بكر بن النَّطَّاح أبو وائل الحَنَفِي (^١): الشاعر المشهور، نزل بغداد في زمنِ الرشيد، وكان يخالطُ أبا العتاهية.
قال أبو هَفَّان (^٢): أشعَرُ أهلِ العَدْل من المحدَثين أربعة: أوَّلُهم بكر بن النَّطَّاح.
وقال المبرِّد: سمعتُ الحسنَ بن رجاء يقول: اجتمع جماعةٌ من الشعراء ومعهم بكرُ بن النطَّاح يتناشدون؛ فلما فرَغوا من طُوَالِهم أنشد بكر بن النَّطاح لنفسه:
ما ضرَّها لو كتبَتْ بالرِّضا … فجفَّ جَفْنُ العينِ أو أُغمضا
شفاعةٌ مردودةٌ عندَها … في عاشقٍ يَوَدُّ لو قد قَضَى
يا نفسُ صبرًا واعلمي أنَّ ما … نأمَلُ منها مثلَما قد مَضَى
لم تمرضِ الأجفانُ من قاتلٍ … بلحظهِ إلَّا لأنْ أمْرَضَا
قال: فابتدروهُ يُقبِّلون رأسَه (^٣).
ولما مات رثاهُ أبو العتاهية فقال:
ماتَ ابنُ نطَّاحٍ أبو وائلٍ … بَكْرٌ وأمسى الشعرُ قد بانا (^٤)
وفيها تُوفي:
بُهلول المجنون، كان يأتي إلى مقابرِ الكوفة، وكان يتكلَّمُ بكلماتٍ حسَنة. وقد وعَظ الرشيد وغيرَهُ كما تقدَّم (^٥).
_________________
(١) ترجمته في الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني (١٩/ ١١٣)، الفهرست (٢٣٢)، تاريخ بغداد (٧/ ٩١)، المنتظم لابن الجوزي (٩/ ٢٠١).
(٢) في (ق): أبو عفان، تصحيف والمثبت من (ب، ح) ومصادر ترجمة أبي هفان.
(٣) الخبر والشعر في تاريخ بغداد (٧/ ٩١).
(٤) كذا في الأصول، والبيت في ديوان أبي العتاهية ص (١٠٥)، وروايته: "قد ماتا"، وهو بيت مفرد مذكورٌ مع القوافي التي رَويُّها على حرف التاء.
(٥) انظر ص (٤٧٧) من هذا الجزء.
[ ١٠ / ٤٩٠ ]
وعبدُ اللَّه بن إدريس الأوْدِي الكوفي (^١): سمع الأعمش، وابن جُريج، وشعبة، ومالكًا، وخلقًا سواهم. وروى عنه جماعاتٌ من الأئمة. وقد استدعاهُ الرشيد ليولِّيهُ القضاء، فقال: لا أصلح. وامتنع أشدَّ الامتناع، وكان قد سأل قبلَهُ وكيعًا فامتنع أيضًا، فطلب حفصَ بن غياث فقَبِل، وأطلق لكلِّ واحدٍ خمسةَ آلافٍ عِوَضًا عن كُلفتِه التي تكلَّفها في السفر فلم يقبَلْ وكيعٌ ولا ابنُ إدريس، وقبل ذلك حفص؛ فحلف ابنُ إدريس لا يكلِّمُه أبدًا.
وحجَّ الرشيدُ في بعض السنين، فاجتاز بالكوفةِ ومعه القاضي أبو يوسف، والأمين، والمأمون، فأمر الرشيد أنْ يجتمعَ شيوخُ الحديث ليُسمِعوا ولدَيْه. فاجتمعوا إلا ابنَ إدريس هذا، وعيسى بنَ يونس، فركب الأمينُ والمأمونُ بعد فراغِهما من سماعِهما على مَنِ اجتمع من المشايخِ إلى ابنِ إدريس، فاسمعَهما مئةَ حديث، فقال له المأمون: يا عم، إنْ أردتَ أعدتُها من حِفْظي، فأذِنَ له، فأعادَها من حفظِه كما سَمِعَها، فتعجَّبَ لحفظِه. ثم أمر له المأمون بمال، فلم يقبَلْ منه شيئًا. ثم سارا إلى عيسى بنِ يونس، فسمعا عليه، ثم أمر له المأمونُ بعشرةِ آلاف، فلم يقبَلْها، فظن أنه استقلَّها، فأضعفَها فقال: واللَّه لو ملأتَ لي المسجدَ مالكٌ إلى سقفِه ما قَبِلْتُ منه شيئًا على حديثِ رسولِ اللَّه ﷺ. ولما احتُضر ابنُ إدريس بكَتِ ابنتُه، فقال: علامَ تبكي؟ فقد ختمتُ في هذا البيت أربعةَ آلافِ ختمة.
