بِشْر الحافِي الزاهد المشهور (^٢): وهو بِشْر بن الحارث بن عبد الرحمن بن عطاء بن هلال بن ماهان بن عبد اللَّه المَرْوَزيّ، أبو نَصْر الزاهد، المعروف بالحَافي، نزيلُ بغداد.
قال ابن خلكان (^٣): وكان اسمُ جدِّه عبد اللَّه الغيور، أسلم على يدي عليّ بن أبي طالب.
قلت: وكان مولدُه ببغداد سنة خمسين ومئة، وسمع بها شيئًا كثيرًا من حمَّاد بن زيد، وعبد اللَّه بن المُبَارك، وابن مهدِيّ، ومالكٍ، وأبي بكر بن عياش، وغيرهم.
وعنه جماعة، منهم: أبو خَيْثمة زهير بن حرب، وسَرِيٌّ السَّقَطِيُّ، والعباس بن عبد العظيم، ومحمد بن حاتِم.
قال محمد بن سعد (^٤): سمع كثيرًا، ثم اشتغل بالعبادة، واعتزل الناس، ولم يُحدِّثْ.
وأثنى عليه غيرُ واحدٍ من الأئمة في عبادته وزهده وورعه ونسكه وتقشُّفه.
قال [الإمام أحمد يوم بلغه موتُه: لم يكن له نظيرٌ إلا عامر بن عبد قيس، ولو تزوَّج لكان قد تمَّ أمرُه (^٥).
وقال إبراهيم الحربيُّ: ما أخرجَتْ بغدادُ أتمَّ عقلًا، ولا أحفَظَ للسانه منه، ما عُرِفَ له غِيبةٌ لمسلمٍ، وكان في كل شعرة (^٦) منه عقل. ولو قُسم عقلُه على أهل بغدادَ لصاروا عقلاءَ وما نقص من عقله شيء (^٧).
_________________
(١) المصدر السابق.
(٢) حلية الأولياء (٨/ ٣٣٦)، تاريخ بغداد (٧/ ٦٧)، تهذيب ابن عساكر (٣/ ٢٣١)، مختصر ابن عساكر (٥/ ١٩١)، صفة الصفوة (٢/ ٣٢٥)، وفيات الأعيان (١/ ٢٧٤)، سير أعلام النبلاء (١٠/ ٤٦٩)، تهذيب الكمال (٤/ ٩٩)، طبقات الأولياء (١٠٩) شذرات الذهب (٢/ ٦٠).
(٣) وفيات الأعيان (١/ ٢٧٤)، واسم جدِّه فيه: بعبور. وفي تاريخ بغداد: يعفور، ولم ترد في ب، ظا.
(٤) طبقات ابن سعد (٧/ ٣٤٢).
(٥) تاريخ بغداد (٧/ ٧٣)، تاريخ ابن عساكر، المجلدة العاشرة، صفحة (٤٩)، سير أعلام النبلاء (١٠/ ٤٧٢ - ٤٧٤)، تهذيب الكمال (٤/ ١٠٥)، وبعدها في المطبوع؛ وفي رواية عنه أنه قال: ما ترك بعده مثله.
(٦) في النسخ: شعره عقل، والمثبت من ط.
(٧) تاريخ بغداد (٧/ ٧٣)، وابن عساكر (المجلدة العاشرة/ ٥١)، وسير أعلام النبلاء (١٠/ ٤٧٢، ٤٧٥).
[ ١١ / ١٠٦ ]
وذُكِر عن غير واحدٍ أنَّه كان شاطرًا (^١) في بدء أمره، وأنَّ سبب توبته أنه وجد رُقْعَة فيها اسمُ اللَّه ﷿ في أتُونِ حمَّامٍ، فرفعها، ورفعَ طَرْفَه إلى السّماء، وقال: سيّدي! اسمُك هاهنا ملقًى! ثم ذَهَبَ إلى عطّار فاشترى بدرهم غاليه (^٢) وضمَّخ تلك الرُّقْعَة منها، ووضعها حيث لا تُنال، فأحْيَى اللَّهُ قلبَه، وألهمه رشدَه، وصار إلى ما صار إليه من العبادة والزهادة (^٣).
