وَخَرجْنَا من الْقَاهِرَة لقصد الشَّام بجد الاعتزام وَصدق الاهتمام وَتَقْدِيم الانتقام من الْعَدو ونصرة الْإِسْلَام يَوْم السبت السَّادِس وَالْعِشْرين من شعْبَان وتبعت العساكر السُّلْطَان وَاجْتمعَ إِلَيْنَا كل من عزم على السّفر من الركْبَان وَأهل الْبلدَانِ ورحلنا بالخميس بعد صَلَاة عيد الْفطر يَوْم الْخَمِيس فِي الْأسد والعريس وَكَانَ قد وصل الْخَبَر بالفرنج حِين انفصلوا عَن حماة نزلُوا على حصن حارم فَحَث السُّلْطَان العزائم وَقَالَ لَعَلَّنَا نلحقهم ونرهقهم وبالقتل نوبقهم وبالأسر نوثقهم وَفِي بَحر عسكرنا المجر نغرقهم وبنار الْحَدِيد نحرقهم وبجمعنا الجم نفرقهم وبثباتنا فِي الْمُلْتَقى نقلقهم ونروي الصعاد ونحوي الْبِلَاد ونديم الِاجْتِهَاد وَنُقِيم الْجِهَاد ونطير على سنابل الْهَام من سنابك الجرد الْجَرَاد ونردي إِلَى الْأَعْدَاء وردي الْأَعْدَاء ونعري الْحَدِيد ونلبسهم الْحداد ونجري الْجِيَاد ونجر الأجواد ونحضر القنا ونخرط القتاد
[ ٣ / ٥٦ ]
ونهلك المُرَاد وندرك المُرَاد ونثني الْعَنَان ونفني العناد ونخل بالإغماض ونخلي الأغماد وحيي الأجناد وننجي الأنجاد فاستكثرنا الْعدَد والازواد وسرنا فِي أَفْوَاج كالأمواج نستضيء فِي ليل العجاج بسرج الأسنة والزجاج وحثثنا إِلَى حثا وصدرنا إِلَى صدر يَوْم الْأَرْبَعَاء سَابِع الشَّهْر وقطعنا عقبَة أيله يَوْم السبت الْعَاشِر وأروينا الخوامس والعواشر وَهُنَاكَ على السَّاحِل نحفر الرمل فنخرج المَاء الْعد العذب ويروي مِنْهُ الركب وَيحمل الصحب وَهَا هُنَا سَأَلَني السُّلْطَان أَن أعمل أبياتا خَفِيفَة لَطِيفَة يكْتب بهَا إِلَى أَخِيه بِدِمَشْق فارتجلت (مجزوء الْكَامِل)
الشوق ابرح مَا يكو
ن إِذا دنا أمد اللِّقَاء
وتزيل أَيَّام التدا ني جور أَيَّام التنائي
كم غلَّة فِي الْقلب لَيْسَ
نارها ذَات انطفاء
وشكاية للوجد يُبْدِي
هَا لَدَى برح الخفاء
قد كَاد يغلب عِنْد تذ كاري لكم يأسي رجائي
أشتاقكم شوق المري
ض إِلَى معاودة الشِّفَاء
وأحبكم حب النفو
ش بِمَا تؤمل من بَقَاء
العَبْد يخْدم بالسلا
م وبالتحية وَالدُّعَاء
للسَّيِّد الْملك الْمُعظم
ذِي الْجَلالَة والْعَلَاء
وَهَا هُنَا نلمظ ببلغة من البلاغة اقتضاها حكم الصِّنَاعَة فِي الصياغة وَذَلِكَ أَنا كُنَّا سائرين فِي رفْقَة من أهل الْأَدَب نتجارى فِيمَا عَن لنا فِيهِ من الأرب وكل يقترح معنى ويقتطف مجنى فَعبر بِنَا مرموق مرموق فِي صُورَة ملك اسْمه شاهملك فاقترح عَليّ أَن ألغز فِي أَبْيَات أنظمها اسْمه فَقبلت رسمه وَقلت (الرمل)
اسْم محبوبي سداسي إِذا
سقط الثُّلُث فعكس الْكَلِمَة
وَإِذا قدم ثَانِي شطره
فَهُوَ سُلْطَان لنا ذُو عظمه
[ ٣ / ٥٧ ]
وَمَتى ينقص ثَانِيَة فَلَا
نقص يَبْدُو فِي بناه المحكمة
عري عجمي نصفه
كُله معنى لمن قد علمه
وَإِذا ساهم فِي تصحيفه
لَك بَاقِيَة قدم أَن تفهمه
وَهُوَ إِن شاءهم لكنه
فِيهِ إِيضَاح لهندي المبهمة
واقترح عَليّ فِي اسْم بلق فَقلت (الرمل)
اسْم من قد ركب الأبلق كي يتَعَدَّى ظَاهر فِي فرسه
وَهُوَ قلب الْقلب ابغي قلبه
فَأَنا من أجل ذَا هوسه
وَمَتى اسكن فِي جنته
مستمدا رِيحهَا من نَفسه
وأوردت هَذِه اللمْعَة لأعْلم أَنِّي مَا خلوت فِي ظغني واقامتي مِمَّن يستجدي غمامتي ويستليم ملامتي وينتشي من مدامتي ويهتدي مَا ينشوه من فضيلتي وَكَانُوا لتوفير موادهم وتسفير جوادهم يوفرون مودتي ويعتصمون بعصمتي ويأمنون فِي حرم حرمتي ويجرون فِي مكر مكرمتي وَحسن عيشة وحسنى شيعَة ومراعي متشعبة وشعاب مريعة ورياض وسيعة وشيعة (وَمَا زلنا نسير) حَتَّى وصلنا الى دمشق يَوْم السبت الرَّابِع وَالْعِشْرين من شَوَّال فَاسْتقْبلنَا أَهلهَا بنعم ذَات نوال وأمدونا من فواكهها برخائص وغوال وَاسْتقر بِنَا النَّوَى لكل نوال وَقدمنَا إِلَى حوالي أَحْوَال وجددنا الْعَهْد بلقيا أصدقائنا من أريب وأديب ونجيب وحبِيب ومتصرف ومتطرف وَأمين وأمير ووال فَأول مَا فتحت بِهِ عَيْني واستفتحت بزينته زيني وأكدت بعقده ديني وَأديت بنقده ديني كتاب كريم فاضلي وصلني من مصر يتشوقني فِيهِ ويشوقني الى معاليه وَكَانَ قد أَقَامَ بعد السُّلْطَان وَاسْتَأْذَنَ فِي الْحَج فِي السّنة الْقَابِلَة وَقَامَ الْملك الْعَادِل سيف الدّين نَائِبا فِي المملكة بالسير العادلة
[ ٣ / ٥٨ ]