أبو نُوَاسر الشاعر (^٣): واسمهُ الحسن بن هانئ بن صباح بن عبد اللَّه بن الجرَّاح بن هِنب بن ددة بن غَنْم بن سُليم بن حَكَم بن سعد العشيرة بن مالك بن عمرو بن الغَوْث بن طَيِّئ بن أُدَد بن شبيب بن [عمر بن] سبيع بن الحارث بن زيد بن عدي بن عوف بن زيد بن هميسع بن عمرو بن يَشْحُب بن عَرِيب بن زيد بن كَهْلان بن سبأ بن يَشْجُب بن يَعْرُب بن قَحْطان بن عابِر بن شالخ بن أرْفَخْشَذ بن سام بن
_________________
(١) ترجمته في طبقات ابن سعد (٧/ ٣١٥)، التاريخ الكبير (١/ ٤٠٦)، الكنى والأسماء لمسلم (٢/ ٧٤٢)، الجرح والتعديل (٢/ ٢٢٨)، الثقات لابن حبان (٦/ ٥٢)، رجال صحيح البخاري للكلاباذي (١/ ٧٩)، رجال مسلم لابن منجويه (١/ ٥٤)، تاريخ بغداد (٦/ ٣١٩)، تهذيب الكمال (٢/ ٤٩٦)، سير أعلام النبلاء (٩/ ١٧١)، تهذيب التهذيب (١/ ٢٢٥)، تقريب التهذيب (١٠٤)، طبقات الحفاظ (١٣٨).
(٢) ترجمته في الجرح والتعديل (٣/ ٥٨٥)، الثقات لابن حبان (٦/ ١٠٧).
(٣) ترجمته في الأغاني (٢٠/ ٧١)، تاريخ بغداد (٧/ ٤٣٦)، تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر (١٣/ ٤٠٧)، المنتظم لابن الجوزي (١٠/ ١٦)، الكامل لابن الأثير (٥/ ٣٧٩)، وفيات الأعيان (٢/ ٩٥)، بغية الطلب في تاريخ حلب (١٠/ ٤٦٤٥)، سير أعلام النبلاء (٩/ ٢٧٩)، ميزان الاعتدال (٧/ ٤٣٦)، العبر (١/ ٣٢١)، لسان الميزان (٢/ ٢٨٥، و٧/ ١١٥)، النجوم الزاهرة (٢/ ١٥٦)، شذرات الذهب (١/ ٣٤٥).
[ ١٠ / ٥١٦ ]
نوح. كذا نسَبَهُ عبدُ اللَّه بن [أبي] سعد الورَّاق (^١)، نسَبَه إلى ولاءِ الجرَّاح بن عبد اللَّه الحَكَمي. ويقال له أبو نُوَاس البَصْري، كان أبوهُ من أهل دمشق، من جُندِ مروانَ بنِ محمد، ثم صار إلى الأهواز، وتزوَّج امرأةً يُقال لها جلبان، فولَدَتْ له أبا نُوَاس وابنًا آخر يُقال له أبو مُعاذ.
ثم صار أبو نواس إلى البصرة، فتأدَّبَ بها على أبي زيد وأبي عُبيدة. وقرأ كتابَ سِيبَوَيْه، ولزم خَلَفًا الأحمر؛ وصحب يونُسَ بن حَبيب الجَرْميَّ النَّحْوي.
وقد قال القاضي ابنُ خَلِّكان (^٢): صحب أبا أسامة والبةَ بن الحُبَاب الكوفي.
ورَوَى الحديث عن أزهرَ بنِ سعد، وحماد بن زيد، وحماد بن سلمة، وعبد الواحد بن زياد، ومعتمر بن سليمان، ويحيى القطَّان. وعنه محمد بن إبراهيم بن كثير الصيرفي. وحدث عنه جماعةٌ منهم الشافعي، وأحمد بن حنبل، وغُنْدَر، ومشاهيرُ العلماء.
ومن مشاهيرِ حديثِهِ ما رواه محمد بن إبراهيم بن كثير الصيرفي، [عن الحسن بن هانئ]، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ: "لا يموتنَ أحدُكم إلَّا وهو يُحسنُ الظنَّ باللَّه، فإنَّ حُسْنَ الظَّنِّ باللَّه ثَمَنُ الجنَّة" (^٣).
وقال محمد بن إبراهيم: دخلنا عليه وهو في الموت، فقال له صالح بن علي الهاشمي: يا أبا علي، أنت اليومَ في آخرِ يوم من أيام الدنيا، وأولِ يومٍ من أيامِ الآخرة، وبينك وبين اللَّه هَنَاتٌ (^٤)، فتُبْ إلى اللَّه من عَمِلك. فقال: إيَّاي تُخَوِّفَ باللَّه؟! أسنِدُوني. قال: فأسندناه. فقال: حدثني حماد بن سَلَمة، عن يزيد الرَّقاشي، عن أنس بن مالك، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ: "لِكُلّ نبيٍّ شفاعةٌ، وإني اختبأتُ شفاعتي لأهلِ الكبائرِ من أمتي يومَ القيامة" (^٥). ثم قال: أفلا تراني منهم؟.
_________________
(١) ترجمة الوراق هذا في تاريخ بغداد (١٠/ ٢٥). وما بين معقوفين منه، ومن نسب أبي نواس في تاريخ بغداد (٧/ ٤٣٦). وقد سقط هذا النسب من (ق)، وهو مثبت في (ب، ح).
(٢) في وفيات الأعيان (٢/ ٩٥، ٩٦).
(٣) إسناده ضعيف جدًا، فإن راويه عن محمد بن إبراهيم بن كثير هو إسماعيل بن علي الصيرفي، وهو غير ثقة، وأبو نواس غير أهل لرواية الحديث. وهذا الحديث نقله المؤلف من تاريخ دمشق لابن عساكر الذي نقله من معجم ابن جميع الصيداوي ٣٠١ حيث رواه من طريق ثابت عن أنس، وما أظنه إلا واهمًا، فهذا الحديث ساقه الخطيب بالإسناد نفسه في ترجمة محمد بن إبراهيم بن كثير الصيرفي من تاريخ (٢/ ٢٨٣ بتحقيقنا) ولكنه ذكره من حديث حماد، عن يزيد الرقاشي عن أنس، وهو الصواب، ويزيد ضعيف! على أن الشطر الأول من متن الحديث صحيح من حديث جابر بن عبد اللَّه، فهو عند مسلم (٨/ ١٦٥) (٢٨٧٧) وغيره، وينظر تمام تخريجه في تعليقنا على ابن ماجه (٤١٦٧) وتاريخ الخطيب (٢/ ٢٨٣ - ٢٨٤) (بشار).