ومن كلامه: مَنْ أحبَّ الدنيا فليتهيَّأ للذُّلِّ. وكان يأكلُ الخبزَ وحدَهُ، فقيل له: بماذا تأتدم؟ فقال: أذكر العافيةَ فأجعلها أدْمًا.
وكان لا يلبَسُ نعلًا بل يمشي حافيًا، طرق يومًا بابًا، فقيل: من؟ فقال: بِشر الحافي. فقالت جارية أما وجَدَ دانقين (^٤) يشتري له بها نعلًا ويستريح من هذا الاسم؟ قالوا: وكان سببُ تركه النعلَ: أنَّه جاء إلى حَذَّاء فطلب منه شِراكًا (^٥) لنعله، فقال له: ما أكثرَ كلفتكم (^٦) على الناس؟ فطرح النَّعلَ من يده، وخَلَعَ الأخرى من رجله، وحلَفَ لا يلبَسُ نعلًا أبدًا (^٧).
قال ابن خلكان (^٨): وكانت وفاته يومَ عاشوراء، وقيل: في رمضان ببغداد، وقيل: بمرو. قلت: الصحيح ببغداد في هذه السنة، وقيل: في سنة ستٍّ وعشرين، والأول أصحُّ، واللَّه أعلم.
وحين مات اجتمع في جنازته أهل بغداد على (^٩) بَكْرَةِ أبيهم، فأُخرج من بعد صلاة الفجر، فلم يستقرَّ في قبره إلا بعدَ العَتَمَةِ؛ وكان عليّ بن المدينيّ وغيرُه من أئمة الحديث يصيح بأعلى صوته في الجنازة: هذا واللَّه شرفُ الدنيا قبل شَرَفِ الآخرة (^١٠).
ورُوي: أنَّ الجِنَّ كانت تنوحُ عليه في بيته الذي كان يسكن فيه. وأنَّه رآه بعضهم في المنام، فقال له: ما فَعَلَ اللَّهُ بك؟ فقال: غفَرَ لي ولكلِّ من شهد جنازتي، ولكل مَن أحبَّني إلى يوم القيامة (^١١).
_________________
(١) "الشاطر": الخبيث الفاجر، وجمعها شُطَّار.
(٢) "الغالية": الطيب.
(٣) تاريِخ ابن عساكر (المجلدة العاشرة/ ٣٩)، ومختصره (٥/ ١٩١)، وتهذيب الكمال (٤/ ١٠٣).
(٤) في أ: دانقًا. و"الدَّانق": سُدُسُ دِرْهم، معرَّب.
(٥) "شِراك النعل": سيرُها الذي على ظهر القدم.
(٦) بعد هذا في ط: "يافقراء"، وليست في النسخ ولا وفيات الأعيان (١/ ٢٧٥).
(٧) تاريخ بغداد (٧/ ٦٩)، وتاريخ ابن عساكر (المجلدة العاشرة/ ٤١)، ومختصره لابن منظور (٥/ ١٩٢)، وتهذيب الكمال (٤/ ١٠٢).
(٨) وفيات الأعيان (١/ ٢٧٦).
(٩) في النسخ: عن بكرة.
(١٠) ابن عساكر (المجلدة العاشرة/ ٧٩)، ومختصره (٥/ ٢٠٤)، وتهذيب الكمال (٤/ ١٠٨).
(١١) ابن عساكر (المجلدة العاشرة/ ٨٠، ٨٢)، ومختصره (٥/ ٢٠٤، ٢٠٦)، وتهذيب الكمال (٤/ ١٠٩).
