هو عبد اللَّه المأمون بن هارون الرشيد بن محمد المهدي بن أبي جعفر المنصور عبد اللَّه بن محمد بن علي بن عبد اللَّه بن عباس القرشي الهاشمي العباسي، أبو جعفر أمير المؤمنين [المأمون] (^٢)، وأمُّه أمُّ ولدٍ اسمها: مَراجل الباذغيسيّة (^٣)، وكان مولده في ربيع الأول سنة سبعين ومئة ليلةَ توفي عمُّه الهادي، وولي أبوه هارون الرشيد، وكان ذلك ليلة جمعة كما تقدَّم.
قال ابن عساكر (^٤): رَوَى الحديث عن أبيه، وهُشَيم بن بشير، وأبي مُعاوية الضَّرير، ويوسف بن عطيّة، وعبَّاد بن العوام، وإسماعيل بن عُلية، وحجاج بن محمد الأعور.
وروى عنه: أبو حذيفة إسحاق بن بشر -وهو أسن منه- ويحيى بن أكثم القاضي، وابنه الفضل بن المأمون، ومعمر بن شبيب، وأبو يوسف القاضي، وجعفر بن أبي عثمان الطيالسي، وأحمد بن الحارث الشيعي، واليزيدي، وعمرو بن مسعدة، وعبد اللَّه بن طاهر بن الحسين، ومحمد بن إبراهيم السُّلَميّ، ودِعْبِل بن عليّ الخُزَاعيُّ. قال (^٥): وقدِمَ دمشقَ دفعات، وأقام بها مدة.
ثم روى [ابنُ عساكر] (^٦) من طريق أبي القاسم البَغوي، حدثنا أحمد بن إبراهيم الموصلي، قال: سمعت المأمون في الشَّمَّاسِيَّة (^٧) وقد أجرى الحَلْبة (^٨)، فجعل ينظر إلى كثرة الناس، فقال ليحيى بن أكثم: أما ترى؟ ثم قال: حدثنا يوسف بن عطية، عن ثابت، عن أنس، أن النبيَّ ﷺ قال: "الخَلْقُ كلُّهم عيال اللَّه فأحبُّهم إليه (^٩) أنفعُهم لعياله" (^١٠).
_________________
(١) المعارف، لابن قتيبة (ص ٣٨٧)، وتاريخ الطبري (٨/ ٤٢٨ و٦٤٥)، تاريخ بغداد (١٠/ ١٨٣)، وابن عساكر (الجزء ٣٩، ٢٢٢)، الكامل لابن الأثير (٦/ ٢٨٢ و٤٢٨)، سير أعلام النبلاء (١٠/ ٢٧٢)، شذرات الذهب (٢/ ٣٩).
(٢) زيادة من ب، ظا.
(٣) نسبة إلى باذَغِيس، وهي بليدات وقُرى كثيرة ومزارع بنواحي هراة. اللباب (١/ ١٠٥).
(٤) ابن عساكر الجزء (٣٩/ ٢٢٢).
(٥) أي ابن عساكر.
(٦) زيادة من ط.
(٧) "الشَّمَّاسِيَّة": بفتح أوله وتشديد ثانيه، ثم سين مهملة، منسوبة إلى بعض شمَّاسي النصارى، وهي مجاورة لدار الروم التي في أعلى مدينة بغداد. ياقوت.
(٨) "الحَلْبة": خيل تجمع للسباق من كل أوْب، جمع حلائب.
(٩) تاريخ ابن عساكر: في رواية: فأحب خلقه إليه، وفي الجزء ٣٩/ ٢٢٤.
(١٠) وفي سنده يوسف بن عطية بن ثابت الصفار البصري، أبو سهل، وهو متروك، كما قال الحافظ في التقريب. ورواه أيضًا من حديث أنس أبو يعلى والبزار، كما في مجمع الزوائد (٨/ ١٩١)، وقال الحافظ الهيثمي: وفيه =
[ ١١ / ٦٣ ]
ومن حديث أبي بكر المَيَانَجِيّ (^١) عن الحسين بن أحمد المالكي، عن يحيى بن أكثم القاضي، عن المأمون، عن هُشَيم، عن منصور عن الحسن، عن أبي بكرة: أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: "الحياء من الإيمان" (^٢).
ومن حديث جعفر [بن محمد] بن أبي عثمان الطيالسي، أنه صلَّى العصر يوم عرفة خلف المأمون بالرصافة، فلمَّا سلَّم كبَّر النَّاسُ، فجعل يقول: لا يا غوغاء، لا يا غوغاء، غدًا سنة أبي القاسم ﷺ. فلما كان الغدُ صعِدَ المنبرَ، فكبَّر. ثم قال: أنبأ هُشَيم بن بشير، حدَّثنا ابن شُبْرُمة، عن الشَّعبيّ، عن البَراء بن عازب، عنِ أبي بُرْدَة بن نيار، قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "مَنْ ذَبَح قَبْلَ أنْ يُصَلِّي فإنَّما هو لحمٌ قدَّمه لأهله، ومَنْ ذبَح بعد أن يُصَلِّي الغداة فقد أصاب السُّنَّة" (^٣). اللَّه أكبر كبيرًا. والحمد للَّه كَثيرًا، وسبحان اللَّه بُكرةً وأصيلًا، اللهم أصلحني واسْتَصْلِحني، وأصلحْ على يديّ.