صَعْصَعةُ بن سلام (^٢) ويقال ابن عبد اللَّه، أبو عبد اللَّه الدمشقي، ثم تحوَّل إلى الأندلس، فاستوطنها في زمنِ عبد الرحمن بن معاوية (^٣)، وابنِهِ هاشم. وهو أولُ من أدخل علمَ الحديث ومذهبَ الأوزاعي إلى بلاد الأندلس (^٤). ووَلِيَ الصلاةَ بِقُرْطُبَة. وفي أيامه غُرست الأشجارُ بالمسجدِ الجامعِ هناك، كما يراهُ الأوزاعي والشاميُّون، ويَكْرَهُهُ مالكٌ وأصحابُه. وقد روى عن مالك، والأوزاعي، وسعيدِ بن عبد العزيز. وروى عنه جماعةٌ منهم عبدُ الملك بن حَبِيب الفقيه، وذكرَهُ في كتاب "الفقهاء" وذكره ابنُ يونس في تاريخِه تاريخِ مصر، والحُميدي في تاريخ الأندلس. وحرَّرَ وفاتَه في هذه السنة. وحكَى عن شيخِهِ ابنِ حَزْم أنَّ صعصعةَ هذا أولُ من أدخلَ مذهبَ الأوزاعي إلى الأندلس. وقال ابن يونس: أول من أدخل علمَ الحديث إليها. وذكر أنه تُوفي قريبًا من سنةِ ثمانين ومئة. والذي حرَّرَهُ الحُميدي في هذه السنة أثبت.
_________________
(١) ترجمته في بحر الدم للإمام أحمد (٢٣١)، التاريخ الكبير (٥/ ٤٩)، الكنى والأسماء لمسلم (٢/ ٧٣٧)، معرفة الثقات للعجلي (٢/ ٢١)، الجرح والتعديل (٥/ ٨)، الثقات لابن حبان (٧/ ٥٩)، مولد العلماء ووفياتهم لابن زبر (١/ ٤٣١)، تقريب التهذيب (٢٩٥)، طبقات الحفاظ (١٢٤).
(٢) ترجمته في تاريخ ابن الفرضي (١/ ٦١٠) وتاريخ الإسلام للذهبي (٤/ ٦٥٦) (بتحقيق الدكتور بشار عواد).
(٣) في (ح، ق): زمن عبد الملك بن معاوية، وهو تصحيف والمثبت من (ب).
(٤) قال الذهبي في تاريخ الإسلام معقبًا على أنه أول من أدخل الحديث بالأندلس: "بل كان قبله معاوية بن صالح في طبقة شيوخه".
[ ١٠ / ٤٩١ ]
علي بن ظَبْيَان (^١) أبو الحسن العَبْسي، قاضي الشرقيَّة من بغداد، ولَّاهُ الرشيدُ ذلك، كان ثقةً عالمًا، من أصحابِ أبي حنيفة، ثم ولَّاهُ الرشيد قضاءَ القُضاة، وكان الرشيدُ يخرجُ معه إذا خرج من عندِه. مات بقَرْمِيسينَ في هذه السنة (^٢).
العباس بن الأحنف (^٣) بن الأسود بن طلحة، الشاعرُ المشهور، كان من عرَبِ خُراسان، ونشأ ببغداد، وكان لطيفًا ظَريفًا مقبولًا، حسَنَ الشعر.
قال أبو العباس: قال عبدُ اللَّه بن المعتز: لو قيل لي: منْ أحسنُ الناسِ شعرًا تعرفُه؟ لقلت: العباس.
قد سَحَّبَ الناسُ أذيالَ الظُّنونِ بنا … وفرَّقَ الناسُ فينا قولَهم فِرَقَا
فكاذبٌ قد رَمَى بالظنِّ غيرَكم … وصادقٌ ليس يَدْري أنَّهُ صَدَقا (^٤)
وقد طلَبَهُ الرشيدُ ذاتَ ليلةٍ في أثناءِ الليل، فانزعج لذلك، وخاف نساؤه؛ فلما وقف بين يدَي الرشيد قال له: ويحك، إنه قد عنَّ لي بيتٌ في جاريةٍ لي فاحببتُ أن تشفَعَهُ بمثلِه. فقال: يا أمير المؤمنين، ما خفتُ أعظمَ من هذه الليلة. فقال: ولِمَ؟ فذكر له دخولَ الحرسِ عليه في الليل، ثم جلس حتى سكَنَ رُوعُه، ثم قال: ما قلتَ يا أميرَ المؤمنين؟ فقال:
حنانٌ قد رأيناها … فلم نَرَ مثلها بَشَرا
فقال العباس:
يَزيدُكَ وَجْهُها حُسْنًا … إذا ما زِدْتَهُ نَظَرا
_________________
(١) ترجمته في طبقات ابن سعد (٦/ ٤٠٢)، الضعفاء والمتروكين للنسائي (٧٧)، الضعفاء للعقيلي (٣/ ٢٣٤)، كتاب المجروحين لابن حبان البستي (٢/ ١٠٥)، مولد العلماء ووفياتهم (١/ ٤٣١)، الكامل لابن عدي (٥/ ١٨٧)، تاريخ بغداد (١١/ ٤٤٣)، كتاب الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي (٢/ ١٩٥)، تهذيب الكمال (٢٠/ ٤٩٦)، ميزان الاعتدال (٥/ ١٦٣)، الكاشف (٢/ ٤٢)، لسان الميزان (٧/ ٣١١)، تهذيب التهذيب (٧/ ٣٠٠)، تقريب التهذيب (٤٠٢).
