تتناول مادّة الكتاب تاريخ البشرّية منذ بدء التناسل حتى التسعينيّات من القرن السادس الهجري، وبالتحديد حتى نهاية سنة ٥٩٣ هـ، واستُهِلّ الكتاب بمقدّمةٍ قصيرة لخّص فيها المؤلّف مضمونه، فابتدأ بتاريخ الأنبياء من "آدم" ﵇ إلى مولد النبيّ ﷺ وصفته، ثم هجرته، وسيرته سنةً بعد سنة، وما جرى في كل سنة من حوادث وأمور، وعهد الخلفاء الراشدين وما جرى في أيامهم من فتوحات، ومَن تُوفّي من الصحابة، سنةً بعد سنة. ومثل ذلك في عهد الخلفاء الأمويّين، ثم العبّاسيّين من بعدهم، ويبدو الحضور التاريخي لمدينة الموصل في هذه الفترة، ويَغْلِب ذِكْرُ الوَفَيَات على الحوادث في المرحلة الأولى من العصر العباسيّ، كلّ ذلك باختصارٍ وإيجازٍ شديدَيْن، ولكنّ المؤلّف يتوسّع في أخبار "المأمون" -قياسًا على غيره- ويأتي عنه بمعلومات نادرة، وخصوصًا أثناء دخوله مصر. ويتناول قيام دولة بني طولون، ثم الدولة الإخشيدية، ويأتي بأخبارٍ نادرة عن "كافور الإخشيدي"، وكذلك عن الشاعر "أبي الطيب المتنبّي"، وعن القرامطة، والحمدانيّين، والخارجين على الخلافة العباسية، ولا يخلو الكتاب من ذِكرٍ لبطارقة الإسكندرية، والقسطنطينية، وأنطاكية، وحملات الروم إلى بلاد الشام ومصر، برًّا وبحرًا، وقيام الدولة الفاطمية في مصر وأخبار خلفائها، وزوال الدولة السامانية، وأخبار السلاجقة والتُّرْك في بخارى، وما وراء النهر، وهمدان، وخُراسان، وأخبار الزَّنج، والمصامدة، وبني مرداس، والفِرَق الدينية من علويّين، وإسماعيلية، ودروز، وانقضاء دولة بني بُوَيه، وقيام دولة بني سلجوق، واستيلاء الفرنجة على بيت المقدس وسواحل الشام، وجهاد الناصر صلاح الدين الأيوبي، وإسقاطه للدولة الفاطمية في مصر، وفتوحاته، مع الإحاطة بأخبار متفرَّقة عن بلاد النُّوبة، وبرقة، وتونس، والقيروان، والمغرب الأقصى، والأندلس، وغير ذلك من أخبار الهند، وبلاد الروم، وجُزُر البحر المتوسط، حتى اليمن، وحضرمَوت.
_________________
(١) مختصر النوادر مما جرى للأوائل والأواخر، لقَرَطاي الغزّي الخزنداري - مخطوطة استانبول رقم ٣٣٩٩.
[ ١٦ ]
ويذكر الوَفَيَات في سياق الحوادث دون توسُّع في الترجمة، وغالِبًا ما يكتفي باسم صاحب الوفاة، مثل قوله: "مات الحجّاج" و"ماتت الخَيزُران" و"توفي الزبيري"! و"ضَمْرة" و"الواقدي" و"أبو العتاهية"، وأحيانًا يذكر مولد أحدهم مقتصرًا على اسمه فقط، مثل "مولد جحظة" و"المُعِزّ" و"أبي حامد الإسفرايني".
وهو يؤرّخ للحوادث والوَفَيَات سنةً بعد سنة، على طريقة الحوليّات التي تعتمد على السرد دون ربط الحوادث ببعضها وتعليلها، وتقتصر بعض السنوات على ذِكر الوَفَيَات فقط (^١)، ولا تزيد الترجمة على سطر واحد إلا فيما ندر. وعندما يذكر وفاة أحد الخلفاء أو السلاطين يكتفي بذِكر مدّة حكمه فقط، ثم يذكر الذي خَلَفَه، وكثيرًا ما يخطيء في تواريخ الوَفَيَات، وكذلك في التأريخ لبعض الحوادث.
