يُسَوف بهم، فخرج إليهم رسوله يقول: إنه لا مالَ عنده اليومَ، فقال بعضهم: فَلْيَخرج الخليفةُ إلينا فَلْيُغَنِّ لأهل هذا الجانب ثلاثة أصوات، وللجانب الآخر ثلاثة أصوات. فقال في ذلك دِعْبِلُ بن عليٍّ شاعرُ المأمون يذمُّ إبراهيمَ بن المهدي في ذلك (^٣):
يا مَعْشَرَ الأعرابِ لا تغلَطوا … خُذُوا عَطاياكُمْ ولا تَسْخَطُوا
فَسَوْفَ يُعطيكُمْ حُنَيْنِيَّةْ (^٤) … لا تَدْخُلُ الكِيسَ ولا تُرْبَطُ
والمَعْبدِيَّاتُ لِقُوَّادكُمْ … وما بهذا أحدٌ يُغبَطُ (^٥)
فهكذا يَرْزُقُ أصحابَهُ … خَليفَةٌ مُصْحَفُه البَرْبَطُ (^٦)
وكتب إبراهيم بن المهدي إلى ابن أخيه المأمون حين طال عليه الاختفاء: وليُّ الثَّأْرِ مُحَكَمٌ في القصاص، والعفو أقربُ للتقوى، وقد جعل اللَّهُ أميرَ المؤمنين فوقَ كُل ذي عفوٍ، كما جَعَلَ كلَّ ذي ذنْبٍ دونه، فإن عفا فبفضله، وإن عاقب فبحقِّه (^٧).
فوقَّع المأمون في جواب ذلك: القدرةُ تُذهِبُ الحفيظةَ، وكفَى بالنَّدم إنابةً، وعفو اللَّهِ أوسَعُ من كُلِّ شيءٍ (^٨).
ولمَّا دخل إبراهيم عليه، أنشأ يقولُ (^٩):
إن أكن مُذْنِبًا فحظِّيَ أخطأ … تُ فَدَعْ عَنْكَ كَثْرَةَ التَّأْنِيبِ
قلْ كما قالَ يُوسف لِبَني يَعْـ … ـقُوبَ لمَّا أتَوْهُ: لا تَثْرِيب
فقال المأمون: لا تثريب.
_________________
(١) تاريخ بغداد (٦/ ١٤٤).
(٢) تاريخ بغداد (٦/ ١٤٤).
(٣) ديوانه (ص ١٧٥) مع اختلاف يسير في الرواية.
(٤) "حنينيّة": نسبة إلى حُنين الحيري المغنِّي.
(٥) "المَعبديات": نسبة إلى معبد اليقطني المغنِّي. و"يُغبط": يُسَرُّ.
(٦) "البَربط": العُودُ، معرب. والعرب تسميه: المِزهر.
(٧) تاريخ بغداد (٦/ ١٤٤)، ومختصر ابن عساكر (٤/ ١٢٦).
(٨) المصدر السابق.
(٩) البيتان في تاريخ بغداد (٦/ ١٤٥)، ومختصر ابن عساكر (٤/ ١٣٣).
[ ١١ / ٩٢ ]
وروى الخطيب (^١) البغدادي: أنَّ إبراهيم بن المهديّ لمَّا أُوقف بين يدي المأمون شرَعَ يؤنِّبُه على ما فعل، فقال: يا أمير المؤمنين، حضرْتُ أبي، وهو جدُّك، وقد أُتي برجل ذنبُه أعظمُ من ذنبي، فأمر بقتله، فقال مُبَارك بن فَضَالة (^٢): يا أميرَ المؤمنين، إنْ رأيتَ أن تؤخّرَ قَتْلَ هذا الرجل حتى أحدِّثك حديثًا، فقال: قل. قال: حدثني الحسن البصريُّ، عن عمران بن حُصَين: أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "إذا كان يوم القيامة نادَى منادٍ من بُطْنَانِ (^٣) العَرْشِ: ألا لِيَقُم العافون من الخُلفاء إلى أكرم الجزاء، فلا يقوم إلا مَنْ عَفَا" (^٤).
فقال المأمون: قد قبلت هذا الحديث بقبوله، وعفَوْتُ عنكَ يا عم.
وقد ذكرنا في سنة أربع ومئتين زيادة على هذا. وقد كانت له أشعار جيدة بليغة، سامحه اللَّه. وقد ساق من ذلك الحافظ ابن عساكر في "تاريخه" أشياء حسنة كثيرة (^٥).
كان مولد إبراهيم بن المهدي في مستهل ذي القعدة سنة ثنتين وستين ومئة، وتوفي يوم الجمعة لسبع خلون من رمضان من هذه السنة عن ثنتين وستين سنة، ﵀.