وَعَاد السُّلْطَان إِلَى الْقَاهِرَة وَأقَام بهَا ظَاهر السُّلْطَان باهر الْبُرْهَان ثمَّ تقاضته عزمته واهتمت بالغزاة همته وجد بِالْجِهَادِ وجده وجهده وجردت سريجياته وأسرجت جرده وضمرت مذاكية وأذكيت ضوامره وَمَاجَتْ زواخره وأصحرت خوادره واستعرت مساعره وَعرضت عساكره وعلنت شعائره وَظَهَرت لله فِي سَبيله سرائره وزأرت ضراغمة وزخرت غمامة وزخرت خضارمه وخفقت بوارقه وأورقت مآرقه وسبقت عتاقه وعتقت سوابقه وقلقت بغوابربه أجفانه وَقربت للعسلان مرانه وتلذذت لشوق الطعان لدانه وفاضت على البحور غدرانه وتلبست
[ ٣ / ٣١ ]
الْأَجْسَام أبدانه وطارت بالجبال رياحه وأنارت بالنجوم رماحه وصافحت أشاجع الشجعان صفاحه وَدَار من عسكره على خصور الْعضَاة وشاحه أَسْفر فِي ليل العجاج من غرر دهمه صباحه ونهض ولواء النَّصْر من نجاحه جنَاحه وسما لأرزاق مستميحي الْآجَال سماحة وَتمّ بِتَوْفِيق الله فِي تيسير أَسبَاب مُرَاده اقتراحه وتراءت لَهُ فِي متاجر الْجِهَاد أرباحه وللدين أفراحه وللكفر أتراحه والشرك للرعب قد خرجت أرواحه وأبار الْعَدو وأباده احتباجه واجتياحه
وَخرج من الْقَاهِرَة يَوْم الْجُمُعَة ثَالِث جُمَادَى الأولى بعد الصَّلَاة وخيم بِظَاهِر بلبيس فِي خامسه بخميسه لقصد الْغُزَاة ثمَّ تقدمنا مِنْهُ إِلَى السدير وخيمنا بالمبرز فِي الْعَزْم الْمعلم بتأييد الله الْمُطَرز والجيش المجهز وَأَنا قد استكثرت فِي طَرِيق الْجِهَاد من العلوفة الأزواد مُسْتَقِيم على نهج الاستسعاد وَسنَن الاستعداد وجدد الِاجْتِهَاد وَقد أزف الرحيل وَفرض التَّعْجِيل واستصحب من الخيم الْخَفِيف ورد الِاجْتِهَاد وَقد أزف الرحيل وَفرض التَّعْجِيل واستصحب من الخيم الْخَفِيف ورد الثقيل ثمَّ نُودي خُذُوا زَاد عشرَة أَيَّام اخرى زِيَادَة للاستظهار ولإعواز ذَلِك عِنْد توَسط ديار الْكفَّار فركبت إِلَى سوق الْعَسْكَر للابتياع وَقد أَخذ السّعر الغالي وَأَنا صَاحب قلم لَا صَاحب علم وَقد استعشرت نَفسِي فِي هَذِه الْغَزْوَة من عَاقِبَة نَدم والمدى بعيد والخطب شَدِيد وَالطَّرِيق كُله فِي الرمل وجمالي وبغالي لَا تقوى على الْحمل وَالْجهَاد تضمر لَهُ الْعتاق الْجِيَاد وترهف لَهُ الرقَاق الْحداد وتثقف بِهِ الدقاق الصعاد وتقاد إِلَيْهِ الجنائب العراب وتجرب من قبله للغلاب فِي الإجراء الْجلاب والكمت الْجِيَاد انما يستجديها الكماة وَهَذَا المغزى والدأب لمن دأبه الْغُزَاة وَهَذِه نوبَة السيوف لَا نوبَة الأقلام وَفِي سلامتنا سَلامَة الْإِسْلَام وَالْوَاجِب على كل منا أَن يلْزم شغله وَلَا يتَعَدَّى حَده وَلَا يتَجَاوَز مَحَله لَا سِيمَا ونواب الدِّيوَان قد اسْتَأْذنُوا فِي العودة وأظهروا قلَّة الْعدة وأظهرت سري للْمولى الْأَجَل الْفَاضِل فسره إشفاقا عَليّ وإحسانا إِلَيّ وَكَانَ السُّلْطَان أَيْضا يُؤثر إيثاري ويختار اخْتِيَاري فَقَالَ أَنْت مَعنا أَو عزمت بِأَن تدعنا وَلَا