وقد عملنا على تصحيح ذلك وتصويبه في الحواشي، أمّا الأغلاط والأخطاء والأوهام في أسماء بعض الأعلام، أو بعض الأماكن، فربّما تُعزَى إلى الناسخ للمخطوط.
ولقد أراد المؤلف أن يكون الكتاب مختَصَرًا قدْر الإمكان، كما أَلْمحَ إلى ذلك في أكثر من موضع، ولهذا ترك ما مجموعه (٤٥) سنة خالية من الحوادث والوَفَيَات، هي سنوات ١٧ و٤٧ و٤٨ و٤٩ و٥٦ و٨٩ و١١١ و١١٥ و١١٨ و١٢٢ و١٢٨ و١٤٧ و١٤٩ و١٥١ و١٦٥ و١٦٦ و١٧٢ و١٧٣ و١٨٥ و١٩١ و١٩٥ و١٩٨ و٢٢٧ و٢٣٤ و٢٣٥ و٢٣٨ و٢٤٣ و٢٤٤ و٢٤٩ و٢٦٤ و٢٨٢ و٢٩٥ و٣٠٨ و٣٤١ و٣٤٢ و٣٥٢ و٣٧١ و٤٠٠ و٤١٠ و٤٣٦ و٤٤٧ و٤٨٤ واقتصرت أخبار بعض السنين على كلمتين فحسْب، كما جاء في سنة ٢٧ هـ. "غزوة إفريقية" (^٢)، أو ثلاث كلمات، كما في سنة ٤٢ هـ. "مولد الحَجّاج الثقفي"، وسنة ٤٣ هـ، "وفاة عمرو بن العاص"، أو أربع كلمات، كما في سنة ٧١ و٧٩ و١٠٩ و٢٥٧ و٢٧٦ هـ. أو خمس كلمات، كما في سنة ٢٩١ هـ. وفي بعض السنوات سطر واحد أو اثنان أو بضعة أسطر، وهذه الضحالة في المادّة التاريخية في النصف الأول من الكتاب تصبح موفورة وغزيرة في القسم الثاني منه، وخاصّة في السنوات المتأخرة منه، وهي التي عاصرها المؤلّف، بحيث بلغت في سنة ٥٨٨ هـ، أقصى حدودها (٧٦ سطرًا).
وفي الكتاب حيّزٌ موفور للظواهر الطبيعية من جهة، وللغرائب والعجائب من جهة أخرى، ففيه (١٤) أربعة عشر خبرًا عن الزلازل، منها ما يزيد على النصف لم يرد في "كتاب كشف الصلصلة عن وصف الزلزلة" للسيوطيّ، وينبغي -برأينا- إعادة النظر في تحقيق كتاب "السيوطي" وإضافة ما ندّ عنه من أخبار الزلازل التي هي
_________________
(١) انظر على سبيل المثال: البستان - ورقة ١١٠ سنة ٢٧١ هـ، وورقة ١١٣ سنة ٢٧٨ هـ.
(٢) البستان - ورقة ٣٩.
[ ١٧ ]
غايته، نذكر منها زلزال سنة ٧٠ هـ. وسنة ١٢١ هـ، وسنة ٢٧٢ هـ، و٢٧٤ هـ، و٣١٩ هـ، و٣٣٦ هـ، وعن هذه السنة جاء في "البستان": "وفيها كانت زلزلة عظيمة بمصر ليلًا، وخرج الناس من منازلهم". وذكر "ابن أيبك" هذا الخبر فقال: "وفيها كانت زلزلة عظيمة بمصر، وخرج الناس على وجوههم هاربين إلى الصحارى"، وأضاف: "هذا ما ذكره صاحب البرق الشامي. وأمّا غيره من جماعة أرباب التواريخ المصرية، مثل القاضي القضاعي، وابن عسكر، وغيرهم، فذكروا أن الزلزلة كانت بمصر في سنة أربعين وثلاثمائة حسبما يأتي من ذلك" (^١). ولم يذكر "السيوطي" خبر هذه الزلزلة، مع أنه مصريّ، يؤرّخ لمصر، وكذلك لم يذكر خبر الزلزلة في سنة ٣٣٨ هـ. ففي "البستان": "وجاءت زلزلة بمصر يوم الأحد لستٍّ خَلَون في صفر، ثم عادت في ربيع الآخر، وخرج أهل بَنْها العسل إلى الصحراء، وأدخلوا البهائم في الغَيْط، وانشقّت الأرض، ثم مكثت ستة أشهر فلم تعد" (^٢). والصحيح أنّ هذه الزلزلة كانت في سنة ٣٤٠ هـ. وهي في "العيون والحدائق" (^٣) لمؤلّف مجهول، وفي "تاريخ الأنطاكي" (^٤)، وفي "الدرّة السنية" "لابن أيبك" (^٥)، ومع ذلك لم يذكرها "السيوطي"، وكذلك لم يذكر زلزلة سنة ٣٣٩ هـ (^٦)، ولا سنة ٣٨٧ هـ (^٧)، ولا زلزلة حلب في سنة ٣٩٠ هـ (^٨)، ولا زلزلة مصر في سنة ٥٩٣ هـ (^٩).