(٤) "هنات": خِصالُ شرّ، مفردها هَنَة. النهاية في غريب الحديث (هنو).
(٥) إسناده ضعيف من هذا الوجه، ورواية يزيد الرقاشي عن أنس لهذا الحديث غريبة غير محفوظة، والمحفوظ رواية =
[ ١٠ / ٥١٧ ]
وقال أبو نُوَاس: ما قلتُ الشعر حتى رَوَيتُ عن ستين امرأةً، منهنَّ خنساء، وليلى، فما ظنُّكَ بالرجال؟.
وقال يعقوب بن السِّكِّيت: إذا رويتَ الشعرَ عن امرئ القيس والأعشى من أهلِ الجاهلية، ومن الإسلاميِّين جريرٍ والفرزدق، ومن المُحدَثين عن أبي نُواس فحسبُك.
وقد أثنى عليه غيرُ واحد، منهم الأصمعيّ، والجاحظ، والنَّظَّام.
قال أبو عمرو الشيباني: لولا أنَّ أبا نواس أفسَدَ شعرَهُ بما وَضَعَ فيه من الأقذار لاحتَجَجْنا به. يعني شعرَه الذي قاله في الخمريَّات والمُرْدَان -وقد كان يَميلُ إليهم- ونحو ذلك مما هو معروفٌ في شعرِه.
واجتمع طائفةٌ من الشعراء عند المأمون، فقيل لهم: أيُّكم القائل:
فلمّا تَحَسَّاها وقَفْنا كأنَّنا … نرَى قمرًا في الأرضِ يبلُغُ كوكبا (^١)؟
قالوا: أبو نواس. قال: فأيُّكم القائل:
إذا نزلَتْ دون اللَّهَاةِ من الفتى … دعَا هَمّهُ عن قلبِهِ برَحِيلِ (^٢)؟
قالوا: أبو نواس. قال: فأيُّكم القائل:
فتمشَّتْ في مَفَاصِلِهم … كتمَشِّي البُرْءَ في السَّقَمِ (^٣)؟
قالوا: أبو نواس. قال: فهو أشعَرُكم.
وقال سفيانُ بن عُيينةَ لابن مناذِر: ما أشعرَ ظريفَكُمْ أبا نُوَاسٍ في قوله:
يا قمرًا أبصرتُ في مَأتَمٍ … ينْدُبُ شَجْوًا بينَ أترابِ
أبْرَزَهُ المأتَمُ لي كارهًا … برَغْمِ ذي بابٍ وحُجَّاب
يَبْكي فيَذْري الدُّرَّ من عينه … ويَلْطِمُ الوَرْدَ بِعُنَّابِ
_________________
(١) = ثابت عن أنس، أخرجه الطيالسي (٢٠٢٦) والترمذي في الجامع (٢٤٣٥)، والبزار كما في كشف الأستار (٣٤٩٦)، وأبو يعلى في مسنده (٣٢٨٤)، وابن خزيمة في التوحيد ٢٧٠، وابن حبان (٦٤٦٨)، والطبراني في الأوسط (٨٥١٣)، والحاكم (١/ ٦٩)، وقال الترمذي: حسن صحيح غريب من هذا الوجه. وأخرجه أحمد (٣/ ٢١٣)، وأبو داود (٤٧٣٩)، وابن خزيمة في التوحيد ٢٧١، والحاكم (١/ ٦٩) من حديث أشعث المداني عن أنس (بشار).
(٢) لم أجد البيت في ديوان أبي نواس بهذا اللفظ، والذي فيه ص (٣٧): إذا عبَّ فيها شاربُ القَوْمِ خِلْتهُ … يُقَبّلُ في داجٍ من الليِل، كَوْكَبا
(٣) البيت في ديوان أبي نواس ص (٤٨٢).
(٤) البيت في ديوان ص (٥٣٧).
[ ١٠ / ٥١٨ ]
لا زالَ مَوْتًا دَأْبُ أحبابِهِ … ولم تَزَلْ رُؤْيَتُهُ دابي (^١)
قال ابنُ الأعرابي: أشعَرُ الناسِ أبو نُوَاس في قوله:
تغَطَّيْتُ من دَهْري بظِلِّ جناحِهِ … فعيني تَرَى دهري وليس يَرَاني
فلو تسألُ الأيامَ عنِّىَ ما دَرَتْ … وأين مكاني ما عَرَفْنَ مكاني (^٢)
وقال أبو العتاهية: قلتُ في الزُّهْد عشرينَ ألفَ بيت، وَدِدْتُ أنَّ لي مكانَها الأبياتَ الثلاثةَ التي قالها أبو نُوَاس، وهي هذه، وكانتْ مكتوبةً على قبرِه:
يا نُوَاسِيُّ تَوَقَّرْ … أو تَغَيَّرْ أو تَصَبَّرْ
إنْ يَكُنْ ساءَكَ دَهرٌ … فلَمَا سَرَّكَ أكْثَرْ
يا كثيرَ الذَّنْبِ عَفْوُ اللَّهِ … من ذَنْبِكَ أَكْبَرْ (^٣)
ومن شعرِ أبي نُوَاس يَمدَحُ بعضَ الأمراء:
أوجَدَهُ اللَّهُ فما مِثْلُهُ … لطالِبِ ذاكَ ولا ناشِدِ
وليس للَّهِ بِمُسْتَنْكَرٍ … أنْ يَجمعَ العالَمَ في واحِدِ (^٤)
وأنشدوا لسفيانَ بنِ عُيينة قولَ أبي نواس:
ما هَوَى إلَّا له سَبَبُ … يبْتَدي منهُ ويَنْشَعِبُ
فتَنَتْ قلبي مُحجَّبَة … وجْهُها بالحُسْنِ مُنْتَقِبُ
حَلِيَتْ والحُسْنُ تأخذُهُ … تنْتَقي منه وتَنْتَخِبُ
فاكتسَتْ منهُ طرائفَهُ … واسترَدَّتْ بعضَ ما تَهَبُ
فَهْيَ لو صَيَّرْتُ فيه لَهَا … عوْدةً لم يَثْنِها أرَبُ
صار جِدًّا ما مَزَحْتُ بِهِ … ربَّ جِدٍّ جَرَّهُ اللَّعِبُ (^٥)
فقال ابنُ عُيينة: آمنتُ بالذي خلَقَها.