وكان مولد المأمون ليلة مات عمه الهادي، وولي أبوه الرشيد، وذلك ليلة الجمعة للنصف من ربيع الأول سنة سبعين ومئة، وولي الخلافة في المحرم لخمس بقين منه بعد مقتل أخيه سنة ثمان وتسعين ومئة، واستمرَّ في الخلافة عشرين سنة وخمسة أشهر.
وقد كان فيه تشيع واعتزالٌ وجهلٌ بالسُّنَّة الصحيحة، وقد بايع في سنة إحدى ومئتين بولاية العهد من
_________________
(١) = يوسف بن عطية الصفار، وهو متروك. وذكره الهيثمي من حديث ابن مسعود، وقال: رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه عمير، وهو أبو هارون القرشي، متروك. وقد رواه الطبراني في الأوسط من حديث ابن عمر بلفظ: "أحب الناس إلى اللَّه تعالى أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى اللَّه ﷿ سرورٌ تدخله على مسلم أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه دينًا، أو تطرد عنه جوعًا. . ". وإسناده ضعيف، ولكن له طريق آخر، رواه ابن أبي الدنيا في "قضاء الحوائج" عن بعض أصحاب النبي ﷺ، وابن عساكر من طرقٍ عن ابن عمر، فهو حديث حسن (ع). وفي رواية: أحب العباد إلى اللَّه أنفعهم لعياله. رواه عبد اللَّه بن الإمام أحمد في زوائد الزهد لأبيه، عن الحسن مرسلًا، وهو ضعيف، لكن له شواهد، يكون بها حسنًا لغيره.
(٢) انظر غرائب حديث الميانجي (خ حديث ٢٧٩ ق ١٢٣ ظاهرية)، وتاريخ ابن عساكر، الجزء ٣٩، ص ٣٢٥.
(٣) وإسناده ضعيف، ولكن رواه البخاري (١٠/ ٤٣٣) في الأدب، باب الحياء؛ ومسلم رقم (٣٦) في الإيمان، باب بيان عدد شعب الإيمان، وفضيلة الحياء؛ وأبو داود رقم (٤٧٩٥) في الأدب، باب في الحياء؛ والترمذي رقم (٢٦١٥) في الإيمان، باب ما جاء أن الحياء من الإيمان؛ وابن ماجه رقم (٥٨) في المقدمة، باب في الإيمان، كلهم من حديث عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب ﵄. ورواه الترمذي رقم (٢٠٠٩) في البر والصلة، باب ما جاء في الحياء، من حديث أبي هريرة ﵁. فالحديث صحيح.
(٤) وهو في صحيح البخاري (١٠/ ٢ و٣) في الأضاحي، باب سنة الأضحية؛ ومسلم رقم (١٩٦١) (٧)؛ والنسائي (٣/ ١٨٢) في العيدين؛ والبيهقي في سننه (١٠/ ٢٧٦) في الأضاحي؛ باب وقت الأضحية؛ من حديث البراء بن عازب، ﵁.
[ ١١ / ٦٤ ]
بعده لعلي الرِّضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد البافر بن علي زين العابدين بن الحسين الشهيد بن علي بن أبي طالب، وخلّع السّوادَ ولبس الخُضْرَةَ كما قدَّمنا (^١)، فأعظَمَ ذلك العبّاسيون من البغاددة وغيرهم، وخلعوا المأمون وولَّوا عليهم إبراهيم بن المهدي، كما تقدَّم، ثم ظفر المأمون بهم واستقام أمره في الخلافة، وذلك بعد موت عليّ الرِّضا بطُوس، وعفا عن عمِّه إبراهيم بن المهدي، كما تقدّم بسطُ ذلك في موضعه (^٢).
وأمَّا كونه على مذهب الاعتزال فإنَّه اجتمع بجماعة؛ منهم: بِشْرُ بن غياث المَريسي، فأخذ عنهم هذا المذهب الباطل. وكان يحبُّ العلم، ولم يكن له بصيرةٌ نافذة فيه، فدخل عليه بسبب ذلك الداخلُ، وراج عنده الباطلُ؛ ودعا إليه وحَمَل الناس قهرًا عليه؛ وذلك في آخر أيامه وانقضاء دولته.
وقال أبو بكر بن أبي الدنيا: كان المأمون أبيضَ ربعةً، حسنَ الوجه، قد وخَطَهُ الشَّيبُ، تعلُوه صُفْرَةٌ، أعينَ، طويلَ اللّحية، رقيقَها، ضيِّقَ الجَبينِ، على خَدِّه خالٌ؛ أمُّه أمُّ ولدٍ يقالُ لها: مَراجل (^٣).
وروى الخطيب البغدادي عن القاسم بن محمد بن عباد، قال: لم يحفظ القرآنَ أحدٌ مِن الخلفاء غيرُ عثمانَ بن عفان والمأمون (^٤)؛ وهذا غريبٌ جدًّا (^٥).