وذكر المؤلّف عشرة أخبار عن الكسوف والخسوف، وأحد عشر خبرًا عن الكواكب والشُهُب، وغير ذلك من رياح وصواعق وحرائق وغلاء ووباء وغيره.
وفي الكتاب أكثر من خبر تكرّر ذِكره، مثل خبر الزلزلة في سنة ٣٣٧ هـ، الذي أعيد في السنة التالية، وخبر خروج "كافور" في محمله إلى الحج في آخر سنة ٣٣٨ هـ، وقد أعيد ثانية في آخر سنة ٣٤٣ هـ. وخبر "المتنبي" و"النجّاد" المَعَرّي، فقد ذكره أولًا في سنة ٣٣٩ هـ، ثم أعاده في سنة ٣٤٧ هـ، وخبر السحابة بأصبهان الذي ذكره في سنة ٣٣٩ هـ، ثم أعاده في سنة ٣٤٧ هـ، وخبر
_________________
(١) البستان - ورقة ١٣٥، الدرّة السنية - ص ٣٩٥.
(٢) البستان - ورقة ١٣٦.
(٣) العيون والحدائق في أخبار الحقائق، مجهول المؤلّف- ج ٤ ق ٢/ ١٩٣.
(٤) تاريخ الأنطاكي - بتحقيقنا - ص ٨٠.
(٥) الدرّة السنية - ص ٣٩٦.
(٦) البستان - ورقة ١٣٧، ١٣٨.
(٧) البستان - ورقة ١٦١.
(٨) البستان - ورقة ٢٦٦.
(٩) البستان - ورقة ٢٧٥.
[ ١٨ ]
السحابة بأصبهان الذي ذكره في سنة ٣٣٩ هـ، ثم أعاده في سنة ٣٤٤ هـ، وفيها ذكره "حمزة الأصبهاني" في: "تاريخ سِنِيّ ملوك الأرض والأنبياء" (^١) بتفصيل أكثر.
ومن الأخبار النادرة والعجيبة التي انفرد بذِكرها ولم نقف عليها في المصادر المتوفّرة، خبر ولادة امرأة جَرْو كلب، وأقرَّتْ أنّ كلبًا وطِئَها (^٢)، وخبر ظهور امرأة بجبل سمعان من أعمال حلب لها كلام دقيق في شرْع الإسلام وحدْس دقيق، بحيث أنها تعلم القاصدَ إليها في أن شيءٍ جاء. وأنّ الملك الظاهر صاحب حلب بعث إليها وتكلّم معها فرأى منها شيئًا عجيبًا (^٣)، وخبر ضرب "محيي الدين بن زكيّ الدين" قاضي دمشق رجلًا يُعرف بالفأفاء بسبب كلام أخطأ فيه، فمات، وكان المضروب صاح: يا لله ويا للمسلمين، فلم يُغِثْه أحد، وقال: يا آل سنان. فطالب الإسماعيلية بدمه القاضي محيي الدين بهذا الوجه، فخاف القاضي منهم وتخفّى وعمل له سَرَبًا تحت الأرض يخرج منه إلى الجامع (^٤). يضاف إلى هذا خبر زواج الإمام الشافعي من امرأة باليمن لها رأسان وجسدان، وقد سبقت الإشارة إلى هذا الخبر الباطل والمستهجَن.
