قد وصل فِي هَذِه السّنة إِلَى السَّاحِل من الْبَحْر كند كَبِير يُقَال لَهُ افلند من أكبر طواغيت الْكفْر واعتقد خلو الشَّام من ناصري الْإِسْلَام ونائب السُّلْطَان بِدِمَشْق وَمَا يجْرِي مَعهَا من الممالك أَخُوهُ الْملك الْمُعظم فَخر الدّين شمس الدولة تورانشاه وَهُوَ متصرف فِيهَا تصرف الْملك وَقد بذل للفرنج مَا أمنت بِهِ الْبِلَاد من مضراتهم
[ ٣ / ٥٢ ]
وسلمت بِهِ الغلات من غاراتهم وَهُوَ خائض فِي أمره وانفاذه غائض فِي بَحر ملاذه وَقد علا شَرعه وخلا ذرعه وحلا لأبواب اللَّذَّات مَعَ اللدات قرعَة ولمراقب المناقب وإبكارها افتراعه وقرعه وَثَبت اصله وزكا فَرعه ودر بالجود والسماحة ضرعه وأنجب بسقيا الندى فِي أَرض الْحَمد زرعه واشتغل كل من الْأُمَرَاء فِي ثغره بهزله وجده وحلوه ومره وخيره وشره ونفعه وضره وعلنه وسره وعسره ويسره وبدا للْكَافِرِ الْوَاصِل ضعف المعاقل وخلوها من الْجند الْقَاتِل
وَمن جملَة شُرُوط هدنة الفرنج أَنهم إِذا وصل لَهُم ملك أَو كَبِير مَا لَهُم فِي دَفعه تَدْبِير إِنَّهُم يعاونونه وَلَا يباينونه ويحالفونه وَلَا يخالفونه فَإِذا عَاد عَادَتْ الْهُدْنَة كَمَا كَانَت وهانت الشدَّة ولانت وبحكم هَذَا الشَّرْط حشدوا الحشود وجندوا الْجنُود واجتمعوا إِلَى الكند الكنود فِي الذؤبان وَالْأسود والزرق وَالْبيض والسمر والسود ونزلوا على حماة فِي الْعشْرين من جُمَادَى الأولى وظنوا أَن لَهُم الْيَد فِي الطُّولى وصاحبها شهَاب الدّين مَحْمُود مَحْمُوم وَالْملك لمرضه مغموم مهموم وَكَانَ سيف الدّين عَليّ بن أَحْمد المشطوب بِالْقربِ فَدَخلَهَا وَخرج للحرب وَاجْتمعَ إِلَيْهِ رجال الطعْن وَالضَّرْب وَجَرت ضروب من الحروب وَكَاد الفرنج تهجم الْبَلَد فأخرجوهم من الدروب واتسعت خطى الخطوب واشتدت سطى الكروب وقوت الْمُسلمين عزايم عَليّ بن أَحْمد المشطوب وَأحمد مضاء مضَارب سيف الدّين وَأنزل الله على الْمُسلمين نَص النَّصْر بالتأييد والتمكيين وواصلوا الاشتجار وَقَطعُوا الْأَشْجَار وقاتلوا اللَّيْل وَالنَّهَار واستعاروا وهم أهل السعير مِنْهَا الاستعار وأطلقوا النَّار وأثاروا الثار وأرنوا للأوتار الأوتار وكشفوا الأسوار وكسفوا الْأَنْوَار وأبعدوا فِي الأنجاد والأغوار الغوار وطرقوا الكدار وطرقوا الأقدار فَأَعْجَزَهُمْ الْقدر الْغَالِب وتجمعت على كتبهمْ الْكَتَائِب
[ ٣ / ٥٣ ]