قالوا: وكان يتلو في شهر رمضان ثلاثًا وثلاثين ختمةً، وجلس يومًا لإملاء الحديث فاجتمع حوله القاضي ابن أكثم وجماعة، فأملى عليهم من حفظه ثلاثين حديثًا. وكانت له بصيرة بعلوم متعددة، من فقهٍ، وطبٍّ، وشعرٍ، وفرائضَ، وكلامٍ، ونحوٍ، وعربية، وغريبٍ، وعلم النجوم؛ وإليه يُنسب الزِّيج (^٦) المأموني. وقد اختبر مقدار الدرجة في وطأة سنجار، فاختلف عملُه وعمل الأوائل من القدماء.
وروى ابن عساكر (^٧) أنَّ المأمون جلس يومًا للناس، وفي مجلسه الأمراء والعلماء، فجاءت امرأة تتظلَّم إليه، فذكرت أن أخاها توفي وترك ستمئة دينار، فلم يحصل لها سوى دينار واحد. فقال لها على البديهة: قد وصل إليك حقُّكِ، كأن أخاك قد ترك بنتين (^٨)، وأمَّا، وزوجة، واثني عشر أخًا، وأختًا
_________________
(١) تقدَّم في حوادث سنة ٢٠٤ هـ.
(٢) المصدر السابق.
(٣) تاريخ بغداد (١٠/ ١٨٤)، تاريخ ابن عساكر (الجزء ٣٩/ ٢٢٩)، سير أعلام النبلاء (١٠/ ٢٧٣).
(٤) تاريخ بغداد (١٠/ ١٩٠)، وتاريخ ابن عساكر (الجزء ٣٩/ ٢٣٤).
(٥) بعدها في ط: لا يوافق عليه، فقد كان يحفظ القرآن عدة من الخلفاء.
(٦) "الزِّيج": كتاب أو جدول يعرف منه سير الكواكب، ومنه يستخرج التقويم. فارسي معرب.
(٧) تاريخ ابن عساكر (الجزء ٣٩/ ٢٣٦). والخبر في سير أعلام النبلاء (١٠/ ٢٧٧)، والوافي بالوفيات (١٧/ ٦٥٧)، وفوات الوفيات (١/ ٢٤٠)، وتاريخ الخلفاء للسيوطي (٣٣١).
(٨) في ابن عساكر: أربع بنات.
[ ١١ / ٦٥ ]
واحدة وهي أنت؟ قالت: نعم يا أميرَ المؤمنين. فقال: للبنتين الثلثان أربعمئة دينار، وللأم السدسُ مئةُ دينار، وللزوجة الثمن خمسة وسبعون دينارًا، ويبقى خمسة وعشرون دينارًا، لكلّ أخٍ ديناران [ديناران] (^١)، ولك دينار واحدٌ.
فعجب الناس من فطنته [وِحدَّةِ ذِهنه] (^٢) وسرعة جوابه. وقد رُويت هذه الحكاية عن علي بن أبي طالب.
ودخل بعضُ الشعراء على المأمون وقد قال فيه بيتًا يراه عظيمًا، فلما أنشده إياه لم يقع منه موقعًا طائلًا، فخرج من عنده، فلقيه شاعر آخر فقال: ألا أعجبك؟ أنشدْتُ المأمون هذا البيت فلم يرفع به رأسًا. فقال: وما هو؟ قال: قلت في (^٣):
أضحى إمامُ الهُدَى المأمونُ مُشْتَغلًا … بالدِّينِ والنَّاسُ بالدنيا مَشَاغِيلُ
فقال له ذلك الشاعر: ما زِدْتَ على أن جعلْتَه عجوزًا في محرابها. فهلا قلت كما قال جريرٌ في عبد العزيز بن الوليد (^٤):
فَلا هُوَ في الدَّنيا مُضيعٌ نَصِيبَهُ … ولا عَرَضُ الدُّنيا عن الدِّينِ شاغِلُهْ
وقال المأمون يومًا لبعض جلسائه: بيتان لاثنين ما لحقهما أحدٌ، قولُ أبي نواس (^٥):
إذا اختبَرَ الدُّنيا لبيبٌ تكشَّفَتْ … لَهُ عن عَدوٍّ في ثيابِ صديقِ
وقولُ شريح (^٦):
تهونُ على الدُّنيا الملامةُ إنَّهُ … حريصٌ على اسْتِصْلاحها مَنْ يَلُومُها
قال [المأمون] (^٧): وقد ألجأني الزّحام يومًا وأنا في الموكب حتى خالطت السوق (^٨) فرأيت رجلًا
_________________
(١) زيادة من ابن عساكر وط.
(٢) ما بين حاصرتين زيادة من ط (ع).
(٣) البيت في الطبري (٨/ ٦٦٣)، وابن عساكر (الجزء ٣٩/ ٢٣٨)، والصناعتين (١١٩)، وسر الفصاحة (٢٤٨)، وشعر مروان بن أبي حفصة (ص ١١٧، ١٣٣).
(٤) الطبري (٨/ ٦٦٣)، وابن عساكر (الجزء ٣٩/ ٢٣٩) وديوان جرير (٤٣٥) وفي ط (عبد العزيز بن مروان) (ع).
(٥) ابن عساكر (الجزء ٣٩/ ٢٣٩) وديوان أبى نواس (٢٨٧).
(٦) ابن عساكر (الجزء ٣٩/ ٢٣٩).
(٧) زيادة من ط.
(٨) في ط: السوقة.