ومن الأخبار الطريفة والغريبة التي يذكرها في سنة ٣٨٧ هـ نقلًا عن مصدرٍ لم يصرّح به، خبر اصطياد سمكة بدمياط طولها ٢٦٠ ذراعًا، وعرضها ١٠٠ ذراع، وكانت حمير البحر تدخل في جوفها موسقة تفرّغ وتوسق شحمًا من بطنها، وكان يقف في عينها خمسة رجال بأيديهم مَجَارِف وقفاف يعملون فيها بجرف الشحم، ويتناول منهم قوم آخرون من فوق رأسها، وهؤلاء يناولون قومًا آخرين. وأقام أهل دمياط، والبُشمور، والشرقية، والقاهرة، ومصر يأكلون من لحمها شهرًا (^٥). وقد أورد "ابن أيبك" هذا الخبر في حوادث سنة ٤٠٨ هـ (^٦)، فيما ذكره "ابن إياس" في "بدائع الزهور" في حوادث سنة ٣٨١ هـ، برواية الشيخ أبي القاسم عبد المجيد القرشي، وقد أورد روايته "ابن أبي حجلة التلمساني" المتوقى سنة ٧٧٦ هـ، في كتاب: "عجائب العجائب وغرائب الغرائب" (^٧).
_________________
(١) تاريخ سِنِي ملوك الأرض والأنبياء - ص ١٤٨، ١٤٩ - سنة ٣٤٤ هـ.
(٢) البستان - ورقة ٦٠ - سنة ٩١ هـ.
(٣) البستان - ورقة ٢٥٦ - سنة ٥٨٧ هـ.
(٤) البستان - ورقة ٢٦٣ - سنة ٥٨٩ هـ.
(٥) البستان - ورقة ١٦٢ - سنة ٣٨٧ هـ.
(٦) الدرّة المضيّة في أخبار الدولة الفاطمية - ص ٢٩٣، ٢٩٤ سنة ٤٠٨ هـ.
(٧) بدائع الزهور في وقائع الدهور - ج ١ ق ١ / ص ١٩٥.
[ ١٩ ]
وفي حوادث سنة ٤١٤ هـ، يروي أن رجلًا اصطاد بالجزيرة الخضراء من أعمال الأندلس جارية من البحر، وربط يديها ونكحها، فحملت منه ببنت شديدة الحُسن، وأنّ الجارية رمت بنفسها إلى البحر ومعها البنت، ثم ظهرت له بعد ثلاثة أيام وهي تمسك بصَدَفَة مُطبَقَة، فرمت بها إليه وغابت، فكان آخر العهد بها (^١). وأورد "ابن أيبك" هذا الخبر في "الدّرّة المضيّة" نقلًا عن "ابن زولاق"، وفيه أنّ المولود كان ولدًا وليس بنتًا (^٢).
إلّا أن أهمّية الكتاب تتمثّل في كثيرِ من الأخبار والمعلومات التي انفرد بها المؤلّف ولم نجدها في المصادر، مثل:
"فتح طاغية ملك الروم أنطاكية، وقصد الموصل فقتل مقتلة عظيمة، فاجتمع إليه في الجامع ثلاثون ألف خاتم القرآن" (^٣).
وعن "أبي جعفر المنصور" يورِد نكتة لطيفة ونادرة:
" .. وكان أيام الفتنة مستترًا عند رجلٍ يُسمّى أزهر السمّاني، فلما ولي الخلافة دخل عليه فقال له: ما جاء بك؟
قال: جئت مهنّئًا.
فأعطاه اثني عشر ألف درهم وقال: لا تعُد تجيئني.
فأتاه بعد سنة، فقال له: ما جاء بك؟
فقال: جئت عائدًا.
فقال: لا شكّ أن الدَّراهم قد فرغتْ، فأعطاه اثني عشر ألف درهم. وقال: لا تعُد تجيئني مُهنّئًا ولا عائدًا، فما أعطيك شيئًا.
فجاء ثالث مرة، فقال: ما جاء بك؟
فقال: كنت سمعت عنك دعاءً، فجئت آخذُه عنك.
فقال له المنصور: إنه غير مستجاب. قال له المنصور: لأنّي قد دعوتُ الله به أن لا يقدَم بك عليّ، فجئتَ.