_________________
(١) الأبيات في ديوان أبي نواس ص (٥٣) بألفاظ مقاربة.
(٢) البيتان في ديوان أبي نواس ص (٦٥٠).
(٣) الأبيات في ديوان أبي نواس ص (٣٤٨). وهي في تاريخ ابن عساكر (١٣/ ٤٥٩، ٤٦٠)، وفيه زيادة بيت وهو: أكثرُ العصيانِ للَّه في أصْـ … ـغَرِ عفوِ اللَّه يَصْغَرْ
(٤) البيتان من قصيدة في ديوان أبي نواس ص (٢١٨).
(٥) الأبيات في ديوان أبي نواس ص (٥١).
[ ١٠ / ٥١٩ ]
وقال ابنُ دُريد: قال أبو حاتم: لو أنَّ العامَّةَ بدَّلَتْ هذَيْنِ البيتين لكتبتُهما بماءَ الذهب (^١):
ولو أني استزَدْتُكَ فوقَ ما بي … من البَلْوَى لأعْوَزَكَ المزيدُ
ولو عُرِضَتْ على الموتى حياتي … بعيشٍ مثل عيشي لم يُريدوا
وقد سمع أبو نُواس حديثَ سُهيل، عن أبي صالح (^٢)، عن أبي هُريرة، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "القلوبُ جُنودٌ مُجنَّدة، فما تعارَفَ منها ائتلَفَ، وما تَنَاكَرَ منها اختلف" (^٣). فنظم ذلك في قصيدةٍ له فقال:
إنَّ القلوبَ لأجنادٌ مُجَنَّدةٌ … للَّه في الأرضِ بالأهواءِ تعترِفُ
فما تناكَرَ منها فهو مختلفٌ … وما تعارَفَ منها فهو مؤتلفُ (^٤)
ودخل يومًا أبو نواس مع جماعةٍ من المحدِّثين على عبدِ الواحد بن زياد فقال لهم عبدُ الواحد: لِيَخْتَرْ كل واحدٍ منكم عشرةَ أحاديث أُحدِّثُه بها. فاختار كلُّ واحدٍ عشرةً إلَّا أبا نُواسَ، فقال له: ما لَكَ لا تختارُ كما اختاروا فأنشأ يقول:
ولقد كُنَّا رَوَيْنا … عن سعيدٍ عن قَتَادهْ
عن سعيدِ بنِ المُسَيّـ … ـبِ ثم ابنِ عُبَادَة (^٥)
وعن الشعبيِّ والشَّعـ … ـبِيُّ شيخٌ ذو جَلادَهْ
وعن الأخيارِ نَحْكيـ … ـهِ وعَنْ أهْلِ الإفادَهْ
أنَّ مَنْ ماتَ مُحِبًّا … فلَهُ أجْرُ شَهَادَهْ (^٦)
_________________
(١) زادت نسختا (ب، ح) ما نصّه: وهما لأبي نواس. ولم أجدهما في ديوانه.
(٢) كذا في الأصول، وفي تاريخ بغداد (٤/ ٣٥١): "سهيل بن أبي صالح عن أبيه".
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه (٤/ ٢٣١) (٢٦٣٨)، وابن حبان في صحيحه (١٤/ ٤٢) (٦١٦٨)، وأبو داود (٤/ ٢٦٠) (٤٨٣٤)، والخطيب في تاريح بغداد (٤/ ٣٥١)، ولفظهم جميعًا "الأرواح جنود. . . ".
(٤) البيتان في ديوان أبي نواس ص (٤٢٢).
(٥) في الأصول: ثم "سعد بن عبادة"، ولا يستقيم به وزن البيت.
(٦) كذا روى الخبر والأبيات الخطيب البغدادي في تاريخه (٧/ ٤٣٨)، ولم نجد الأبيات في ديوان أبي نواس، وهي في ديوان محيي الدين بن عربي ص (٣٩١) بألفاظ مقاربة وزيادة، وهي: حدّث الشيخُ أبونا … عن أبيه عن قتادَهْ عن عطاءِ بنِ يسارٍ … عن سعيد بن عُبَادَهْ إنَّ منْ مات محبًّا … فله أجرُ الشهادَهْ ثم قد جاء بأخرى … مثلَ هذا وزيادَهْ عن فُضيلِ بنِ عياضٍ … وهو من أهل الزيادَهْ إنَّ منْ مات خليًّا … كانتِ النار مِهَادَهْ
[ ١٠ / ٥٢٠ ]
فقال له عبدُ الواحد: قُمْ عَنِّي يا فاجر، لا حدَّثْتُكَ ولا حدَّثْتُ أحدًا من هؤلاءِ من أجلِك. فبلغ ذلك مالكَ بنَ أنس وإبراهيمَ بن أبي يحيى، فقالا: كان ينبغي أن يُحدِّثَه، لعلَّ اللَّه أن يُصْلِحَه. قلت: وهذا الذي أنشَدَهُ أبو نُواس في شعره قد رواهُ ابنُ عديٍّ في كامِلِه عن ابن عباس موقوفًا ومرفوعًا "منْ عَشِقَ فعَفَّ فكتَمَ فماتَ ماتَ شهيدًا" (^١).
ومعناه: أنَّ منِ ابتُلي بالعِشْقِ من غيرِ اختيارٍ منه فصَبَرَ، وعَفَّ عن الفاحشة، ولم يُفشِ ذلك، فماتَ بسبب ذلك حَصَل له أجرٌ كثير. فإنْ صَحَّ هذا كان ذلك له نوع شهادة. واللَّه أعلم.