[ ١١ / ٦٦ ]
في دكان عليه أثواب خَلقة (^١)، فنظر إليَّ نظرَ مَن يرحمُني أو يتعجَّبُ من أمري، فقال (^٢):
أرَى كلَّ مَغْرُورٍ تُمَنِّيهِ نفسُهُ … إذا ما مَضَى عامٌ سلامةَ قابِلِ
وقال يحيى بن أكثم: سمعت المأمون يوم عيد خطب الناس؛ حمد اللَّه وأثنى عليه، وصلَّى على رسول اللَّه ﷺ ثم قال: عبادَ اللَّه! عظم أمرُ الدارين، وارتفع جزاءُ العاملين، وطالت مدَّة الفريقين، فواللَّه إنه للجِدُّ لا اللعبُ، وإنَّه للحَق لا الكذِب، وما هو إلَّا الموت، والبعث، والحساب، والفَصْل، والصّراط، ثم العقاب، والثواب. فمن نجا يومئذ فقد فاز، ومن هَوَى يومئذ فقد خاب. الخيرُ كُلُّه في الجنة، والشرُّ كلُّه في النار (^٣).
وروى ابن عساكر (^٤) من طريق النَّضْر بن شُميل، قال: دخلْتُ على المأمون، فقال: كيف أصبحْتَ يا نَضْر؟! قلت: بخير يا أمير المؤمنين! فقال: ما الإرجاء (^٥)؟ فقلْتُ: دين يوافق الملوكَ؛ يصيبون به من دنياهم وينقصون من دينهم. قال: صدقْتَ. ثم قال: يا نَضْر! أثدري ما قلْتُ في صبيحة هذا اليوم؟ قلت: إني لم أعلم الغيب. فقال: قلت (^٦):
أصْبَحَ ديني الَّذي أدِينُ بهِ … وَلَسْتُ منهُ الغَدَاةَ مُعْتَذِرا
حبُّ عليٍّ بعدَ النَّبيِّ ولا … أشتِمُ صِدِّيقنا ولا عُمَرا
ثم ابن عفَّان في الجِنَانِ مَعَ الـ … أبْرارِ ذاكَ القتيلُ مُصْطَبِرا
لا، لا، ولا أشتمُ الزُّبيرَ ولا … طلحةَ إنْ قالَ قائلٌ غدرَا
وعائشُ الأمُّ لستُ أشْتِمُها … مَن يَفْتَرِيها فنَحْنُ منهُ برا
وهذا المذهب ثاني مراتب التشيّع، وفيه (^٧) تفضيل عليٍّ على عثمان (^٨). وقد قال بعضُ السَّلف والدارقطني: مَن فضَّل عليًّا على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار -يعني في اجتهادهم ثلاثة أيام، ثم اتفقوا على تقديم عثمان على علي بعد مقتل عُمَرَ، ﵃ وبعد ذلك ستَّ عشرةَ مرتبةً في التشيّع، على ما ذكره صاحبُ كتاب "البلاغ الأكبر، والناموس الأعظم"، ينتهي إلى أكفر الكفر.
_________________
(١) يقال: ثوب خَلَق: بالٍ، والجمع خُلْقان وأخْلاق.
(٢) ابن عساكر (الجزء ٣٩/ ٢٣٩).
(٣) ابن عساكر (الجزء ٣٩/ ٢٤٨).
(٤) ابن عساكر (الجزء ٣٩/ ٢٤٨ - ٢٤٩).
(٥) في ابن عساكر: أتدري بالإرجاء؟.
(٦) الأبيات في ابن عساكر (الجزء ٣٩/ ٢٤٩)، وسير أعلام النبلاء (١٠/ ٢٨٢)، ووفيات الأعيان (٢/ ٢٣٨).
(٧) في ب، ظا: وقبله.
(٨) في ط: الصحابة.
[ ١١ / ٦٧ ]
وقد روَينا عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ﵁، أنه قال: لا أُوتى بأحدٍ فضَّلني على أبي بكرٍ وعُمَر إلا جَلَدتُه جَلْدَ المُفْتَري. وتواتر عنه أنه قال: خيرُ الناس بعد رسول اللَّه ﷺ أبو بكر ثم عمر ثم عثمان (^١).
فقد خالف المأمون بن الرشيد في مذهبه الصحابة كلَّهم حتى علي بن أبي طالب، ﵃.
وقد أضاف المأمون إلى بدعته هذه التي أزرى فيها على المهاجرين والأنصار، وخالفهم في ذلك، البدعةَ الأخرى والطَّامة العظمى، وهي القولُ بِخَلْقِ القرآن، مع ما فيه من الانهماك على تعاطي المسكِر وغير ذلك من الأفعال التي يعذر فيها المنكِر.
ولكن كان فيه شهامة عظيمة، وقوة جسيمة، وله همة في القتال، وحصار الأعداء، ومصابرة الروم وحصرهم في بلدانهم، وقتل فرسانهم، وأسر ذراريهم وولدانهم.
وكان يقول: [معاوية] بعَمْرِه، وعبد الملك بحجَّاجِهِ، وأنا بنفسي (^٢).