فصرفه ولم يُعطِه شيئًا" (^٤).
_________________
(١) البستان - ورقة ١٦٧، ١٦٨ - سنة ٤١٤ هـ.
(٢) الدرّة المضيّة - ص ٣١٧، ٣١٨.
(٣) البستان - ورقة ٧٠ - سنة ١٣٣ هـ.
(٤) البستان - ورقة ٧٧ - سنة ١٥٨ هـ.
[ ٢٠ ]
و"هدم الرشيد سور الموصل ودخلها، وكان قد حلف أنه يقتل كل من رآه بها، فلم يظهر أحد واختفوا، فبَرّ في يمينه" (^١).
و"حجّ هارون الرشيد ماشيًا حافيًا، وكان يقف حول البيت على الحصباء وينادي: يا رب، أنت أنت، وأنا أنا، أنت العزيز، وأنا الذليل. فقال ابن شقيق البلْخي لأبيه: يا أبتِ من هذا؟
فقال: يا بُنَيّ هذا جبار الأرض يتضرّع إلى جبّار السماء" (^٢).
ويأتي المؤلّف على عدّة أخبار نادرة في عهد الخليفة "المأمون"، منها: "وقع جوعٍ شديد بفلسطين".
"واعتلت كنيسةُ القُمامة على بيت المقدس. فجعل توما الراهب يبني فيها قليلًا سرقة، فلما ورد عبد الله بن طاهر من مصر يريد العراق، رفع إليه المسلمون في النصارى وقالوا: تقدّموا بالقُمامة وجدّدوا بها، وكانت ضيّقة فزادوا فيها، فأحضر عبد الله توما الراهب وجماعة من النصارى فحبسهم وضربهم وجنّاهم ثلاثة آلاف دينار".
و" .. عصا أهل تَيْماء، فبلغ المأمونَ، فأرسل إليهم المعتصمَ، فقتل أكثرهم" (^٣).
و"ورد عبد الله بن طاهر وزير المأمون إلى الشام بهدم حصونه، وهدم حصون المَعَرّة" (^٤)، و"غزا المأمون، وكتب بالتكبير إلى كل مصر عقيب الصلاة".
و"أمر المأمون بنقْب أحد الهرَمَيْن بعد جَهدٍ شديد وعناء طويل، فوجد داخله بيتًا مهراقًا يهول أمره، ووجد في أعلاه بيتًا مكعّبًا، طول كل ضلع من أضلاعه ثمانية أذرُع، وفي وسطه حوض رُخام مُطبَق، فلما كُشِف وجد فيه رُمّةً بالية، وقُدّرت الموتة فكانت عظيمة، فأمر المأمون بالكفّ عمّا سواه".
و"نافق أهل البُشْمُور، واستفتى فقيهًا مالكيًّا يقال له "ابن مسكين" في قتالهم، فقال: لا يحلّ لك. فقال له المأمون: أنت تَيْس، ومالِكُ أتْيَسُ منك، إذا خرج الناس على الإمام أليس له قتالُهُم؟ فكيف إذا كانوا ذمّة. فخرج إليهم فقتل أكثرهم".
و"عند قدومه من مصر أمر بحدّ بِشْر المريسيّ قاضي بغداد قذف أبا بكر، وعمر، ﵄، فحدَّه اثني عشر حدًّا وهو مشبوح، فقال له المأمون: لا
_________________
(١) البستان - ورقة ٨١ - سنة ١٧٨.
(٢) البستان - ورقة ٨١ - سنة ١٨٠ هـ.
(٣) البستان- ورقة ٨٩ - سنة ٢٠٤ هـ.
(٤) البستان - ورقة ٩٠ - سنة ٢٠٨ هـ.
[ ٢١ ]
أبوء إلى الله بذنبك، وهل كان يلزمه سوى حدّ واحد إذا ثبت عليه واعترف، فسأل الفقهاء فيه وقالوا: يا أمير المؤمنين إنّ له حُرمة الفِقه. فعفا عنه".
و"نزل المقطّم وبنى فيه قبّة الهواء، وكان في خدمته نصارى بعُدت عنهم الكنائس بقصر الشمع، فاستأذنوه ببناء كنيسة، فأذِن لهم، فبنوا كنيسة القنطرة المعروفة" (^١).