وروى الخطيبُ أيضًا (^٢)، أنَّ شُعبة لَقِيَ أبا نواس فقال له: حدِّثْنا من طُرَفِك. فقال مرتجلًا (^٣):
حدثنا الخفَّافُ عن وائلٍ … وخالدُ الحذَّاءُ عن جابِرِ
ومِسْعرٌ عن بعضِ أصحابِه … يرفعُهُ الشيخُ إلى عامِرِ
قالوا جميعًا: أيُّما طَفْلَةٍ (^٤) … عُلِّقَها ذو خُلُقٍ طاهرِ
فواصلَتْهُ ثم دامَتْ لهُ … على وِصَالِ الحافِظِ الذاكرِ
كانت له الجنة مفتوحةً … يَرْتعُ في مرتَعِها الزاهرِ
وأيُّ مَعْشوقٍ جَفَا عاشقًا … بعدَ وِصَالٍ دائمٍ ناضِرِ
ففي عذابِ اللَّه بُعدًا له … نَعَمْ وسُحقٍ دائمٍ داخِرِ
فقال له شعبة: إنك لجميل الأخلاق، وإني لأرجو لك.
وأنشد أبو نُواس أيضًا:
يا ساحرَ المُقْلَتَيْنِ والجيدِ … وقاتِلي منكَ بالمواعيدِ
تُوعِدُني الوَصْلَ ثم تُخْلِفُني … فلا تَفي منه لي بمَوْعُودي (^٥)
_________________
(١) أخرجه الخطيب في تاريخ بغداد (١١/ ٢٩٧)، وابن حبان في كتاب المجروحين (١/ ٣٥٢) (٤٥٦)، وعده بعضهم من الموضوعات، وانتصر له آخرون، وانظر نقد المنقول لمحمد بن أبي بكر الزرعي ص (١٣٢) (٢٢٤)، والمنار المنيف ص (١٤٠) (٣٢١)، وكشف الخفا (٢/ ٣٤٥، ٣٤٦)، وفيض القدير (٦/ ١٨٠)، فهو حديث غير صحيح.
(٢) في تاريخ بغداد (٧/ ٤٣٩).
(٣) في (ق): تحولت الأبيات إلى نثر، وربما ضلَّلتْ كتابتها نثرًا جامعي ديوان أبي نواس، فلم يثبتوها فيه.
(٤) "الطَّفْلة": الجارية الرَّخْصةُ الناعمة. لسان العرب (طفل).
(٥) في (ق): "ويلاي من خلفك موعودي"؛ وفي (ب، ح): "فوابلائي من مخلف موعودي"؛ وبكلا الروايتين لا يستقيم وزن البيت من المنسرح، والمثبت من تاريخ جرجان ص (٥١١).
[ ١٠ / ٥٢١ ]
حدَّثني الأزْرَقُ المحدِّثُ عن … شِمْرٍ وعَوْفٍ عن ابنِ مسعودِ (^١)
ما يُخْلِفُ الوَعْدَ غيرُ كافرةٍ … وكافِرٍ في الجحيمِ مَصْفُودِ
فبلغ ذلك إسحاق بن يوسف الأزرق فقال: كذَبَ عدوُّ اللَّه عليَّ وعلى التابعين، وعلى أصحابِ محمدٍ ﷺ.
وعن سُليم بن منصور بن عمار، قال: رأيتُ أبا نُوَاس في مجلس أبي يبكي بكاءً شديدًا، فقلت: إني لأرجو أنْ لا يُعذِّبَكَ اللَّه بعدَ هذا البكاء. فأنشأ يقول:
لم أبكِ في مجلسِ مَنْصُورِ … شَوْقًا إلى الجنَّةِ والحُورِ
ولا مِنَ القَبْرِ وأهوالِهِ … ولا من النَّفْخَةِ في الصُّورِ
ولا منَ النارِ وأغلالِها … ولا مِنَ الخِذْلانِ والجَوْرِ
لكنْ بُكائي لبُكا شادنٍ … تَقيه نفسي كلَّ مَحْذورِ (^٢)
ثم قال: إنما بكيتُ لبكاء هذا الأمردِ الذي إلى جانبِ أبيك. وكان صبيًّا حسنَ الصورة، يسمعُ الوَعْظَ فيبكي خوفًا من اللَّه ﷿.
قال أبو نواس: دعاني يومًا بعضُ الحاكَةِ وألحَّ عليَّ ليُضِيفني في مَنْزِلِه، ولم يزلْ بي حتى أجبتُه؛ فسار إلى مَنْزله وسرتُ معه، فإذا مَنْزلٌ لا بأسَ به، وقد احتفَلَ الحائكُ في الطعام، وجمع جمعًا من الحُيَّاك، فأكلنا وشربنا، ثم قال: يا شيدي أشتهي أنْ تقولَ في جاريتي شيئًا من الشعر -وكان مُغرَمًا بجاريةٍ له- قال: فقلت: أرنيها حتى أنظمَ على شكلِها وحُسْنِها. فكشف عنها فإذا هي أسْمجُ خَلْقِ اللَّهِ وأوحَشُهم، سوداء، شَمْطاء، ديدانيَّة (^٣)، يسيلُ لُعابُها على صدرها، فقلت لسيدها: ما اسمُها؟ فقال: تسنيم. فأنشأتُ أقول:
أسهَرَ ليلي حُبُّ تَسْنِيمِ … جاريةٍ في الحُسْنِ كالبُومِ
كأنَّما نَكْهَتُها كامخٌ … أو حُزمةٌ من حُزَمِ الثُّومِ
ضرَطَتْ من حُبِّي لها ضَرْطَةً … أفزَعَتْ منها مَلِكَ الرُّومِ
_________________
(١) في تاريخ جرجان: ". . . عن عمرو بن شمر عن ابن مسعود"، وفي (ق): ". . . عن شهر وعوف عن ابن مسعود". والمثبت من (ب، ح). ولم نجد هذه الأبيات في ديوان أبي نواس المطبوع.
(٢) البيت الأول والأخير في ديوان أبي نواس ص (٣٠١). أما الثاني والثالث فلا وجود لهما فيه، وتفردت (ق) بالبيت الثالث إذ سقط من (ب، ح)، وتاريخ بغداد (٧/ ٤٣٩)، والخبر فيه.
(٣) كذا في (ق)، وفي (ب): دندانية، وهي غير معجمة في (ح)، ولم أقف على معناها، ولا على مصدر يذكر الخبر أو الشعر. ولعلّه نسَبَها إلى الدُّود.