وكان يقصد العدل، ويتوَّلى بنفسه بين الناس الفصلَ؛ جاءته امرأة ضعيفة فتظلَّمت على ابنه العباسِ وهو واقف على رأسه، فأمرَ الحاجبَ فأخذ بيده فأجلَسَه معها بين يديه، فادَّعَتْ عليه أنه أخذ ضيعةً لها واستحوذ عليها، فتناظرا ساعةً فجعل صوتُها يعلو على صوته، فزجرها بعضُ الحاضرين، فقال له المأمون: اسكت، فإنَّ الحقَّ أنطقها والباطلَ أسكته، ثم حكم لها بحقها، وأغرم لها ولَدَه بعشرة آلاف درهم (^٣).
وكتب إلى بحض الأمراء: ليس من المروءة أن تكون آنيتك من ذهب وفضَّة، وغريمك عارٍ، وجارك طاوٍ (^٤).
ووقف رجلٌ بين يدي المأمون، فقال له المأمون: واللَّه لأقتلنَّك! فقال: يا أميرَ المؤمنين، تأنَّ عَليَّ، فإنَّ الرِّفْقَ نِصفُ العَفْو، فقال: ويحك! وقد حلفت لأقتلنَّكَ! فقال: يا أميرَ المؤمنين، لأنْ تلقى اللَّه ﷿ حانِثًا خيرٌ لك من أن تلقاه قاتلًا. فعفا عنه (^٥).
وكان يقول: ليت أهلَ الجرائم يعرفون مذهبي في العفو حتى يذهبَ الخوفُ عنهم، ويدخلَ السُّرورُ إلى قلوبهم (^٦).
_________________
(١) قوله: ثم عثمان لم يرد في ب، ط.
(٢) تاريخ بغداد (١٠/ ١٩٠)، وابن عساكر (الجزء ٣٩/ ٢٥٥)، والوافي بالوفيات (١٧/ ٦٥٦).
(٣) العقد الفريد (١/ ٢٢)، وابن عساكر (الجزء ٣٩/ ٢٥٦).
(٤) العقد الفريد (٤/ ٣٠٣)، وابن عساكر (الجزء ٣٩/ ٢٥٨).
(٥) تاريخ بغداد (١٠/ ١٩١)، وابن عساكر (الجزء ٣٩/ ٢٥٩).
(٦) ابن عساكر (الجزء ٣٩/ ٢٥٩)، والوافي بالوفيات (١٧/ ٦٥٧)، وتاريخ الخلفاء للسيوطي (ص ٣٢٥).
[ ١١ / ٦٨ ]
وركبَ يومًا في حرَّاقة، فسمع ملاحًا يقول: أترون هذا المأمونَ ينبُلُ في عيني، وقد قتلَ أخاه الأمين؟ وهو لا يشعر بمكان الخليفة، فجعَلَ المأمون يتبَّسم ويقولُ: كيف ترون الحيلةَ حتَّى أنبُلَ في عينِ هذا الرجل الجَلِيل (^١)؟ وحضر عنده هُدْبَةُ بن خالد يومًا، فتغدَّى عنده، فلمَّا رُفعت المائدة جعلَ هُدَبَةُ يلتقطُ ما تناثر منها، فقال له المأمون: أما شبعْتَ يا شيخُ؟! فقال: بلى، ولكن حدَّثني حمَّاد بنُ سلمة، عن ثابتٍ، عن أنس، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "مَنْ أكَلَ ما تحتَ مائدتِهِ أمِنَ منَ الفقر" (^٢) قال: فأمر له المأمون بألف دينارٍ (^٣).
وروى ابن عساكر (^٤) أن المأمون قال يومًا لمحمد بن عبَّاد بن المهلب: يا أبا عبد اللَّه! قد أعطيتُكَ ألفَ ألفٍ، وألفَ ألفٍ، وألفَ ألفٍ، وإنَّ عليك دينًا! فقال: يا أميرَ المؤمنين: إنَّ منع الموجود سوءُ ظَنٍّ بالمعبود. فقال: أحسنت يا أبا عبد اللَّه! أعطوه ألفَ ألفٍ، وألفَ ألفٍ، وألفَ ألفٍ.
ولمَّا أراد المأمون أن يدخلَ ببوران (^٥) بنت الحسن بن سهل جعل الناس يهدون لأبيها الأشياء النفيسة، وكان من جملة من يعتزُّ به رجلٌ من الأدباء؛ فأهدى إليه مِزْوَدًا (^٦) فيه ملح طيب، ومِزْودًا فيه أشنان (^٧) جيد، وكتب إليه: إني كرهت أن تُطوى صحيفة أهل البِرّ ولا أذكر فيها، فوجَّهت إليك بالمبتدأ به لِيُمنه وبركته، وبالمختوم به لطيبه ونظافته. وكتب إليه (^٨):
_________________
(١) تاريخ بغداد (١٠/ ١٨٩)، ابن عساكر (الجزء ٣٩/ ٢٦٠)، سير أعلام النبلاء (١٠/ ٢٧٩)، الوافي بالوفيات (١٧/ ٦٥٧)، فوات الوفيات (٢/ ٢٣٦)، تاريخ الخلفاء للسيوطي (٣٢٦).