(٢) في (ق): "قوميسين"، والمثبت من (ب، ح)، وقَرْمِيسين -بالفتح ثم السكون وكسر الميم وياء مثناة من تحت وسين مهملة مكسورة وياء اخرى ساكنة ونون وهو تعريب كرمان شاهان-: بلدٌ معروف، بينه وبين هَمَذان ثلاثون فرسخًا، قُرْبَ الدِّينور. وهي بين هَمَذان وحُلْوان على جادَّة الحاج. معجم البلدان (٤/ ٣٣٠).
(٣) ترجمته في الأغاني (٨/ ٣٦٦)، تاريخ بغداد (١٢/ ١٢٧)، المنتظم لابن الجوزي (٩/ ٢٠٦)، الكامل لابن الأثير (٥/ ٣٣٧)، وفيات الأعيان (٣/ ٢٠)، العبر (١/ ٣١٢)، سير أعلام النبلاء (٩/ ٩٨)، شذرات الذهب (١/ ٣٣٤).
(٤) البيتان في ديوان العباس ص (٢٢٤)، والأغاني (٨/ ٣٨٣)، والمدهش لابن الجوزي (٤٠٠).
[ ١٠ / ٤٩٢ ]
فقال الرشيد: زِدْ. فقال:
إذا ما الليل مالَ علَيْـ … ــكَ بالإظْلامِ واعْتَكَرا
ودَجَّ فلم تَرَى فَجْرًا … فأبْرِزْها تَرَى قَمَرًا (^١)
فقال: إنَّا قد رأيناها، وقد أمرنا لك بعشرةِ آلافِ درهم.
ومن شعرِهِ الذي أقرَّ له فيه بشارُ بنُ بُرْد، وأثبته في سِلْك الشعراء بسببِه قولُه:
أبكي الذين أذاقوني مَوَدَّتَهُمْ … حتى إذا أيقظوني للهوَى رَقَدوا
واستنهضوني فلمَّا قمتُ مُنتصبًا … بِثقْلِ ما حَمَّلوني منهمُ قَعَدوا (^٢)
وله أيضًا:
وحدَّثتَنِي يا سعدُ عنها فِزِدْتَني … جنونًا فزِدْني من حديثِكَ يا سَعْدُ
هواها هوى لم يعرِفِ القلبُ غيرَهُ … فليس له قَبْلٌ وليس لَهُ بَعْدُ (^٣)
قال الأصمعي: دخلتُ على العباسِ بنِ الأحنف بالبصرةِ وهو طَريحٌ على فراشِه، يَجُودُ بنفسِهِ وهو يقول:
يا بعيدَ الدارِ عن وطنِهْ … مُفردًا يبكي على شَجَنِهْ
كلَّما جدَّ النحيبُ بهِ … زادَتِ الأسقامُ في بَدَنِهْ
ثم أُغمي عليه، ثم انتبه بصوتِ طائرٍ على شجرةٍ فقال:
ولقد زاد الفؤادَ شجًا … هاتفٌ يبكي على فَنَنِهْ
شاقَهُ ما شاقَني فبَكَى … كُلُّنا يبكي على سَكَنِه (^٤)
قال: ثم أُغمي عليه أخرى، فحرَّكْتُهُ فإذا هو قد مات.
قال الصولي: كانتْ وفاتُه في هذه السنة. وقال القاضي ابن خلِّكان إنه تُوفي بعدَها، وقيل قبلَها، في سنةِ ثمانٍ وثمانين ومئة. فاللَّه أعلم. وقال عمر بن شبَّة: سنة ثمان وثمانين. وزعم بعضُ المؤرِّخين أنه بَقي بعدَ الرشيد.
_________________
(١) الأبيات في ديوان الأحنف ص (١٥٢)، وقوله: "ترى" برفع المجزوم في شطري البيت الأخير، من ضرورات الشعر. ولفظ الديوان "يكن" في الشطرين.
(٢) البيتان في ديوان العباس ص (١٠٤)، وهما في ديوان بشار بن برد أيضًا ص (٤٣٤).
(٣) البيتان في ديوان العباس ص (١٢٠).
(٤) الأبيات بألفاظٍ مقاربة في ديوان العباس ص (٣١١).
[ ١٠ / ٤٩٣ ]
عيسى بن جعفر بن أبي جعفر المنصور أخو زُبيدة كان نائبًا على البصرة في أيام الرَّشيد، فمات في أثناء هذه السنة.