تقدّم قبل قليل أنّ كتاب "البستان" كان بين مصادر "ابن خَلِّكان" في كتابه "وَفَيَات الأعيان"، حيث ذكره مرتين، ونقل عنه أكثر من مرة دون التصريح به، ويُعتبر المؤرّخ "أبو بكر بن عبد الله بن أيبك الدواداري" أكثر المؤرّخين اعتمادًا على كتاب "البستان"، وذلك في موسوعته التاريخية: "كنز الدُّرَر وجامع الغُرَر"، وخاصة في أجزائه الثلاثة: "الدُّرّة السنية في أخبار الدولة العباسية"، و"الدُّرّة المضية في أخبار الدولة الفاطمية"، و"الدُّرّ المطلوب في أخبار ملوك بني أيوب"، وقد سبق الإشارة إلى ذلك، ويكاد نقْله عنه يكون حرفيًّا، فقد يُثْبِت نصَّه كما هو، وقد يُنقِص جزءًا منه، وقد يزيد عليه، ويبدأ الاقتباس منه في العهد العباسي، وبالتحديد اعتبارًا من حوادث سنة ٢٨٦ هـ، على عهد الخليفة "المعتضد بالله" (^٥)، وتبلغ الاقتباسات العشرات من النصوص، وقد نَدّ عن الأستاذة "دوروتيا كرافولسكي" ذِكر كتاب "البستان" بين مصادر "ابن أيبك"، في مقدّمتها، ولو وقفَتْ عليه لَصَحَّحَتْ وصوَّبَتْ عدّة أخطاء في نشرتها للدّرة السنية، بل، لَقَامتْ بترميم بعض النصوص التي تركَتْ فيها بياضًا. فابن أيبك يعتمد اسم "محمد بن الخليج" كما ورد في "البستان" في حوادث سنة ٢٩٠ هـ (^٦)، وهو في "تاريخ حلب": "الخليجي" (^٧)، وفي كل
_________________
(١) انظر: المنتزع من كتاب التاجي لأبي إسحاق الصابي - تحقيق د. محمد حسين الزبيدي - سلسلة كتب التراث - بغداد؟
(٢) البستان - ورقة ١٦١.
(٣) البستان - ورقة ١٧٦.
(٤) انظر تاريخ الأنطاكي، المعروف بصلة تاريخ أوتيخا - بتحقيقنا - طبعة جرّوس برس، طرابلس ١٩٩٠.
(٥) البستان - ورقة ١١٥، وقارن بالدرّة السنية، ص ٣٠٥.
(٦) البستان - ورقة ١١٩، الدرّة السنية ٣٢٠، ٣٢١ (حوادث سنة ٢٩٤ هـ).
(٧) تاريخ حلب، للعظيمي - ص ٢٧٥ حوادث سنة ٢٩٣ هـ.
[ ١٣ ]
المصادر: "الخلنجي". وتركت الأستاذة "كرافولسكي" بياضًا في الصفحة ٣٧٤ من "الدرّة السنية" عند الحديث عن ذكِر بطريرك الروم "فليقُسْطُوا"، فأثبتَتْ هذه الكلمة وكأنها فِعْلُ أمر، وليست اسم بطريرك (^١)، وهو "ثوفيلكطس بطريرك القسطنطينية" (^٢).
وقد أفَدْنا كثيرًا -بدَوْرنا- من كتاب "ابن أيبك" إذ هو يصحّح بعض الأخطاء الواردة في مخطوطتي "البستان"، فقد جاء في "البستان" في حوادث سنة ٣٣٣ هـ: "مات المستكفي" (^٣)! والصواب أنه: "خُلع"، كما في "الدرّة السنية"، فهو ينقل الخبر عن كتابنا، ولكنّه يصحِّحه، فقال في آخر حوادث سنة ٣٣٥ هـ: "وقيل في هذه السنة توفي المستكفي. والأول أصحّ. والله أعلم" (^٤).
كما يفيدنا "ابن أَيْبك" بأسماء بعض المصادر التي ربّما نقل منها صاحب "البستان" أخباره، ففي "البستان" خبر عن الغلاء العظيم بالشام (^٥)، وفي "الدرّة السنيّة" تفصيل لهذا الخبر، وفيه: "قال صاحب البرق الشامي إنه حصل في هذه السنة في الشام بكماله غلاء عظيم حتى أكلت الناس المَيْتَة وبعضُهم البعض، فجلبت الناسُ الغِلالَ من مصر، واتّفق خِسّة نِيلها، فتحرّكت الأسعار أيضًا بمصر" (^٦)، فظهر لنا أنّ "البرق الشاميّ" - وهو لمؤلف مجهول- كان من بين مصادر المؤلّف.
وجاء في "البستان" أيضًا في حوادث سنة ٣٣٢ هـ: "وفيها فتح سيف الدولة بن حمدان أَرزَن الروم" (^٧). ونقل "ابن أيبك" الخبر عن صاحب "البرق الشامي" وفيه: "إنه في سنة سبع وثلاثين فتح سيف الدولة بن حمدان الروم" (^٨)! فالتاريخ الأخير هو الصحيح، يؤكده "ابن الأثير" في "الكامل في التاريخ" (^٩)، إلا أن اسم المدينة "أَرزَن" سقط من "الدرّة المضيّة".