(٢) ذكره الحافظ السيوطي في تاريخ الخلفاء صفحة (٣٢٢) فقال: وأخرج الخطيب، أي البغدادي، عن هدبة بن خالد، عن حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن أنس ﵁، عن رسول اللَّه ﷺ: "من أكل ما تحت مائدة أمن من الفقر". وذكر الحديث أيضًا المتقي الهندي في كنز العمال (١٥/ ٢٥٢) رقم (٤٠٨٢١) من حديث هدبة بن خالد عن حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس، وقال: قال ابن حجر في أطراف المختارة: سنده من هدبة على شرط مسلم، والمتن منكر. فلينظر فيمن دون هدبة. وفي رواية: "من أكل ما يسقط من المائدة لم يزل في سعة من رزق" رواه الدارقطني في الغرائب من حديث أبي هريرة. قال ابن عراق الكناني في تنزيه الشريعة (٢/ ٢٦٢) وفيه أحمد بن سليمان الحراني. قال الذهبي: ليس بعمدة. وفي رواية من حديث ابن عباس: "من أكل ما يسقط من المائدة نفي عنه الفقر" عند الديلمي، وفيه يوسف بن أبي يوسف القاضي، وهو مجهول.
(٣) ابن عساكر (الجزء ٣٩/ ٢٦٦)، وتاريخ الخلفاء للسيوطي (٣٢٧).
(٤) ابن عساكر (الجزء ٣٩/ ٢٦٧)، وعيون الأخبار (٣/ ١٧٥)، والعقد الفريد (١/ ١٧٢)، والمستجاد (١٧٩).
(٥) تقدم الحديث عن عرس بوران في حوادث سنة ٢١٠ هـ.
(٦) "المِزْوَد": وعاء الزاد، جمع مَزاود.
(٧) "الأشنان والإشنان": شجر ينبت في الأرض الرملية، يستعمل هو أو رماده في غسل الثياب والأيدي.
(٨) البيتان والخبر في ابن عساكر (الجزء ٣٩/ ٢٦٧ - ٢٦٨).
[ ١١ / ٦٩ ]
بِضاعتي تقصُرُ عن هِمَّتي … وهِمَّتي تقصُرُ عن مالي
فالمِلْحُ والأشْنَانُ يا سيدي … أحسَنُ ما يُهديهِ أمثالي
قال: فدخل بهما الحسنُ بن سهل على المأمون فأعجبَهُ ذلك، وأمر بالمِزْوَدَين ففرّغا وملئا دنانيرَ، وبعث بهما إلى ذلك الأديب.
وولد للمأمون ابنُه جعفر، فدخل الناس عليه يهنئونه بصنوفِ التهاني، ودخل بعضُ الشعراء (^١)، فقال: يهنِّيه بولده:
مدَّ لكَ اللَّهُ الحياةَ مَدًّا … حتى ترى ابنَكَ هذا جَدَّا
ثمَّ يُفْدَى مثلَ ما تُفَدَّى … كأنَّهُ أنتَ إذا تَبَدَّى
أشبهُ منكَ قامةً وقَدًّا … مؤزَّرًا بمجدِه مُردَّا (^٢)
قال: فأمر له بعشرة آلاف درهم.
وقدِمَ عليه وهو بدمشق مالٌ جزيل بعدما كان قد أفْلَسَ، وشكا إلى أخيه المعتصم ذلك، فورد عليه خزائن من خراسان ثلاثون ألف ألف درهمٍ، فخرج يستعرضها وقد زينت الجمال والأحمال، ومعه يحيى بن أكثم القاضي، فلما دخلت البلد قال: ليس من المروءة أن نحوزَ نحن هذا كلَّه والناسُ ينظرون، ثم فرَّق منه أربعة وعشرين ألفَ ألفِ درهم، ورِجلُه في الركاب لم ينزل عن فرسه (^٣).
ومن لطيف شعره قوله (^٤):
لِساني كَتُومٌ لأسرارِكمْ … ودمعِي ثمومٌ لِسرِّي مُذِيعُ
فلولا دُموعي كَتَمْتُ الهوَى … ولولا الهوى لَمْ يمُنْ لي دُموعُ
وقد بَعث خادمًا ليلة من الليالي ليأتيه بجارية، فأطال [الخادم] (^٥) عندها المُكْث، وتمنَّعت الجارية من المجيء إليه حتى يأتي إليها الخليفة بنفسه، فأنشأ المأمون يقولُ (^٦):
_________________
(١) هو العباس بن الأحنف، تاريخ بغداد (١٠/ ١٨٩)، وابن عساكر (الجزء ٣٩/ ٢٧٦) والأبيات أيضًا في الأغاني (٥/ ٣٢٣) (دار الكتب) منسوبة إلى إسحاق بن إبراهيم برواية ومناسبة مختلفتين.
(٢) "مؤزر": من الإزار؛ و"مردّى": من الرداء.
(٣) تاريخ الطبري (٨/ ٦٥٢)، والكامل لابن الأثير (٦/ ٤٣٣).
(٤) ابن عساكر (الجزء ٣٩/ ٢٨٠)، والمحاسن والمساوئ (٣٧٧)، والوافي (١٧/ ٦٥٩)، وتاريخ الخلفاء للسيوطي (٣٣٣).
(٥) زيادة من ط.
(٦) الطبري (٨/ ٦٥٨)، وابن عساكر (الجزء ٣٩/ ٢٧٩، ٢٨٠)، والكامل لابن الأثير (٦/ ٤٣٦).
