وذلك إن أبا الأحوص أحمد بن عبد اله المكفوف المتعبد، من أهل سوسة كان زاهدا ورعا. فلما أكثر إبراهيم بن أحمد الجور والقتل، دعا برجل من لأهل سوسة، وأملى عليه رسالة إلى إبراهيم، كان في فصل منها: يا فاسق! يا جائر! يا خائن! قد حدت عن شرائع الإسلام! وعن قريب تعاين مقعدك من جهنم، وسترد فتعلم! وبعث به إليه فلما قرأه، غضب وبعث إلى أبي الأحوص من قال له: عذرناك لفضلك ودينك! ولكن ابعث إلي الذي كتب الكتاب. وبالله لئن لم تفعل، لأقتلن فيه من أهل سوسة كذا وكذا، ويكون إثم ذلك في عنقك! فقال أبو الأحوص للرسول:: قال له لئن قتلت ألفا لا يكون إثمهم إلا عليك! ولو عملت ما عملت ما أعلمتك بالرجل. فتب إلى خالقك، وأرجع عن جورك! فأمسكه الله عنه، ومات أبو الأحوص في هذه السنة.
وفي سنة ٢٧٥، كانت فتنة بصقلية، بين عربها وبربرها، وفي خلال ذلك،
[ ١ / ١٣٠ ]
وردت كتب ابن الأغلب يدعوهم إلى الرجوع للطاعة، ويؤمنهم أجمعين، حاشى أبا الحسن بن يزيد وولديه الحضرمي، فتقبض عليه وبعث بهم إلى لأبن الأغلب فأما أبو الحسن فإنه تناول سما فمات من ساعته وصلبت جثته وقتل ولداه. وجعل إبراهيم من يضاحك الحضرمي ويهازله، فقال له: ليس هذا وقت هزل! وأمر به فقتل بالمقارع بين يديه.
وفي سنة ٢٨٦، سخط إبراهيم ابن الأغلب على جماعة من فتيانه وقتلهم. وفيها كانت وقعة أبي العباس بن إبراهيم بن أحمد بن الأغلب وبين بني بلطيط ببسكرة، ففرق جموعهم وقتل عددا كثيرا منهم وأصلح ما كان التاث هناك.
وفي سنة ٢٨٧، كانت بصقلية ملحمة كبيرة، وذلك إن أبا العباس عبد الله بن إبراهيم بن أحمد أخرجه أبوه بالأسطول مصلحا لها، فأسرع إلى بلرم يؤمن أهلها. فأتاه قاضيا في جماعة من أهلها، فحسبهم عند نفسه وصرف القاضي. ثم وجه إليهم ثمانية مشايخ من أهل أفريقية، فحسبوهم مكافأة افعله في مشايخهم. ثم زحفوا إليه وحاربوه فانهزموا وقتل منهم عدد كثير ودقت لهم سفن. وتمادت هزيمتهم إلى بلرم. ثم زحف إليهم، فحاربهم على باب بلرم، وقتل منهم عددا كثيرا، وطلبوه بالأمان فأمنهم. ودخلها لعشر بقين من رمضان من السنة.
وفي سنة ٢٨٨، أخرج إبراهيم بن أحمد ولده أبا عبد الله في جيش كثير إلى الزاب. وفيه أغزى أبو العباس صاحب صقلية، فدخل مدينة رية عنوة وغنم فيها غنائم كثيرة واستأمنت له حصون وأعطوه الجزية.
وفي سنة ٢٨٩، أظهر صاحب أفريقية إبراهيم بن احمد التوبة لنا استقام أمر أبي عبد الله الداعي بكتامة. فأراد إبراهيم بن أحمد أن يرضي العامة ويستميل قلوب الخاصة بفعله، فرد المظالم وأسقط القبالات، وأخذ العُشُر طعاما، ونرك لأهل الضياع خراج السنة، وسماها سنة العدل،
[ ١ / ١٣١ ]
وأعتق مماليكه، وأعطى فقهاء القيروان ووجوه أهلها أموالا عظيمة ليفرقوها على الضعفاء والمساكين فاستوكلت وأعطيت من لا يستحقها وأنفقت في اللذات. وصرفت في الشهوات. وقدِم ولده أبو العباس من صقلية مستدعي فأسلم إليه أبوه الملك، فولي أبو العباس على الكور من أحب.