[ ١٠ / ٥٢٢ ]
قال: فقام الحائكُ يرقُصُ ويصفِّقُ سائرَ يومِه، ويفرَحُ ويقول: إنه شبَّهها واللَّه بمَلِك الرُّوم. ومن شعرِهِ أيضًا:
أبْرَمني الناسُ يقولونَ تُبْ … بزَعْمِهِمْ كَثَّرْتُ أوْزَارِيَه (^١)
إنْ كنتُ في النارِ وفي جنَّةٍ … ماذا عليكم يا بني الزَّانِيَهْ
وبالجملة، فقد ذكروا له أمورًا كثيرة ومجونًا وأشعارًا مُنكرة؛ وله في الخمريات والقاذورات والتشبيب بالمُرْدانِ والنِّسوان أشياءُ بشعةٌ شَنيعة. فمن الناس منْ يُفَسِّقُه ويَرْميهِ بالفاحشة؛ ومنهم من يرميه بالزَّنْدَقة؛ ومنهم من يقول: كان إنما يخرب على نفسه. والأول أظهر، لمَا في أشعارِهِ. فأمَّا الزندقةُ فبعيدةٌ عنه، ولكنْ كان فيه مُجون وخلاعةٌ كثيرة. وقد عزَوْا إليه في صِغَرِه وكِبَرِه أشياء مُنكرَة، اللَّه أعلمُ بصِحَّتِها. والعامَّةُ تنقلُ عنه أشياء كثيرةً لا حقيقةَ لها. وفي صحنِ جامعِ دمشق قُبَّةٌ يَفُورُ منها الماء، يقولُ الدماشقة: قبة أبي نُواس، وهي مبنيَّةٌ بعدَ موتِهِ بأزيَدَ من مئةٍ وخمسين سنة؛ فما أدْري لأيِّ شيءٍ نُسبَتْ إليه، فاللَّه أعلمُ بِهذا.
وقال محمد بن أبي عمير: سمعتُ أبا نُواسٍ يقول: واللَّه ما فتحتُ سراويلي لِحَرامٍ قَطّ.
وقال له محمدٌ الأمينُ بنُ الرشيد: أنتَ زِنْديق. فقال: يا أمير المؤمنين، لستُ بِزْنديق، وأنا أقول:
أُصلِّي الصلاةَ الخمسَ في حينِ وقتِها … وأشهدُ بالتوحيدِ للَّهِ خاضعا
وأُحسنُ غُسْلي إنْ ركبتُ جَنَابةً … وإنْ جاءني المسكينُ لم أكُ مانعا
وإِنِّي إنْ حانتْ من الكاسِ دعوةٌ … إلى بيعةِ الساقي أجبتُ مسارعا
وأشْرَبُها صِرْفًا على جَنْبِ ماعزٍ … وجَدْيٍ كثيرِ الشَّحْمِ أصبح راضعا
وجُوذابِ حُوَّارَى ولَوْزٍ وسُكَّرٍ … وما زال للخمَّارِ ذلك نافعا
وأجعَلُ تَخْليطَ الروافِضِ كلّهم … لِفَقْحةِ بَخْتَيْشُوعَ في النار طائعا
فقال له الأمين: ويحك! وما الذي ألجأك إلى فَقْحةِ بَخْتَيشُوع؟ فقال: به تَمَّتِ القافية. فأمَرَ له بجائزة. وبَخْتَيشوعُ الذي ذكرَهُ هو طبيبُ الخلفاء.
وقال الجاحظ: لا أعرفُ في كلام الشعراءِ أرَقَّ لا أحسَنَ من قولِ أبي نُواس حيث يقول:
أيَّةُ نار قَدَحَ القادِحُ … وأيُّ جدٍّ بلَغَ المازحُ
_________________
(١) ليس الشعر في ديوان أبيٍ نواس، وفي (ح، ق): "يقولون بزعمهم"، وفي (ب): "تب عمهم". وما أثبتُّه أشبه بالصواب وزنًا ومعنى.
[ ١٠ / ٥٢٣ ]
للَّهِ دَرُّ الشَيْب من واعِظٍ … وناصِحٍ لو حَذِرَ (^١) الناصحُ
يأبَى الفتى إلَّا اتباعَ الهوَى … ومَنْهَجُ الحَقِّ لَهُ واضِحُ
فاسْمُ بعَيْنَيْكَ إلى نِسْوَةٍ … مُهورُهُنَّ العمَلُ الصَّالِحُ
لا يَجْتَلي الحوراءَ في خِدْرِها … إلَّا امرؤٌ ميزانُهُ راجِحُ
مَنِ اتَّقَى اللَّه فذاك الذي … سِيقَ إليه المَتْجرُ الرابحُ
فاغْدُ فما في الدِّين أُغْلوطةٌ … ورُحْ لما أنتَ لَهُ رائحُ (^٢)
وقد استنشَدَهُ أبو هَفَّان قصيدَتَهُ التي في أوَّلِها: "لا تنس ليلى ولا تطرب إلى هند" (^٣). فلما فرَغَ منها سجَد له أبو هَفَّان، فقال له أبو نُوَاس: واللَّهِ لا أُكَلِّمُكَ مُدَّة. قال: فغَمَّني ذلك، فلما أردتُ الانصراف قال: متى أراك؟ فقلت: ألم تُقسِمْ؟ فقال: الدهرُ أقصرُ من أنْ يكونَ معه هَجْر.
ومن مُستجادِ شعرِه قولُه:
ألا رُبَّ وَجْه في التُّرابِ عَتِيقِ … ويا رُبَّ حُسْنٍ في التُّرابِ رَقيقِ
ويا رُبَّ حَزْمٍ في التُّرابِ ونَجْدَةٍ … ويا رُبَّ رأي في التُّرابِ وَثيقِ
فقُلْ لِقَريبِ الدارِ إنك ظاعِنٌ … إلى سَفَرٍ نائي المَحلِّ سَحِيقِ
أرى كل حَيٍّ هالكًا وابنَ هالكٍ … وذا نَسَبٍ في الهالكينَ عَريقِ
إذا امتَحَنَ الدنيا لَبيبٌ تكشَّفَتْ … له عن عدوٍّ في لباسِ صَدِيقِ (^٤)
وقوله:
لا تشرَهَنَّ فإنَّ الذُّلَّ في الشَّرَهِ … والعِزُّ في الحِلْمِ لا في الطَّيْشِ والسَّفَهِ
وقلْ لِمُغْتَبِط في التِّيهِ من حُمُقٍ … لو كنتَ تعلَمُ ما في التِّيهِ لم تَتِهِ
التِّيهُ مَفْسَدةٌ للدِّينِ مَنْقَصَةٌ … للعقلِ مَهْلَكةٌ للعِرْضِ فانتَبِهِ (^٥)
وجلس أبو العتاهية القاسم بن إسماعيل على دُكَّانِ ورَّاق، فكتب على ظهر دفترٍ هذه الأبيات:
أيا عجبًا كيف يُعْصَى الإلـ … ـهُ أمْ كيف يَجْحَدُهُ الجاحِدُ
_________________
(١) في (ق): "خطئ"، وفي الديوان: "سمع"، والمثبت من (ب، ح).