[ ١١ / ١٠٧ ]
وذكر الخطيبُ البغداديّ (^١) أنه كان له أخواثٌ ثلاثٌ، وهنَّ: مُخَّة، ومُضْغة، وزُبْدة؛ وكلهنَّ عابدة زاهدة مثله، وأشدّ ورعًا أيضًا؛ ذهبت إحداهن فاستأذنَتْ على أحمد بن حنبل ﵀، فقالت: إنِّي ربَّما طُفئ السّراج عليَّ وأنا أغزِلُ، فإذا كان ضوء قمرٍ غزلْتُ فيه، فعليَّ عند البيع أن أميزَ بين هذا وهذا؟ فقال لها: إنْ كان بينهما فرقٌ فأعلمي به المشتري. وقالت (^٢) له: مرَّ الحرَسُ ليلة بمشعلٍ، فغَزَلْتُ في ضوئه طاقات، فخلّصني من ذلك. فأمرَها أن تتصدَّق بذلك الغَزْلِ كلِّه لِما اشْتبه عليه معرفةُ [عين] ذلك المقدار. وسألته عن أنين المريض: أفيه شكْوَى؟ قال: لا، إنَّما هو شكوى إلى اللَّه ﷿. ثم خرجت، فقال [لابنه عبد اللَّه] (^٣): يا بني، اذهبْ فاعلم لي مَن هذه المرأة؟ قال عبدُ اللَّه: فذهبتُ وراءها، فإذا هي قد دخلَتْ دارَ بِشْر الحافي، وإذا هي أخته، وفي رواية: مُخَّة.
وروى الخطيب (^٤) البغدادي عن زُبْدَة، قالت: جاء ليلة أخي بِشْر، فدخل برجلِه في الدار، وبقيت الأخرَى من خارج، فاستمرَّ كذلك ليلَته حتَّى أصبَحَ، فقيل له: فيمَ تفكَّرْتَ ليلتَكَ؟ قال: تفكَّرْتُ في بِشْر النصرانيّ، وبِشْر اليهوديّ، وبِشر المجوسيّ، وفي نفسي، واسمي بِشْرٌ، فقلْتُ في نفسي: ما الذي سبَقَ منك [إليه] حتى خصَّكَ بالإسلام من بينهم؟ فتفكَّرْتُ في تَفضُّلِه عليَّ، وحمِدْتُه على أن جعلني من خاصته، وألبَسَني لباسَ أحبابه.
وقد ترجمه ابنُ عساكر (^٥) فأطنب، وأطيب، وأطال من غير مَلال. وقد ذكر ابن عساكر أشعارًا حسنة، وذكر أنه كان يتمثل بهذه الأبيات (^٦):
تعافُ القَذَى في الماءَ لا تستطيعُهُ … وتكرَعُ في حَوْضِ الذنوب فتشربُ
وتؤثرُ من أكلِ الطَّعامِ ألَذَّهُ … ولا تذكرُ المختارَ من أينَ يُكسبُ (^٧)
وترقُدُ يا مسكين فوقَ نَمَارقي (^٨) … وفي حشوها نارٌ عليك تَلَهَّبُ
فحتى متى لا تَستفِيقُ جهالةً … وأنتَ ابنُ سبعينَ بدينكَ تلعَبُ
_________________
(١) تاريخ بغداد (١٤/ ٤٣٦).
(٢) في ط: وقالت له مرة إحداهن: ربما تمرّ بنا مشاعل بني طاهر في الليل ونحن نغزل، فنغزل الطاق والطاقين والطاقات، فخلصني. .
(٣) زيادة من ط.
(٤) تاريخ بغداد (١٤/ ٤٣٨)، تاريخ ابن عساكر (المجلدة العاشرة/ ٦١)، ومختصره (٥/ ١٩٧)، وصفة الصفوة (٢/ ٣٣١)، وما بين قوسين زيادة من تاريخ بغداد.
(٥) تاريخ ابن عساكر (المجلدة العاشرة/ ٣٥ - ٨٦)، ومختصره لابن منظور (٥/ ١٩١ - ٢٠٧).
(٦) تاريخ ابن عساكر (المجلدة العاشرة/ ٧٥).
(٧) في ب، ظا: ولا تذكر المجنى ومن أين تكسب.
(٨) "النَّمارق": مفردها نمْرُق، وهي الوسادة الصغيرة.
[ ١١ / ١٠٨ ]