ذكر الرقيق في كتابه قال: كان هرقل ملك القسطنطينية العظمى ورومة يؤدي إليه كل نصراني في بر وبحر جزيته منهم المقوقس صاحب الإسكندرية وبرقة ومنهم صاحب طرابلس وصبرة ومنهم صاحب صقلية وروم أفريقية والأندلس فلما بلغه ما صالح عليه أهل أفريقية عبد الله ابن أبي سرح بعث إلى أفريقية بطريقًا يقال له اوليمة وأمره أن يأخذ ثلاثمائة قنطار من الذهب كما اخذ ابن أبي سرح فنزل قرطاجنة واخبرهم بذلك فأبوا عليه وقالوا (إن الذي كان بأيدينا من الأموال فدينا به أنفسنا من العرب وأما الملك فهو سيدنا فيأخذ عادته منا) وكان القائم بأمرهم رجلًا يقال له حبابة فطردوا وليمة الواصل إليهم واجتمع رأيهم على تقديم الاطربون وصار حبابة إلى الشام فقدم على معاوية فوصف له حال أفريقية فسأله أن يبعث معه جيشًا من العرب فوجه معه معاوية بن حديج في جيش كثيف وذلك سنة ٤٥ فسار ابن حديج حتى وصل أفريقية وقد صارت نارًا وكان معه جماعة وقد تقدم أكثرهم وبعث ملك الروم البطريق المتقدم ذكره في ثلاثين ألفًا فبعث ابن حديج إليه عبد الله ابن الزبير فقاتله فأقلع منهزمًا في البحر وحاصر ابن حديج جلولا فكان يقاتلهم وسط النهار وينصرف إلى عسكره فلما انصرف ذات يوم نسى عبد الملك ابن مروان قوسًا له معلقًا بشجرة فأنصرف إليها فإذا بجانب من سور المدينة قد انهدم فصاح في أثر الناس فرجعوا فكان بينهم قتال شديد حتى دخلت المدينة عنوة
[ ١ / ١٧ ]
واحتوى المسلمون على جميع ما فيها كما تقدم ذكره وكان بين معاوية ابن حديج وعبد الملك بن مروان تنازع في ذلك لان عبد الملك أراد محاباة إخوانه وأصحابه لأنه كان سبب فتح المدينة فقال حنش الصنعاني يوما لعبد الملك: (ما شأنك؟ فوالله لتلين الخلافة ويصير ذلك الأمر إليك فلا تغتم) فلما أفضت الخلافة إلى عبد الملك بعث الحجاج بن يوسف لقتال عبد الله بن الزبير فأخذ حنش الصنعاني أسيرًا وبعث إلى عبد الملك ابن مروان فلما وقف بين يديه: (ألست أنت الذي بشرتني بالخلافة يوم جلولاء؟) قال: (نعم) قال: (فلما ملت عني إلى ابن الزبير؟) فقال: (رأيته يريد الله ورأيتك تريد الدنيا فلذلك ملت إليك) فقال: (قد عفوت عنك) .
وفي سنة ٤٦ قال البلاذري: أول من غزا صقلية معاوية بن حديج بعث إليها عبد الله بن قيس ففتحها وأصاب فيها أصناما من الذهب والفضة مكللة بجوهر فحملت إلى معاوية ابن أبي سفيان فبعث بها إلى الهند فأخذ ثمنها فأنكر الناس عليه ذلك إنكارًا كليًا وكان العامل على بلاد أفريقية من قبل معاوية ابن أبي سفيان معاوية بن حديج الكندي.
وفي سنة ٤٧ عزل معاوية ابن أبي سفيان عبد الله بن عمرو بن العاص عن مصر وولاها معاوية بن حديج الكندي وكان عثمانيًا فسار متوجهًا إليها من أفريقيا وكان قد قتل محمد ابن أبي بكر الصديق - ﵁ - فلقية عبد الرحمن ابن أبي بكر فقال له (يا معاوية قد أخذت أجره من معاوية ابن أبي سفيان حين قتلت محمد ابن أبي بكر الصديق ليوليك مصر فقد ولاكها) فقال (ما قتلت محمد ابن أبي بكر لولاية وإنما قتلته لما فعل بعثمان - ﵁ - وفي سنة ٤٨ كان العامل على مصر وأفريقية لمعاوية ابن أبي سفيان معاوية ابن حديج.
[ ١ / ١٨ ]
وفي سنة ٤٩ غزا عقبة بن نافع الفهري الروم في البحر بأهل مصر وفيها عزل معاوية مروان بن الحكم عن المدينة وأمر عليها سعيد بن العاص وكانت ولاية مروان المدينة لمعاوية ثماني سنين وشهرين. وفي سنة ٥٠ من الهجرة عزل معاوية بن سفيان معاوية بن حديج عن أفريقية وافره على ولاية مصر ووجه إلى أفريقية عقبة بن نافع الفهري.