(٢) الأبيات في ديوان أبي نواس ص (١٧٥).
(٣) كذا في (ب، ح)، وفي (ق): "لا تنس ليلى ولا تنظر إلى هند". والقصيدة في ديوان أبي نواس، ومطلعها: لا تَبْكِ ليلى ولا تطرَبْ إلى هندِ … واشرَبْ على الوَرْدِ من حَمْرَاءَ كالوَرْدِ
(٤) الأبيات في ديوان أبي نواس ص (٤٦٥).
(٥) لم أجد الأبيات في ديوان أبي نواس المطبوع.
[ ١٠ / ٥٢٤ ]
وفي كلِّ شيءٍ لَهُ آيةٌ … تَدُلُّ على أنَّهُ واحِدُ
وللَّهِ في كلِّ تَسْكِينةٍ … وتَحْرِيكةٍ أبدًا له شاهدُ (^١)
ثم جاء أبو نُواس فقرأها، فقال: أحسَنَ قاتَلَهُ اللَّه، واللَّه لوَدِدْتُ أنَّها لي بجميع شيءٍ قلتُه؛ لِمَنْ هذه؟ قيل له: لأبي العثاهية. فأخذ الدفترَ فكتَبَ في جانبِها:
سبحانَ منْ خَلَقَ الخَلْـ … ـقَ مِنْ ضَعيفٍ مَهين
يَسوقُهُ من قَرَارٍ … إلى قرارٍ مَكِينِ
يَحُورُ شيئًا فشيئًا … في الحُجْبِ دون العيونِ
حتى بَدَتْ حَرَكاتٌ … مَخْلوقَةٌ من سُكُونِ (^٢)
ومن شعرِهِ المستجاد قولُه:
انقضَتْ شِرَّتي فعِفْتُ الملاهي … إذْ رَمَى الشَّيبُ مَفْرِقي بالدَّوَاهي
ونَهَتْني النُّهَى فمِلْتُ إلى العَدْ … لِ وأشْفَقْتُ من مَقالةِ ناهي
أيها الغافِلُ المُقِرُّ على السَّهْـ … ـــو لا عُذْرَ في المعادِ لِسَاهي
لا بأعمالِنا نُطيقُ خلاصًا … يومَ تَبْدو السماءُ فوقَ الجِبَاهِ
غيرَ أنَّا على الإساءةِ والتَّفْـ … ـريطِ نرجو من حُسْنِ عَفْوِ الإلهِ (^٣)
وقوله:
نموتُ ونَبْلَى غيرَ أنَّ ذنوبَنا … إذا نحن مِتنا لا تموتُ ولا تَبْلَى
ألا رُبَّ ذي عينَيْنِ لا تنفعانِهِ … وما تنفَعُ العينانِ مَنْ قلبه أعمَى (^٤)
وقوله:
لو أنَّ عينًا أوْهَمَتْها نفسُها … يومَ الحسابِ ممثَّلًا لم تَطْرِفِ
سبحانَ ذي الملَكُوتِ أيَّةُ ليلةٍ … مخضَتْ صبيحتها بيومِ المَوْقِفِ
كتب الفناءَ على البريَّةِ ربُّها … فالناسُ بين مقَدَّمٍ ومُخلَّفِ (^٥)
وذُكر أنَّ أبا نُواس لَمَّا أراد الإحرامَ بالحجِّ قال:
_________________
(١) الأبيات في ديوان أبي العتاهية ص (١٢٢)، وهي في ديوان لبيد بن ربيعة ص (٢٣١).
(٢) الأبيات في ديوان أبي نواس ص (٦٦٦).
(٣) الأبيات في ديوان أبي نواس ص (٦٨٨).
(٤) لم أجد البيتين في ديوان أبي نواس المطبوع، وهي في تاريخ ابن عساكر (١٣/ ٤٥٤).
(٥) لم أجد الأبيات في ديوان أبي نواس، والبيتان الأول والثاني في ديوان أبي العتاهية ص (٢٧٦).
[ ١٠ / ٥٢٥ ]
إلهنا ما أعْدَلَكْ … مَليكَ كُلِّ منْ ملَكْ
لَبَّيْكَ قد لَبَّيْتُ لك
لبَّيْكَ إنَّ الحمدَ لكْ … والمُلْكَ لا شَريكَ لَكْ
عبدُكَ قدْ أهَلَّ لَكْ … ما خَابَ عبدٌ سألَكْ
أنتَ لَهُ حيثُ سَلَكْ … لولاك يا ربُّ هَلَكْ
لَبَّيْكَ إنَّ الحمدَ لكْ … وَالمُلْكَ لا شَريكَ لَكْ
واللَّيْلُ لَمَّا أنْ حَلَكْ … والسابحاتُ في الفَلَكْ
على مَجَاري المُنْسَلَكْ … كلُّ نبيٍّ ومَلَكْ
وكُلُّ منْ أهَلَّ لكْ … سَبَّحَ أو صَلَّى فَلَكْ
لبَّيْكَ إنَّ الحمد لكْ … والمُلْكَ لا شَريكَ لَكْ
يا مُخْطئًا ما أغْفَلَكْ … عَصَيْتَ رَبًّا عَدَلَكْ
وأقدرَكْ وأمْهَلَكْ … عَجِّلْ وبادِرْ أمَلَكْ
واختِمْ بخيرٍ عَمَلَكْ
لبَّيْكَ إنَّ الحمدَ لكْ … والمُلْكَ لا شَريكَ لَكْ (^١)
وقال المعافَى بنُ زكريَّا الجَريريّ، حدّثنا محمد بن العباس بن الوليد، سمعتُ أحمد بن يحيى بن ثعلب يقول: دخلتُ على أحمد بنِ حنبل، فرأيتُ رجلًا تَهُمُّه نفسُه، لا يُحبُّ أنْ يُكثر عليه، كأنَّ النيرانَ قد سُعرَتْ بين يديه، فما زلتُ أترفَّقُ به، وتوسَّلتُ إليه أني من موالي شيبان، حتى كلَّمني فقال: في أيِّ شيءٍ نظَرْتَ من العلوم؟ فقلت في اللُّغةِ والشِّعر. قال: رأيتُ بالبصرةِ جماعةً يكتبونَ عن رجلٍ الشعر، قيل لي: هذا أبو نُوَاس فتخلَّلْتُ النَّاسَ ورائي، فلما جلستُ إليه أمْلَى علينا:
إذا ما خلَوْتَ الدهرَ يومًا فلا تَقُلْ … خلَوْتُ ولكنْ في الخلاءِ رقيبُ
ولا تحسبنَّ اللَّه يغفُلُ ساعةً … ولا أنَّ ما يَخْفَى عليه يَغيبُ
لَهَوْنا لَعَمْرُ اللَّهِ حتى تتابَعَتْ … ذُنوبٌ على آثارِهنَّ ذُنوبُ
فيا لَيْتَ أن اللَّه يَغفِرُ ما مَضَى … ويأذنُ في تَوْباتِنا فنَتُوبُ (^٢)
_________________
(١) الأبيات في ديوان أبي نواس ص (٤٨١)، وقد سقط منها بضعة أبيات، وكذا سقط من بعض الأصول، فأثبتُ ما جاء فيها جميعًا. وهي مع الخبر في تاريخ ابن عساكر (١٣/ ٤٥٤، ٤٥٥).
