ثم إن حسان توافت عليه فرسان العرب ورجالها من قبل أمير المؤمنين عبد الملك فدعا حسان عند ذلك برجل يشق به وبعثه إلى خالد بن يزيد بكتاب. فقراه وكتب في ظهره (أن البربر متفرقون لا نظام لهم ولا رأى عندهم فأطو المراحل وجدوا في السير) وجعل الكتاب في خبزة وجعلها زادًا للرجل ووجهه بها إلى الأمير حسان فلم يغب عن خالد بن زيد إلا يسيرًا حتى خرجت الكاهنة ناثرة شعرها تضرب صدرها وتقول (يا ويلكم يا معشر البربر ذهب ملككم فيما يأكله الناس) فافترقوا يمينًا وشمالًا يطلبون الرجل فساره الله تعالى حتى وصل حسانًا فكسر الخبزة وقرأ الكتاب الذي كتب إليه خالد فوجده قد أفسدته النار فقال له حسان: (ارجع إليه) فقال الرجل: (إن المرأة كاهنة: لا يخفى عليها شيء من هذا) فرحل حسان بجنوده إليه وبلغ الكاهنة خبره فرحلت من جبل أوراس في خلق عظيم ورحل إليها حسان فلما كان في الليل قالت لبنيها: (إني مقتولة) وأعلمتهم أن رأسها مقطوع موضوعًا بين يدي ملك العرب
[ ١ / ٣٧ ]
الأعظم الذي بعث حسانًا فقال لها خالد: (فارحلي بنا وخلي له عن البلاد) فامتنعت ورأته عارًا لقومها فقال لها خالد وأولادها (فما نحن صانعون بعدك؟) فقالت: (أما أنت يا خالد فستدرك ملكًا عظيمًا عند الملك الأعظم وأما أولادي فيدركون سلطانًا مع هذا الرجل الذي يقتلني ويعقدون للبربر غرائم) ثم قالت: (اركبوا واستأمنوا إليه) فركب خالد وأولادها في الليل وتوجهوا إلى حسان فأخبرها خالد بخبرها وإنها عملت قتلها، وقد وجهت إليك بأولادها فوكل بهما من يحفظهما وقدم خالد على أعنة الخيل وخرجت الكاهنة ناشرة شعرها فقالت انظروا ما دهمكم فأني مقتولة ثم التحم القتال واشتد الحرب والنزال فانهزمت الكاهنة واتبعها حسان حتى قتلها. وكان مع حسان جماعة من البربر استأمنوا إليه فلم يقبل أمانهم إلا أن يعطوه من قبائلهم اثني عشر ألفا يجاهدون مع العرب فأجابوه وأسلموا على يديه فعقد لولدي الكاهنة لكل واحد منهما على ستة آلاف فارس وأخرجهم مع العرب يجولون في المغرب يقاتلون الروم ومن كفر من البربر وانصرف حسان إلى مدينة القيروان بعد ما حسن إسلام البربر وطاعتهم وذلك في شهر رمضان سنة ٨٣ وفي هذه السنة استقامت بلاد أفريقية لحسان بن النعمان فدون الدواوين وصالح على الخراج وكتبه على عجم أفريقية وعلى من أقام معهم على دين النصرانية. وأقام حسان بعد قتل الكاهنة لا يغزو أحدًا ولا ينازعه أحدًا ثم عزله عبد العزيز بن مروان الوالي على مصر وكان الوالي على مصر يولي على أفريقية فعزل حسانًا وأمره بالقدوم عليه فعلم حسان ما أراد عبد العزيز بن مروان أخو عبد الملك فعمد إلى الجوهر والذهب والفضة فجعله في قرب الماء وأظهر ما سوى ذلك من الأمتعة وأنواع الدواب والرقيق
[ ١ / ٣٨ ]
وسائر أنواع الأموال فلما قدم على أمير مصر عبد العزيز بن مروان أهدى إليه مائتي جارية من بنات ملوك الروم والبربر فسلبه عبد العزيز جميع ما كان معه من الخيل والأحمال والأمتعة والوصائف والوصفان ورحل حسان بالأثقال التي بقيت له حتى قدم على الوليد فشكا له ما صنع به عبد العزيز فغضب الوليد على عمه عبد العزيز ثم قال لحسان لمن معه: (ائتوني بقرب الماء) ففرغ منها من الذهب والفضة والجوهر والياقوت ما استعظمه الوليد وعجب من أمر حسان فقال له الوليد (جزاك الله خيرًا يا حسان) فقال (يا أمير المؤمنين إنما خرجت مجاهدًا في سبيل الله وليس مثلى يخون الله والخليفة) فقال له الوليد: (أنا أردك إلى عملك وأحسن إليك وأثق بك) فحلف حسان (لا أولي لبني أمية أبدًا) فغضب الوليد بن عبد الملك على عمه عبد العزيز. وكان حسان يسمى الشيخ الأمين وغزوات حسان لم تنضبط بتاريخ محقق ولا فتحه لمدينة قرطاجنة وتونس ولا قتله للكاهنة وذكر ابن قطان أن عزل حسان وولاية موسى بن نصير كان من قبل عبد العزيز بن مروان دون أمر أخيه عبد الملك ولا مشورته.