وفي حوادث سنة ٣٣٦ هـ، جاء في "البستان": "كثُر النزاع بمصر بين
_________________
(١) قارن بين: البستان - ورقة ١٣٠، ١٣١، (حوادث ٣٢٤ هـ). والدرّة السنية ٣٧٤ السطر (١) حوادث سنتي ٣٢٦ و٣٢٧ هـ.
(٢) تاريخ الأنطاكي - بتحقيقنا - ص ٢١.
(٣) البستان - ورقة ١٣٣ ومثله في نسخة البودليان.
(٤) الدرّة السنية ٣٩٣.
(٥) البستان - ورقة ١٣٣ (حوادث ٣٣٤ هـ).
(٦) الدرّة السنية ٣٩٤.
(٧) البستان - ورقة ١٣٤.
(٨) الدرّة السنية - ص ٣٩٥.
(٩) الكامل في التاريخ، لابن الأثير - بتحقيقنا - طبعة دار الكتاب العربي، بيروت ١٩٩٧ - ج ٧/ ١٨٤.
[ ١٤ ]
القضاة، وحُمل مال عظيم إلى كافور، فنادى كافور: برِئت من أحدٍ دخل بين القضاة بوجهٍ ولا سبب" (^١). وحين ذكر "ابن أيبك" هذا الخبر نقله مختَصَرًا عن "البرق الشامي" (^٢) ما يؤكّد أنّ صاحب "البستان" يعتمده أيضًا.
وفي حوادث سنة ٣٣٩ هـ، يذكر صاحب "البستان" إحصائية عن مطبخ كافور وما كان يُطبخ فيه في اليوم الواحد (^٣)، وينقل "ابن أيبك" هذا الخبر بشئٍ من الاختلاف عن كتاب يُدعَى: "تاريخ القيروان" (^٤) دون ذِكر اسم صاحبه، والمرجَّح أنه كان من جملة مصادَر صاحب "البستان".
وينقل "ابن أيبك" عدّة أخبار عن "البستان" (^٥) في حوادث سنة ٣٤٣ هـ، دون ذِكر مصدره.
وفي حوادث سنة ٣٥١ هـ، جاء في "الدرّة السنية" خبر ورود شيوخ طرسوس إلى كافور، وهو مختَصَر عن "البستان" دون التصريح بذلك (^٦).
وأحيانًا، ينقل "ابن أيبك" عن "البستان" دون التحقق ممّا ينقله، رغم أنه غلط. ففي حوادث سنة ٣٥٥ هـ، يذكر صاحب "البستان" خبرًا يقول: "فيها فتحت الروم قِنّسرين وأحرقوا جامعها" (^٧)، فنقل "ابن أيبك" هذا الخبر كما هو (^٨)، والصواب أن الروم "فتحوا": "طرسوس" وليس قنّسرين (^٩).
وما يقال عن "الدرّة السنية" يقال عن "الدرّة المضيّة" و"الدرّ المطلوب".
وكان "البستان" مصدرًا للمؤرّخ "ابن واصل" في "التاريخ الصالحيّ" (^١٠)، وقد أشير إليه في عدّة مواضع على هوامش نسخة استانبول من "البستان". وكذلك اعتمد
_________________
(١) البستان - ورقة ١٣٥.
(٢) الدرّة السنية - ٣٩٥.
(٣) البستان - ورقة ١٣٩.
(٤) الدرّة السنية - ص ٣٩٧، ٣٩٨.
(٥) البستان- ورقة ١٤١، الدرّة السنية ٣٩٩.
(٦) البستان - ورقة ١٥٠، الدرّة السنية - ص ٤٠٨، وذكرت محقّقة الكتاب بالحاشية (١١ - ١٢) أنها لم تقف على هذا الخبر في المصادر.
(٧) البستان - ورقة ١٥٢.
(٨) الدرّة السنية ٤١٢.
(٩) انظر: تكملة تاريخ الطبري ١/ ١٩٠، وتاريخ الأنطاكي (بتحقيقنا) ١٠٧، والمنتظم لابن الجوزي ١٤/ ١٥٥ (حوادث ٣٥٣ هـ) و١٦٢ (حوادث ٣٥٤ هـ)، ولم تتنبّه الأستاذة "كرافولسكي" في تحقيقها للدرّة إلى هذا الغلط!
(١٠) التاريخ الصالحي، لابن واصل - مخطوطة الفاتح باستانبول، رقم ٤٢٢٤، ورقة ٤٠ و٥٢ و٥٨.
[ ١٥ ]
صاحب "مختصر النوادر مما جرى للأوائل والأواخر" (^١) على كتابنا هذا، وخاصّة في القسم الأول منه المتعلّق بأخبار الأنبياء، وكثيرًا ما تتّفق روايات "الكامل في التاريخ" لابن الأثير، وتاريخ ميخائيل "ميشيل" السُّرياني، و"تاريخ ابن أبي الهيجاء"، و"زبدة الحلب في تاريخ حلب" لابن العديم، و"تاريخ الإسلام" للذهبي، وغيره، مع روايات ونصوص الأخبار والوفَيَات في "البستان"، ممّا يدلّ على أهمّيته، كون مشاهير المؤرّخين اعتمدوا عليه.