والتهبت عَلَيْهِم السلاهب ومطرتهم ببوارق بوارهم القواضب ونابتهم النوائب وحزبتهم الحوازب وسلبتهم وقضبتهم السمر السَّلب وَالْبيض القواضب وهم فِي كل يَوْم يقلون فِي الْعُيُون والمسلمون يكثرون والمؤمنون ينتعشون وَالْمُشْرِكُونَ يعثرون ثمَّ سَقَطت مهابتهم فِي من النُّفُوس وتبدل بشرهم بالعبوس وحصلوا فِي دَائِرَة البوس فَمَا صدقُوا كَيفَ يرحلون وقرفوا أَنهم كَانُوا يجهلون فكسعت أدبارهم وكسحت آثَارهم ونفرت أنفارهم وَكثر قَتلهمْ وإسارهم وسلب قرارهم وعميت من رُمَاة الحدق لبصائرهم أَبْصَارهم وسالت سيولهم فِي الْهَزِيمَة وَجَرت أنهارهم وثقلت عَلَيْهِم أوزارهم وغابوا وانقطعت أخبارهم وَلم تعرف أسرارهم وانطفأ شرارهم ولزمهم عارهم واغرقهم بحارهم وبودنا دَامَ دمارهم
ثمَّ اجْتَمعُوا بعد حِين ونزلوا على حارم ونصبوا عَلَيْهَا المجانيق والسلالم وَقَالُوا رجالها على صَاحب حلب عاصية وَهِي من نجدة الْمُسلمين قاصية وصاحبهم قد قتل وهم موتورون وللطلب بثأره مؤثرون وكالوهم بِصَاع المصاع وطافوا عَلَيْهِم بعقار القراع وحاصروها أَرْبَعَة أشهر وجندهم من هَلَاك صَاحبهمْ وَإِدْرَاك مناصبهم فِي تحير وتضور وَأهل حلب لَا يمدونهم وَلَا يصدون عَنْهُم الفرنج وَلَا يردونهم وَقتل وجرح أَكثر من فِي الْحصن وَغلب وَهن الوهن
ثمَّ تسَامح الحلبيون بعزم رحيلنا من مصر لقصد الشَّام لنصرة الْإِسْلَام وَقَالُوا أول مَا يصل صَلَاح الدّين يتسلم حارم ويلزمنا لمضايقتنا بهَا المغارم فراسلوا الفرنج وقاربوهم وارغبوهم وأرهبوهم وَقَالُوا لَهُم صَلَاح الدّين وَاصل وَمَا لكم بعد حُصُوله عنْدكُمْ من عناده حَاصِل وَيجب أَن ينظر فِي العواقب من هُوَ عَاقل وَقد عَرَفْتُمْ قُوَّة هَذَا الثغر وَأَنه لَا يُؤْخَذ بالحصر وَلَو طَال عَلَيْهِ عمر الصَّبْر فَملك قُلُوب الْفَرِيقَيْنِ الْفرق واضطرمت للرعب بهَا الحرق فتنازلوا عَن النزال بِمَا قرروه من قطيعة المَال وعدة من الْأُسَارَى فرسَان الْقِتَال ورحل الفرنج وضل بهم النهج وَمَا انفصلوا عَن حارم الا بعد انفصالنا عَن مصر وَأَنَّهُمْ ملكوا الْعذر فأجفلوا وَلم يحصلوا
[ ٣ / ٥٤ ]
على قطيعة وحصلوا على خسارة فظيعة وَأما الحلبيون فَإِنَّهُم راسلوا من بَقِي بحارم وَقد قتل وجرح مقاتلوهم وبذل الْجهد مجاهدوهم وستفرغوا الوسع وَاسْتَغْفرُوا وَصَابِرُوا وصبروا وَمَا لَهُم غير الله نَاصِر وَالْكفْر بأجمعه لَهُم حاصر فَلَمَّا فرج الله عَنْهُم وَنَفس كربهم وأسفر فِي ليل الصَّبْر بصبح النَّصْر صبحهمْ توَلّوا فِي طَاعَة الله الْعِصْيَان وتعدوا الْعدوان وأردفوا بالاحسان الْإِحْسَان وَخَرجُوا أَو مضى كل فِي طَرِيقه وفاز من الله باسعاده وتوفيقه