[ ٣ / ٣٢ ]
تتبعنا فَقلت الْأَمر للْمولى وَمَا يختاره لي فَهُوَ أولى فَقَالَ تعود وَتَدْعُو لنا وتسأل الله أَن يبلغنَا فِي النَّصْر سؤلنا
وَكنت قد كتبت أبياتا إِلَى المخدوم الْفَاضِل بِقبُول الْعذر مِنْهَا على سَبِيل المداعبة الرمل قيل فِي مصر نائل عدد الرم
ل ووفر كنيلها فِي الوفور
فاغتررنا بهَا وسرنا إِلَيْهَا
ووقعنا كَمَا ترى فِي الْغرُور
وحظينا بالرمل وَالسير فِيهِ
ومنعنا من نيلها الميسور
وبرزنا إِلَى المبرز نشكو
سدرا من نزولنا بالسدير
وعددنا مَعَ الرعاع فَلَا فِي ال
عير ندعى يَوْمًا وَلَا فِي النفير
قيل لي سر إِلَى الْجِهَاد وماذا
بَالغ فِي الْجِهَاد جهد مسيري
لَيْسَ يقوى فِي الْجَيْش جأشي وَلَا قو
سي يَرْمِي موترا إِلَى موتور
أَنا للكتب لَا الْكَتَائِب اقدا
مي وللصحف لَا الصحاف حضوري
كَاد فضلي يضيع لَوْلَا اهتمام ال
فَاضل الفائض الندى بأموري
وَأَنا مِنْهُ فِي ملابس جاه
رافلا مِنْهُ فِي حبير حبور
فَهُوَ رقى من الحضيض حظوظي
وسما بِي إِلَى سَرِير السرُور
وَمَا انْقَطَعت عَن السُّلْطَان فِي غَزَوَاته إِلَّا فِي هَذِه الْغَزْوَة وَقد عصمني الله فِيهَا من النُّبُوَّة وَنظر إِلَى فرفهني وألهم همي ونبهني
وَكنت لما فَارَقت الْقَاهِرَة استوحشت وتشوقت إِلَى أصدقائي وتعطشت وتسورت بوحشة الْوحدَة وتشوشت
وكتبت من المخيم ببلبيس إِلَى القَاضِي شمس الدّين مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُوسَى الْمَعْرُوف بِابْن الْفراش وَقد أَقَامَ بِالْقَاهِرَةِ أذكر لَهُ لواعج الاستيحاش وَكَانَ أصدق
[ ٣ / ٣٣ ]
صديق وأشفق وأرفق رَفِيق وَقد تصاحبنا فِي الْأَيَّام النورية وتوافقنا على الْمصَالح الْكُلية والجزئية واستشرته فِي التَّأَخُّر عَن السُّلْطَان وأذكر لَهُ بِقدر الْإِمْكَان فَكتب بِالْجَوَابِ وَأَشَارَ بِالصَّوَابِ وَقَالَ رافقه وَلَا تُفَارِقهُ وَفِي ركُوب المشاق لَا تشاققه فَإِنَّهُ يعرف لَك حَقك وَيعلم عزمك وصدقك فَكرِهت رَأْيه فَكتبت إِلَيْهِ وتلوت سور الْخطر وَآيَة عَلَيْهِ وضمنت الْكتاب هَذِه الأبيات وَقد دونتها بالإثبات الْبَسِيط إِذا رَضِيتُمْ بمكروهي فَذَاك رضى
لَا أَبْتَغِي غير مَا تبغون لي غَرضا
وَإِن رَأَيْتُمْ شِفَاء الْقلب فِي مرضِي
فإنني مستطيب ذَلِك المرضا
أَصبَحت ممتعضا من أجل أَنِّي لَا
أرْضى صديقا لما أَلْقَاهُ ممتعضا
أَن رمتم عوضا لي فِي محبتكم
فحاش لله أَن أبغي بكم عوضا
لله عَيْش تقضي عنْدكُمْ وَمضى
وَكَانَ مثل سَحَاب برقه ومضا
الْعَيْش دَان جناه الغض عنْدكُمْ
