ولي سنة ٢٥٠، وهو ابن أخي زيادة الله المتوفى قبلُ. ولي يوم السبت لعشر بقين من ذي القعدة، ولقب بأبي الغرانيق لأنه كان يهوى صيدها، حتى بنى قصرا يخرج إليه لصيدها، أنفق فيه ثلاثين ألف مثقال من الذهب. وكان مسرفا في العطاء، مع حسن سيرة في الرعية. ثم غليت عيه اللذات والانشغال بها فلم يزل كذلك طول مدته، ولم تكن له همة في جمع مال. فلما مات لم يجد أخوه في بيتا المال شيئا يذكر، وكانت ولايته حروبا أكثرها على ما يأتي ذكره.
وفي سنة ٢٥١ كانت غزوة السرية المعروفة بسرية ألف فارس، وذلك أن خفاجة صاحب صقلية غزا قصر يانة، فأفسد زرعه وسار إلى سرقوسة فقاتل أهلها. ثم رحل عنهم وأخرج ابنه محمدا إليهم في سرية فكمن لهم وقتل منهم ألف فارس، فسميت تلك السرية سرية ألف فارس.
وفي سنة ٢٥٢، بنى محمد بن حمدون الأندلسي المعافري الجامع الشريف بالقيروان المنسوب إليه: بناه بالآجر والجص والرخام، وبنى فيه جبابا للماء. وغزا خفاجة صاحب صقلية أرض الروم، وافتتح حصونا كثيرة؛ ثم مرض مرضا شديدا، فانصرف في محمل إلى بلرم.
[ ١ / ١١٤ ]
وفي سنة ٢٥٣ قال ابن القطان: عريت هذه السنة من أخبار أفريقية، فلم يكن فيها خبر مشهورا يجتلب.
وفي سنة ٢٥٤ غزا خفاجة صاحب صقلية بطريقا وصل من القسطنطينية، في جمع كبير نفي البر والبحر، فأنهزم البطريق بعد قتال شديد، وقتل من أصحابه آلاف كثيرة، وأخذ لهم سلاح وخيل. ودخل خفاجة إلى سرقوسة وغيرها؛ فغنم غنائم كثيرة، ورجع إلى بلرم قاعدة أول يوم من رجب.
وفي سنة ٢٥٥ خرج خفاجة صاحب صقلية للغزو؛ فلقيه العدو في جمع كبير؛ فاقتتلوا قتالا شديد، فقتل شجاع من شجعان المسلمين؛ فانكسروا لقتله. فسارة خفاجة إلى سرقوسة فامتنعت منه؛ فأقام عليها، وأفسد زرعها. وفيها توفي خفاجة؛ وذلك أنه؛ لما أكمل غزاته المذكورة، قفل من سرقوسة، يريد بلرم؛ فأدلج ليلا؛ فأغتاله رجل من عسكره، وطعنه طعنه مات منها، وذلك أول يوم من رجب. وهرب الذي طعنه إلى سرقوسة. وحمل خفاجة إلى بلرم؛ فدفن بها. فولى أهل صقلية ولده محمد. وكتبوا بذلك إلى الأمير محمد بن أحمد أبن الأغلب أبي الغرانيق؛ فكتب إليه بالولاية، وخلع عليه.
وقي سنة ٢٥٦ توفي محمد بن سحنون التنوخي، وكان فقيها ورعا - ﵁ -! وفي سنة ٢٥٧ ولى القضاء بإفريقيا عبد الله بن أحمد بن طالب صارفا سليمان بن عمران. وفيها، توفي صاحب صقلية محمد بن خفاجة قتله خدمة نهار لثلاث خلون من رجب، وكتموا أمره، فلم يعرف قتله ألا بعد يوم لهروب الخدم، فأخذوا وقتل بعضهم. فولى صقلية أحمد بن يعقوب بتقديم ابن الأغلب إياه. وولى على الأرض الكبير عبد الله بن يعقوب، فكانت لهما في هذا العالم غزوة أوقعا فيها بالمشركين. ولم يكن في بإفريقيا في سنة سبع خبر يذكر.
وفي سنة ٢٥٨، توفي أحمد بن يعقوب صاحب صقلية، وولى ابنه الحسين مكانه. وأوفر صاحب أفريقيا عليها.
[ ١ / ١١٥ ]
وفي سنة ٢٥٩، ولى سليمان بن عمران قضاء أفريقية، وعزل عبد الله بن أحمد بن طالب التميمي عنه. وفيها عزل صاحب صقلية سرقوسة، فصالحه أهلها على أن يخرجوا إليه من أير المسلمين الذين كانوا عندهم ثلاثمائة وستين أسيرا.
وفي سنة ٢٦٠ كانت المجاعة العامة بالمشرق والمغرب، والوباء، والطاعون. وفيها توفي محمد بن إبراهيم بن عبدوس الفقيه العالم، الذي دون (المجموعة)، وكان مجاب الدعوة.
وفي سنة ٢٦١ توفي أبو الغرانيق محمد بن أحمد بن الأغلب ليلة الأربعاء لست خلون من جمادى الأول من هذه السنة، فكانت ولايته عشر سنين وخمسة أشهر ونصفا، وفي دولة المستعين بالله والمعتز والمهتدي المعتمد في بعض أيامه.