ومن أخبار الرياح: "هبّت ريح شديدة من وقت العشاء إلى نصف الليل، وفي نصف النهار كانت ظلمة شديدة جدًّا، وهاجت الريح أقوى من الأولى، وكانت تطرح على رؤوس الناس رملًا أحمرًا، وكان الناس يرون في أربعة أركان السماء أعمدة نار. فلم يزل هذا إلى وقت الصبح، ثم خمدت الريح، وصارت السماء حمراء حُمرة شديدة، وكان الناس يرون الأرض ولباسهم والجبال وغيرها حُمرًا، ثم غابت الحُمرة ساعتين، ثم تغيّرت إلى صُفرة، ثم صارت سوداء، ولم تظهر الشمس يومًا ونصف يوم" (^٢).
ومن الأخبار القصيرة، والمتفرّقة:
"استولى النّجار المعروف بالصناديقي المكنَّى أبا القاسم على اليمن وتلقب بربّ العِزّة، فعجّل الله هلاكه" (^٣).
و"بلغ نيل مصر ثلاثة عشر ذراعًا وإصبعين، فخرج المسلمون والنصارى واليهود ليستسقوا، فغار الماء في تلك السنة، وقحطت ديار مصر، ومات بها ألف إنسان من شيخ وشابّ وامرأة وطفل وغير ذلك" (^٤).
"ومات ميخائيل بطريق الإسكندرية، وبقي كرسيّ الإسكندرية خاليًا".
و"انقضّ شهاب فأحرق دُورًا وأسواقًا بعُمان، وكانت تلك النار عامّة لم تقيّد من موضع" (^٥).
و"ظهر أبو حاتم الزُّطّي، وحرّم أكل البصل والثوم، وتبعه قوم لُقبوا بالبقليّة" (^٦).
ومن أخبار "كافور" التي انفرد بها الكتاب:
خرج الإخشيد من مصر إلى الشام، وكتب إلى عبده كافور بما يحبّ أن يقف
_________________
(١) البستان - ورقة ٩٢، ٩٣ - سنة ٢١٦ هـ.
(٢) البستان - ورقة ١١٤، ١١٥ - سنة ٢٨٣ هـ.
(٣) البستان - ورقة ١١٥، ١١٦ - سنة ٢٨٦ هـ.
(٤) البستان - ورقة ١١٦، ١١٧ - سنة ٢٨٨ هـ.
(٥) البستان - ورقة ١١٧ - سنة ٢٨٨ هـ.
(٦) البستان - ورقة ١١٩ - سنة ٢٩٣ هـ.
[ ٢٢ ]
عليه: "أطال الله بقاءك، إنّي لقيت أمير المؤمنين المتّقي بشاطئ الفُرات فأكرمني وحيّاني، وقال: كيف أنت يا أبا الفضل، أو يا أبا بكر؟ " (^١).
و"بلغ فاتكَ أمير حاجّ مصر أنّ أبا القاسم الحسني المعروف بابن العمّ تقدّم في غير موضعه في الطريق. فأتاه فاتك فكسر محمله وهتكه، فتوجّع له في ذلك، فقال: أنا رأيت البارحة جدّي رسول الله ﷺ في نومي وقال لي: يكفي بمكة. فلما حصل فاتك بمكة حملت عليه أهل مكة، فألقى نفسه من الدار فتكسرت يداه ورِجلاه" (^٢).
و"أمر كافور بنقل ابن قرماش إلى قريطش، وخرج إليها، وسببه أنه كان رأس فتنة وإنسان سوء" (^٣).
و"ابتدأ النزاع بين كافور وبين الديلمي صاحب بغداد في إقامة الدعوة، وكان كل واحدٍ، منهما ينفق مالًا جزيلًا" (^٤).
و"دخل محمد بن عاصم الشاعر على كافور وفي يده ابن الحدّاد، فقال: أيها الأستاذ، هذا العالم المفتي.
فقال كافور: أيّ شيء خبر الخصيبي، ما قصد به؟
فغضب ابن الحدّاد، فقال متمثّلًا:
فلو كنت ضَبِّيًّا عرفتَ قرابتي. . . ولكنْ زنجيًّا عظيم المشافر
فوضع السُّبكيّ كاتب كافور يده على فم ابن الحدّاد لئلًا يُتِمّ البيت، وقرّر الأمر على حضوره.