[ ١١ / ٧٠ ]
بعثتكَ مُشْتاقًا ففُزْتَ بنَظْرةٍ … وأغفَلْتَني حتَّى أسأْتُ بكَ الظَّنَّا
وناجيْتَ مَنْ أهْوَى فَكُنْتَ مُقَرَّبًا … فياليتَ شعري عن دُنوِّك ما أغْنَى
وردَّدْتَ طَرفًا في محاسِنِ وجْهها … ومَتَعْتَ باستمتاع نغْمَتِها أذْنا
أرى أثرًا في صحن خدِّك لم يكن (^١) … لقد سرقَتْ عيناكَ من حُسْنِها حُسْنا
ولما ابتدَعَ المأمونُ ما ابتدع من التشيُّع والاعتزال، فرح بذلك بِشْر المَرِيسي (^٢) -وكان شيخَ المأمون ذلك- فأنشأ المَرِيِسيّ يقول (^٣):
قد قالَ مأمُونُنا وسيِّدُنا … قَولًا له في الكتابِ تَصديقُ
إنَّ عليًّا أعني أبا حَسَنٍ … أفضلُ من أرقلَتْ به النُّوقٌ (^٤)
بَعْدَ نبيِّ الهُدَى وإنَّ لنا … أعمالَنا، والقرانُ مخلوقُ
فأجابه بعضُ الشعراء من أهل السنة فقال (^٥):
يا أيُّها النَّاسُ لا قولٌ ولا عملٌ … لِمَنْ يقولُ: كلامُ اللَّه مخلوقُ
ما قالَ ذاكَ أبو بكرٍ ولا عُمَرٌ … ولا النبيُّ ولم يذكرْهُ صِدّيقُ
ولم يقلْ ذاكَ إلا كُلُّ مبتدِعٍ … على الإله وعندَ اللَّه زنديقُ
عَمْدًا أرادَ بهِ إمحاقَ دينكمُ … لأنَّ دينهُم واللَّهِ ممحوقُ
أصبَحَ يا قوم عقلًا من خليفتكمْ … يُمسي ويُصبح في الأغلالِ موثوقٌ (^٦)
وقد سأل بشر من المأمون أن يطلب قائلَ هذا فيؤدِّبه على ذلك، فقال: ويحك! لو كان فقيهًا لأدَّبته، ولكنه شاعر فلست أعرِضُ له.
ولما تجهز المأمون للغزو في آخر سفرة سافرها إلى طَرَسُوسَ، استَدْعَى بجاريةٍ كان يحبُّها وقد
_________________
(١) في ط والطبري وابن الأثير: أرى أثرًا منه بعينك بينًا.
(٢) من كبار الفقهاء، قال بخلق القرآن، ودعا إليه. وسيورد المؤلف ترجمته بعد قليل.
(٣) ابن عساكر (الجزء ٣٩/ ٢٨٢).
(٤) "أرْقَلت به النوق": أسرعت.
(٥) ابن عساكر (الجزء ٣٩/ ٢٨٢).
(٦) روايته في ط: يا قوم أصبح عقل من خليفتكم … مقيَّدًا وهو في الأغلال موثوق
[ ١١ / ٧١ ]
اشتراها في آخر عمره، فضمَّها إليه، فبكت الجارية وقالت: قتلْتَنِي يا أميرَ المؤمنين بسفرك! ثم أنشأتْ تقول (^١):
سأدعو دَعْوَةَ المضطر ربًّا … يُثيبُ على الدُّعاءَ ويستجيبُ
لعلَّ اللَّهَ أن يكفيكَ حَرْبا … ويَجْمَعَنا كما تهوى القُلوبُ
فضَّمها إليه وأنشا يقول: متمثِّلًا (^٢):
فيا حُسْنَها إذ يغسِل الدَّمْعُ كُحْلَها … وإذ هي تَذْري الدمعَ منها الأناملُ
صبيحةَ قالت في العتابِ قتلْتَني … وقتلي بما قالتْ هناكَ تحاوِلُ
ثم أمر الخادم مسرورًا بالإحسان إليها، والاحتفاظ عليها حتَّى يرجعَ، ثم قال: نحنُ كما قال الأخطلُ (^٣):
قومٌ إذا حارَبوا شَدُّوا مآزِرَهم … دُونَ النساءِ ولو باتَتْ بأطهارِ
ثم ودَّعها وسار فمرضت الجارية في غيبته هذه، ومات المأمون أيضًا، فلمَّا جاء نعيُه إليها تنفَّست الصُّعَداء وحضرتها الوفاة، وأنشأت تقول وهي (^٤) في السِّياق (^٥):
إنَّ الزَّمانَ سقانا مِنْ مَرارَتِهِ … بعدَ الحلاوةِ أنفاسًا فأروانا
أبدَى لنا تارةً منه فأضحكنا … ثمَّ انثنى تارةً أُخرى فأبْكانا
إنَّا إلى اللَّه فيما لا يزالُ لنا … من القضاءِ ومن تلوينِ ديانا
دنيا نراها تُرينا مِنْ تصرُّفها … ما لا يدومُ مصافاةً وأحزانا
ونحنُ فيها كأنَّا لا يُزايلنا … للعيشِ أحياؤنا (^٦) يبكونَ موتانا
كانت وفاة المأمون بطَرَسُوس في يوم الخميس وقتَ الظهر، وقيل: بعد العصر، لثلاث عشرة بقيت من رجب من سنة ثماني عشرة ومئتين، وله نحو من ثمان وأربعين سنة. وكانت مدَّة خلافته (^٧) عشرين سنة وأشهرًا، وصلَّى عليه أخوه المعتصم وهو وليُّ العهد من بعده، ودُفن بطَرَسُوس في دار خاقان
_________________
(١) ابن عساكر (الجزء ٣٩/ ٢٨٣)، وشذرات الذهب (٢/ ٣٩).