(٢) الأبيات الثلاثة الأولى في ديوان أبي نواس ص (١٠٣)، والأربعة جميعًا في ديوان أبي العتاهية ص (٣٤) وفيها زيادة.
[ ١٠ / ٥٢٦ ]
وزاد بعضُهم (^١) في روايةٍ عن أبي نُواس بعدَ هذه الأبيات:
أقولُ إذا ضاقَتْ عليَّ مذاهبي … وحلَّتْ بقلبي للهُمومِ نُدُوبُ
لِطُولِ جِنَاياتي وعُظْمِ خَطِيئتي … هَلَكْتُ ومالي في المتابِ نَصيبُ
وأغرَقُ في بَحرِ المخافَةِ آيسًا … وتَرْجِعُ نفسي تارةً فتتوبُ
وتذكُرُ عفوًا للكريم عن الورَى … فأحْيَا وأرجو عَفْوَهُ فأُنيبُ
وأخضَعُ في قولي وأرغَبُ سائلًا … عَسَى كاشفُ البَلْوَى عليَّ يتوبُ
قال ابنُ طَرَارا (^٢) الجَرِيري: وقد روَيْتُ هذه الأبيات لِمَنْ قبلَ أبي نُواس، وهي في زُهْدِيَّاتِه؛ وقد استشهَدَ بها النُّحَاة في أماكنَ كثيرة قد ذكَرْناها.
وقال حسنُ بن الدايَة: دخلتُ على أبي نواس وهو في مرَضِ الموت فقلت: عِظْني. فأنشأ يقول:
فكَثِّرْ ما استطعتَ من الخطايا … فإنك لاقيًا رَبًّا غفورا
ستبصِرُ إنْ وردتَ عليه عَفْوًا … وتَلْقَى سيدًا مَلِكًا قديرا
تعضُّ ندامَة كفَّيْكَ مِمَّا … تركتَ مخافةَ النارِ الشُّرورا (^٣)
فقلت: ويحك، وبمثلِ هذا الحالِ تَعِظُني بهذه الموعظة!، قال: اسكُتْ. حدّثنا حمادُ بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، قال: قال ﷺ: "ادَّخَرْتُ شفاعتي لأهلِ الكبائِرِ مِنْ أُمَّتي" (^٤).
وقد تقدَّمَ له بهذا الإسناد عنه: "لا يموتَنَّ أحدُكم إلَّا وهو يُحسنُ الظنَّ باللَّه" (^٥).
وقال الربيع وغيرُه، عن الشافعيِّ قال: دخَلْنا على أبي نُوَاس في اليوم الذي مات فيه وهو يَجودُ بنفسِهِ، فقلنا: ما أعدَدْتَ لهذا اليوم؟ فأنشأ يقول:
تَعاظَمَني ذَنبي فلمَّا قَرَنْتُهُ … بعَفْوِكَ ربي كان عَفْوكَ أعظَما
وما زلتَ ذا عَفْوٍ عن الذنبٍ لم تزَلْ … تَجودُ وتعفو مِنَّةٌ وتكرُّما
ولولاك لم يَغْوَ بإبليس عابدٌ … وكيف وقد أغْوَى صَفِيَّكَ آدَما
_________________
(١) هو ابن عساكر في تاريخه تاريخ مدينة دمشق (١٣/ ٤٥٦، ٤٥٧).
(٢) في (ق): طراز، وفي (ب، ح) طرار. وكلاهما تصحيف، والمثبت مما مضى في حاشية ص (٧) من نسخة (ق). وهو المعافى بن زكريا الذي سبق ذكره آنفًا.
(٣) الأبيات في ديوان أبي نواس ص (٣٠٧) بألفاظ مقاربة.
(٤) انظر تخريج الحديث في حاشية الصفحة (٥١٧) رقم (٥).
(٥) تقدم تخريجه في حاشية الصفحة (٥١٧) رقم (٣).