وحجّ في تلك السنة فخرج في محمله وهو يقول: خرجت من مصر وخلّيتها للخصيبي، اللهمّ لا تُمِتْني في أرض غُربة. فحج ورجع، ومات بمصر في تلك السنة" (^٥).
و"وافى أهل دمشق إلى مصر، ورفعوا إلى كافور في ابن طاهر، وتظلّموا منه وشَكَوه، وكان سيف الدولة قد أقطعه ضيعة يقال لها: ناصيف بالمَعَرْة".
و"عصى فاتك بالفيّوم، فجمع كافور وجوه الإخشيدية، وقال: فاتك واحدٌ منكم، فإنْ كنتم راضين بفِعله عرّفوني.
_________________
(١) البستان - ورقة ١٣٢ - سنة ٣٢٩ هـ.
(٢) البستان - ورقة ١٣٤، ١٣٥ - سنة ٣٣٦ هـ.
(٣) البستان - ورقة ١٣٥ - سنة ٣٣٦ هـ.
(٤) البستان - ورقة ١٣٦ - سنة ٣٣٧ هـ.
(٥) البستان - ورقة ١٣٦، ١٣٧ - سنة ٣٣٨ هـ، وقد أعيد الخبر بتفصيل أكثر، ورقة ١٤٢ سنة ٣٤٣ هـ.
[ ٢٣ ]
قالوا: لا.
قال: اخرجوا إليه.
فخرجوا إليه، فسار إليهم فاتك ودخل صُحبتهم إلى مصر وكلّهم يحجبونه، فدخل إلى كافور فأكرمه، وأُخرج من باب الصاغة" (^١).
وذكر عن كافور "أنه كان يلبس خاتميه في يمينه، فإذا كان يوم مجلس المظالم حوّلهما إلى يساره".
و"ورد الخبر إلى كافور بوفاة تكّين والي طبريّة، فأنفذ صالحَ بن نافع يقبض ترِكَته" (^٢).
و"وردت الوفود من أسوان إلى كافور يشْكون ملك النُّوبة، فندب إليهم بعض أصحابه".
و"كثُر وقْع الدُّور بمصر، واضطربت الناس لذلك اضطرابًا كثيرًا، واشتدّ الغلاء بمصر، وطُلب الخبز فلم يوجد، وثارت الرعية فكسروا المنبر" (^٣).
و"خرج شبيب العقيلي أميرًا على الحاجّ بمصر، فتعرّضت بنو حرب للحاجّ، فجاز لهم ونزل إليهم وصعد إليهم الجبال، ودخل إلى مصر ومعه أسارى ورؤوس. فخلع عليه كافور" (^٤).
و"هرب سلامة الداعي إلى المغرب، وأرسل كافور في طلبه ففاته" (^٥).
و"كتب أهل مكة يشكون نصر العتابي والأشراف إلى كافور، وقالوا: هدم قبر عائشة ﵂".
"وقطع لسان بكري"؟
"وكان السودان يلْقون كافور ويقولون له: معاوية خال عليّ من هاهنا. ويشيرون إلى آذانهم" (^٦).
و"توفي كامل عامل كافور، وسبب موته أنه ذُكر لكافور أنه يوفّر من مال الراتب وجامكيّات المستخدمين مالًا، فجلس وأخرج المخزومة وشرع يُنقِص أرزاق الناس، فتنمّل عليه جبينه فجعل يحكّه بقلم الدواة الذي كان يكتب به فَأُدمِي، فقطع العمل، وبقي ماية يوم يعالج بالحديد في وجهه. فهذا موعظة وزجر".
_________________
(١) البستان - ورقة ١٣٨ - سنة ٣٣٩ هـ.
(٢) البستان - ورقة ١٣٩ - سنة ٣٣٩ هـ.
(٣) البستان - ورقة ١٤٠ - سنة ٣٤٠ هـ.
(٤) البستان - ورقة ١٤٥ - سنة ٣٤٥ هـ.
(٥) البستان - ورقة ١٤٧ - سنة ٣٤٨ هـ.
(٦) البستان - ورقة ١٤٨ - سنة ٣٥٠ هـ.
[ ٢٤ ]