(٢) المصدر السابق.
(٣) ديوانه (١٢٠)، وابن عساكر (الجزء ٣٩/ ٢٨٤).
(٤) هي في السِّياق: أي في النَّزْع. و"السِّياق": نزع الروح.
(٥) ابن عساكر (الجزء ٣٩/ ٢٨٤).
(٦) في أ، ط: أحيا وما: وأثبت ما جاء في ب وابن عساكر.
(٧) في ابن عساكر: وكانت ولايته التي استقامت له عشرين سنة وخمسة أشهر وثلاثة عشر يومًا.
[ ١١ / ٧٢ ]
الخادم. وقيل: كانت وفاته يوم الثلاثاء. وقيل: يوم الأربعاء، لثمان بقين من رجب من هذه السنة. وقيل: إنه مات خارج طَرَسُوسَ بأربع مراحل، فحُمِلَ إليها حتى دُفن بها. وقيل: إنه نُقِلَ بعد ذلك في رمضان إلى أذَنَة، فدفن بها، واللَّه أعلم.
وقد قال أبو سعيد المخزومي (^١):
ما رأيتُ (^٢) النُّجومَ أغنَتْ عن المأْ … مونِ في عزِّ مُلْكِه (^٣) المأسُوسِ
خَلَّفوهُ بِعَرْصَتَيْ طَرَسُوسٍ … مثلما خلَّفوا أباهُ بطُوسِ
وقد كان أوصى إلى أخيه المعتصم، وكتبَ وصيتَه بحضرة ابنه العباس وجماعة القضاة والأمراء والوزراء والكُتَّاب.
وفيها القولُ بخلق القرآن، ولم يتبْ من ذلك حتَّى أدركه أجلُه، وانقضى عَملُه، وهو على ذلك لم يرجع عنه ولم يتبْ منه. وأوْصَى أن يكبِّر عليه الذي يصلِّي عليه خمسًا. وأوْصَى أخاه أبا إسحاق المعتصم بتقوى اللَّه ﷿ والرِّفقِ بالرعيَّة، وأن يعتقدَ ما كان يعتقده أخوه في القرآن، والدعاء إلى ذلك. وأوصاه بعبد اللَّه بن طاهر، وإسحاق (^٤) بن إبراهيم، وأحمد بن أبي دواد (^٥)، قال: شاوره في أمورك ولا تفارقه، وحذَّره من يحيى بن أكثم، ونهاه عنه وذمَّه، وقال: خانني ونفَّر النَّاسَ عنِّي، ففارقته غيرَ راضٍ عنه. ثم أوصاه بالعلويين خيرًا؛ أن يقبلَ من محسنهم، ويتجاوزَ عن مسيئهم، وأن يواصلهم بصلاتهم في كل سنة.
وقد ذكر ابن جرير (^٦) للمأمون ترجمة حافلة أورد فيها أشياء كثيرة لم يذكرها الحافظ ابن عساكر مع كثرة ما يورده، وفوق كل ذي علم عليم.
_________________
(١) تاريخ الطبري (٨/ ٦٥٥)، ابن عساكر (الجزء ٣٩/ ٢٩٢)، معجم البلدان (طرسوس)، تاريخ الخلفاء للسيوطي (٣١٩).
(٢) في ب، ط، والطبري، ومعجم البلدان وتاريخ الخلفاء: هل رأيتَ.
(٣) في ط والطبري: شيئًا أو ملكه.
(٤) في أ، ط: أحمد بن إبراهيم، واثبت ما جاء في ظا، ب. وهو إسحاق بن إبراهيم بن مُصْعَب الخزاعي الأمير، ابن عم طاهر بن الحسين، ولي بغداد أكثر من عشرين سنة، وكان صارمًا سائسًا حازمًا، وهو الذي كان يطلب الفقهاء ويمتحنهم بأمر المأمون. مات في بغداد سنة ٢٣٥ هـ. وسيترجم له المؤلف في أحداث سنة ٢٣٥ هـ، وترجمته أيضًا في العبر (١/ ٤٢٠)، وشذرات الذهب (٢/ ٨٤).
(٥) في أ، ب: أحمد بن داود، وأثبت ما جاء في ظ، ط، وهو: أحمد بن أبي دواد الإيادي، أحد القضاة المشهورين من المعتزلة، ورأس فتنة القول بخلق القرآن، وسيترجم له المؤلف في أحداث سنة ٢٤٠ هـ.
(٦) تاريخ الطبري (٨/ ٤٧٨ - ٦٦٦)، وتاريخ ابن عساكر (الجزء ٣٩/ ٢٢٢ - ٢٩٣).
[ ١١ / ٧٣ ]