[ ١٠ / ٥٢٧ ]
رواه ابنُ عساكر (^١). وروى (^٢) أنهم وجدوا عند رأسِهِ رُقعةً مكتوبًا فيها بخطِّهِ:
يا رَبِّ إنْ عَظُمَتْ ذُنوبي كثرةً … فلقد علمتُ بأنَّ عَفْوَكَ أعظَمُ
أدعوكَ رَبِّ كما أمَرْتَ تضرُّعًا … فإذا ردَدْتَ يدي فمنْ ذا يَرْحمُ
إنْ كان لا يرجوكَ إلَّا مُحْسنٌ … فمَنِ الذي يَرْجو المسيءُ المُجْرِمُ
ما لي إليك وسيلةٌ إلَّا الرجا … وجميلُ عَفْوِكَ ثم أنِّي مُسْلِمُ (^٣)
وقال يوسف بن الداية: دخلتُ عليه وهو في السِّيَاق، فقلت: كيف تَجِدُك؟ فأطرَقَ مَلِيًّا، ثم رفع رأسه فقال:
دَبَّ فيَّ الفناءُ سُفْلًا وعُلْوًا … وأُراني أموتُ عُضْوًا فعُضْوَا
ليس تأتي من ساعةٍ بِيَ إلَّا … نَقَصَتْني بمرِّها بِيَ جُزْوَا
ذهبَتْ جِدَّتي بِلَذَّةِ عَيْشي … وتذكَّرْتُ طاعةَ اللَّهِ نِضْوَا (^٤)
قد أسأنا كُلَّ الإساءةِ فاللَّـ … ـهُمَّ صَفْحًا عنَا وغَفْرًا وعَفْوَا (^٥)
ثم ماتَ من ساعتِه. سامَحَنا اللَّه وإياه آمين.
وقد كان نقشُ خاتمِهِ: لا إله إلا اللَّه مُخلِصًا. فأوصَى أنْ يُجعَلَ في فَمِه إذا غَسَّلوه؛ ففعلوا به ذلك. ولما مات لم يجدوا له من المال سوى ثلاثِمئةِ درهم، وثيابِه وأثاثِه. وفد كانتْ وفاتُه في هذه السنةِ ببغداد، ودُفن في مقابرِ الشُّونِيزيّ، في تلِّ اليهود، وله خمسون سنة، وقيل ستون سنة، وقيل تسع وخمسون سنة. وقد رآه بعضُ أصحابِه في المنامِ فقال له: ما فعلَ اللَّه بك؟ فقال: غفَرَ لي بأبياتٍ قلتُها في النَّرْجِس:
تفكَّرْ في نباتِ الأرضِ وانظُرْ … إلى آثارِ ما صَنَعَ المَليكُ
عيونٌ من لُجَيْنٍ شاخصاتٌ … بأبصارٍ هي الذهَبُ السَّبيكُ
على قُضُبِ الزَّبَرْجَدِ شاهداتٌ … بأنَّ اللَّه ليس له شَريكُ (^٦)
_________________
(١) تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر (١٣/ ٤٥٨).
(٢) المصدر السابق (١٣/ ٤٦١).
(٣) الأبيات في ديوان أبي نواس ص (٣٠٧). وهي أيضًا مع الخبر في تاريخ ابن عساكر كما أشرنا في الحاشية السابقة.
(٤) النِّضْو بالكسر: البَعير المهزولِ وقيل: هو المهزول من جميعِ الدوابِ وهو أكثر، والجمع أنضاءِ وقد يُستعمل في الإنسان. لسان العرب (نضو).
(٥) الخبر والأبيات في تاريخ ابن عساكر (١٣/ ٤٦٠، ٤٦١). وهي في ديوان أبي نواس ص (٦٩١).
(٦) الخبر والأبيات في تاريخ ابن عساكر (١٣/ ٤٦٥)، ولم نجدها في ديوان أبي نواس.
[ ١٠ / ٥٢٨ ]
وفي روايةٍ عنه أنه قال: غفَرَ لي بأبياتٍ قلتُها وهي تحت وسادتي. فجاؤوا، فوجدوها برُقْعةٍ في خَطِّه:
يا ربِّ إنْ عَظُمتْ ذُنوبي كثرةً … فلقد علمتُ بأنَّ عَفْوَكَ أعظَمُ
الأبيات وقد تقدَّمَت (^١).
وفي روايةٍ لابنِ عساكر (^٢): قال بعضُهم: رأيتُه في المنام في هيئةٍ حسنة، ونعمةٍ عظيمة، فقلت له: ما فعل اللَّه بك؟ قال: غفَرَ لي. قلت: بماذا وقد كنتَ مُخَلِّطًا على نفسِك؟ فقال: جاء ذاتَ ليلةٍ رجلٌ صالِحٌ إلى المقابر، فبسط رداءه وصلَّى ركعتين، قرأ فيهما ألفَيْ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ثم أهدى ثوابَ ذلك لأهلِ تلك المقابر، فدخلتُ أنا في جُملتِهم، فغفر اللَّه لي.
وقال ابنُ خَلِّكان (^٣): أولُ شعير قاله أبو نُواس لما صحب أبا أُسامة والِبَة بنَ الحُبَاب:
حاملُ الهوَى تعِبُ … يَسْتَخِفُّهُ الطَّرَبُ
إنْ بكَى يحِقُّ لَهُ … ليس ما بِهِ لَعِبُ
تضحكين لاهِيَةً … والْمُحبُّ يَنْتَحبُ
تعجبينَ من سَقَمي … صِحَّتي هي العَجَبُ (^٤)
وقال المأمون: ما أحسنَ قولَه:
وما الناسُ إلا هالِكٌ وابنُ هالِكٍ … وذو نَسَبٍ في الهالِكينَ عَريقِ
إذا امتحنَ الدنيا لبيبٌ تكشَّفَتْ … له عن عدوٍّ في لباسِ صديقِ (^٥)
قال ابن خَلِّكان (^٦): وما أشدَّ رجاءه بربِّه حيثُ يقول:
تكَثَّرْ ما استطعتَ من الخطايا … فإنك لاقيًا رَبّا غفورا
ستبصرُ إنْ وردتَ عليه عَفْوًا … وتَلْقَى سيِّدًا مَلِكًا كبيرا
تعَضُّ ندامةً كفَّيْكَ مِمَّا … تركتَ مخافةَ النارِ الشُّرورا (^٧)
_________________
(١) في الصفحة السابقة.
(٢) تاريخ ابن عساكر (١٣/ ٤٦٥).
(٣) في وفيات الأعيان (٢/ ٩٥)، وفيه الخبر مطول.
(٤) الأبيات في ديوان أبي نواس ص (٥١)، وفيه بيت خامس وهو: كُلّما انْقَضى سببٌ … مِنْكِ عادَ لي سَبَبُ
(٥) البيتان في ديوان أبي نواس ص (٤٦٥)، بألفاظ مقاربة.
(٦) في وفيات الأعيان (٢/ ٩٦)، بنحوه.
(٧) الأبيات في ديوان أبي نواس ص (٣٠٧) بألفاظ مقاربة، وقد تقدمت في الصفحة السابقة.
[ ١٠ / ٥٢٩ ]