وَالْقلب محترق مني بجمر غضا
كَأَن فِي تَعب المشتاق راحتكم
فقد غَدا بعدكم من شوقكم حرضا
لم عَاد مُحكم أس الود منهدما
وَصَارَ مبرم حَبل الْعَهْد منتقضا
مَا كنت أَعهد مِنْكُم ذَا الْجفَاء وَلَا
حسبت أَن وَادي عنْدكُمْ رفضا
قد أظلم الْأُفق فِي عَيْني بغيبتكم
فان أذنتم لشخصي فِي الْحُضُور أضا
وَلست أول صب من أحبته
لما جفوا مَا قضى أوطاره وَقضى
نضا الضنا عَنهُ ثوبا لَان لابسه
من صِحَة فأعيدوا مَا ضناه نضا
مروا بِمَا شِئْتُم من محنة وأذى
فقد رَأَيْت امْتِثَال الْأَمر مفترضا
وَأَرْسلُوا الطيف عِنْدِي نَائِبا لكم
إِذا رَأَيْتُمْ بِأَن لَا تمنعوا الغمضا
ضَاقَ الفضاء الَّذِي فِيهِ نسير وَهل
يكون فِي فرقة الاحباب رحب فضا
طُوبَى لكم مصر وَالدَّار الَّتِي قضيت
فِيهَا المآرب والعيش الَّذِي خفضا
بعيشكم أَن خلوتم بانبساطكم
تَذكرُوا ضجرا بالعيش منقبضا
رَضِيتُمْ سَفَرِي عَنْكُم واعهدكم
بسفرتي عَنْكُم لَا تظْهرُونَ رضى
فَهَل ثقلت عَلَيْكُم إِذْ محضتكم
ودي كَذَلِك من فِي وده مَحْضا
[ ٣ / ٣٤ ]
.. هلا تكلفتم قولا أَمر بِهِ
وهيهات جوهركم قد عَاد لي عرضا
تفضلوا واشرحوا صَدْرِي بقربكم
أَو فاشرحوا ذَلِك الْمَعْنى الَّذِي غمضا
أنهضتموني بعبء من جفائكم
لَو أَنه فَوق سامي الطود مَا نهضا
وسمتموني فِي تكليفكم شططا
فَمَا الَّذِي لي من إعراضكم عرضا
أنفدت نقد دموعي لاشتياقكم
فحين أفنيته عاودت مقترضا
وَلما وقف القَاضِي شمس الدّين على الأبيات وَكَانَ ثَابت الْحلم حَلِيم الثَّبَات وَله خاطر وقاد خَبِير بصناعة النّظم نقاد وَله فِي ودي بِالصّدقِ اعْتِقَاد ولسري بالبحث افتقاد فَكتب إِلَيّ فِي الْجَواب مَا جعلته من طرز هَذَا الْكتاب أرْسلت سهم عتاب قد جعلت لَهُ
قلبِي وان لم تكن عينته غَرضا
فصرت كالدهر يجني أَهله آسفا
ويلتقي من عتاب المذنب المضضا
لَا تشك من زمن نبهت حَادِثَة
فالمجد أصبح من شكواك ممتعضا
وكل ذَنْب إِذا مَا عِشْت مغتفر
وكل سخط نلاقي مِنْك فَهُوَ رضَا
لما فرضتم على قلبِي مودتكم
جعلتم نصبي فِي الْحبّ مفترضا
لَا تنسبوني إِلَى إِيثَار بعدكم
فلست أرضي إِذا مَا فارقكم عوضا
ولي وداد تولى الصدْق عقدته
فَمَا ترَاهُ على الْأَيَّام منتقضا
يلقاك قلبِي على سبك العتاب لَهُ
بِصِحَّة لَيْسَ يخْشَى بعْدهَا مَرضا
حرضتموني على ذكرى عتابكم
فصرت من طول تذكاري لكم حرضا
هِيَ اللَّيَالِي تسوم الْمَرْء جوهره
فتشتريه وتعطيه المنى عرضا
سرى خيال المنى فِي ليل لمته
وَعَاد لماتها صبح المشيب أضا
وَإِنَّمَا ذَاك رعد برقه ومضا
فهيج الشوق فِي أحشائنا وَمضى
سرى الهوينا وأغرى بِي تلفته
فحين أرْسلت قلبِي خَلفه ركضا
هبها ترد سُرُورًا فَاتَ أَكْثَره
فَهَل يُعِيد شبَابًا بالمشيب قضى
[ ٣ / ٣٥ ]