ولى الشيعي المزاني المتقدم ذكره في سنة ٢٩٨ فقتله أهل سجلماسة بعد إقامته خمسين يوما ووليها أبو الفتح بن الأمين سنتين وأشهرا. ثم ووليها أحمد بن الأمين سنة ٣٠٠ وبقي بها إلى أن حاصره مصالة بن حبوس وافتتحها عنوة وقتله في محرم سنة ٣٠٩ وولي مصالة على سجلماسة المعتز ابن محمد من بني مدرار وبقي بها إلى سنة ٣٢١ المورخة وتوفي. فوليها أبو المنصور المذكور.
وفي سنة ٣٢٢ توفي عبيد الله المهدي ليلة الثلاثاء من ربيع الأول فكانت مدته أربعا وعشرين سنة وعشرة أشهر ونصفا. وكان وصوله إلى مصر في زي التجار سنة ٢٨٩. وظهر بسجلماسة في ذي الحجة سنة ٢٩٦ وسلم عليه بالأمانة. وأنفصل إلى رقادة في ربيع الآخر من سنة ٢٩٧. وبنى المهدية وأستقر بها سنة ٣٠٨. ولما أنتقل إلى المهدية دخل رقادة الوهن وأنتقل عنها ساكنوها، فلم تزل تخرب شيئا بعد شيء إلى أن ولى معد بن إسماعيل فخرب ما بقى منها.
[ ١ / ٢٠٦ ]
ذكر رقادة: وكانت رقادة دار ملك بني الأغلب ويذكرون أن من دخلها لم يزل ضاحكا من غير سبب وأن أحد ملوك بني الأغلب شرد عنه النوم فلما وصل إليها نام فسميت رقادة، فاستوطنها إبراهيم بن أحمد وانتقل إليها من القصر القديم، فبنى بها قصورا عجيبة وجامعا وحمامات وغير ذلك.
وكان تأسيسها سنة ٢٦٣ وتأسيس القصر القديم سنة ١٨٤. وكان ابن الأغلب منبع بيع الشراب بالقيروان وأباحه برقادة فقال بعضهم في ذلك منسرح:
يا سيد الناس وأبن سيدهم ومن إليه الرقاب منقاد
ما حرم الخمر في مدينتنا وهو حلال بأرض رقادة
ذكر المهدية بالقيروان: وأما المهدية فهي منسوبة إلى المهدي عبيد الله الشيعي. فأنه لما تغلب على الملك تلقب بالمهدي وسمى مدينته التي بناها بقلبه وبينها وبين القيروان سنون ميلا وقويت في أيام وأيام أبنه أبي القاسم وحفيده إسماعيل وصدرا من دولة معد بن إسماعيل حتى أنتقل منها معد إلى القاهرة، لما ملك مصر وبنى القاهرة المعزية نسبة إلى لقبه المعز فضعف إذ ذاك المهدية إلى أن أستوطنها المعز بن باديس آخر أيامه لما خرجت القيروان بهزيمة المعز المذكور، إلى أن توفي بها، ووليها بعده ابن تميم بن المعز، وصارت دار ملكه، وولده يحيى بن تميم بعده ووله علي بن يحيى بعده إلى أن أخرجهم منها عبد المؤمن بن علي بعد المحاصرة. وبقيت للإسلام إلى الآن. وبها دار صنعه الإنشاء المجيبة: يخرج الجفن مغمورا من خلف السور فلا يعلم به حتى يفاجأ العدو القاصد فيحيط به فلا يقربها العدو لآجل.
[ ١ / ٢٠٧ ]
وأما القيروان، فكانت أعظم مدن المغرب طرأ وأكثرها بشرا، وأيسرها أموالا وأوسعها أحوالا. وكان الغالب على أهلها التمسك بالخير والتخلي عن الشبهات واجتناب المحارم إلى أن تولى الدمار عليها بدخول العرب عليها على ما يأتي ذكره في موضعه، فلم يبقى بها إلا أطلال دراسة، وآثار طامسة. ويذكر أنها ستعود إلى ما كانت عليه. وهي الآن في وقتنا الحاضر وهو آخر المائة السابعة قد ابتدأت بالعمارة.
وملك عبيد الله الشيعي إفريقية، وجمع المغرب، وإطرابلس وبرقة وجزيرة صقلية وكانت عماله على ذلك كله وسير ولده ولي عهده إلى مصر ففتحها وكانت الكتب تنفذ في أيامه باسم ولده. وكان له ستة أولاد: أكبرهم ولي عهده أبو القاسم عبد الرحمن بن عبيد الله الشيعي المتلقب بالمهدي وعمره أعني عبيد الله الشيعي يوم مات ثلاثة وستون سنة.