وصفة ولايته أن أبى الغرانيق كان عهد لأبنه أبي عقال، وأستخلف أخاه إبراهيم بن أحمد ألا ينازعه في ملكه بخمسين يمينا. فلما مات أبو الغرانيق، أتى أهل القيروان إلى إبراهيم بن أحمد، وهو إذ ذاك والي على القيروان. فقالوا له (قم، فأدخل القصر، فأنت الأنير!) وكان إبراهيم قد أحسن السيرة فيهم. فقال لهم (قد علمتم أن أخي قد عقد البيعة لابنه، واستحلفني خمسين يمينا ألا أنازع ولده ولا أدخل قصره) فقالوا له (تكون أمير في دارك بالقصر القديم، ولا تنازع ولده! فنحن كارهون ولايته ومبايعون لك! وليس في أعناقنا له بيعة!) فركب من القيروان، ومع أكثر أهلها، فحاربوا أهل القصر حتى دخل إبراهيم داره، فبايعه مشايخ أهل أفريقية ووجوهها، وبايعه جماعة بني الأغلب.
وفي سنة ٢٦٢ توفي أبو زيد شجر بن عيسى القاضي بتونس، وكان من
[ ١ / ١١٦ ]
خيار القضاة، له مناقب كثيرة، وهو ابن تسع وتسعين سنة. وفيها أسست قلعة مدينة تنس، أسسها البحريون من أهل الأندلس.
وفي سنة ٢٦٣ ابتدأ إبراهيم بن أحمد بن الأغلب ببناء مدينة رقادة.
وفي سنة ٢٦٤ كمل بناء القصر المعروف بالفتح، وانتقل إليه إبراهيم ابن أحمد. وقتله للموالي بالقصر القيم لأنهم ثاروا عليه. وفيها فتحت سرقوسة يوم الأربعاء لأربعة عشرة ليلة خلت لرمضان، وقتل فيها أكثر من أربعة آلاف علج، وأصيب فيها من الغنائم ما لم يصل بمدينة من مدائن الشرك ولم ينج من رجالهم أحد. وكان مقام المسلمين بصقلية عليها على أن فتحت تسعة أشهر، وقاموا بعد فتحها شهرين، ثم تهدمت. وفيها، قتل صاحب صقلية جعفر ابن محمد. قتله غلمانه مع الأغلب بن محمد بن الأغلب، الملقب بخرج الرعونة، وبي عقال الأغلب بن أحمد، وكانا محبوسين عنده فتولى خرج الرعونة بلرم وضبطها، فوثب أهلها عليه وعلى أبي عقال ومن أتصل بهما، فأخرجوهم من صقلية إلى أفريقية. وولي الحسن بن رباح صقلية.
وفي سنة ٢٦٥ غزا صاحب صقلية الحسن بن الرياح الصائفة إلى طرمين، ودارت بينه وبين مشركي صقلية حرب قتل فيها من المسلمين، ثم كانت لهم الكرة على المشركين، فهزموهم، وقتلوهم، وقتلوا بطريقتهم.
وفي سنة ٢٦٦ كان القحط العظيم والغلاء المفرط بأفريقية. وفيها أغزى صاحب صقلية الروم، فالتقى في البحر بمراكبهم، وهم في نحو مائة وأربعين مركبا، فدارت بينهم حرب شديدة حتى أسلم المسلمون مراكبهم وأخذها الروم وأنصرف من وكان في تلك المراكب إلى بلرم، فأقاموا بها شهورا يبثون السرايا ويغنمون أرض الروم المجاورين لهم.
وفي سنة ٢٦٧ ولي عبد الله بن أحمد بن طالب التميمي القضاء صارفا لسليمان بن عمران عنه. وفيها ولي الحسن بن العباس جزيرة صقلية. وفيها
[ ١ / ١١٧ ]
كانت فتنة ولد ابن طولون، حين أراد التغلب على إفريقية. وهاأنا أذكر قصته إلى أن هزم. وذلك أن العباس بن أحمد بن طولون ولد صاحب مصر، قدم في هذه السنة في ثمانمائة فارس وعشرة آلاف من سودان أبيه على خمسة آلاف جمل إلى مدينة برقة، في ربيع الآخر يريد إفريقيا والتغلب عليها وإخراج بني الأغلب عنها. وحمل مع نفسه من بيت مال مصر ثمانمائة حمل دنانير ذهبا فأعطى أصحابه الأرزاق بها. وقيل أن مبلغ ما حمل من المال ألف ألف دينار ومائتا ألف دينار. ومعه عبد الله أحمد بم محمد الكاتب مكبلا لأنه أظهر الامتناع من الخروج معه، أشار عليه بأن يؤخر التقدم إلى طرابلس حتى يصانع البربر فقال (أخشى أن تقدم العساكر من الشام قبل أحكام هذا الأمر (يعني عساكر أبيه، لأنه كان ثائرا على أبيه) ويكون أيضا في ذلك فسحة لإبراهيم بن أحمد فيتمهل في الاستعداد. ولكني أمضي على فوري هذا، فآتى لبدة وإطرابلس فجأة، ثم أخذ في استمالة البربر بعد ذلك بالعطاء والأفضال وأبعد من مصر، فلا يقوم لأحمد بن طولون (يعني أباه) أمل في مطالبتي لبعدي عنه!) وخرج يريد لبلده فأنصل خبره لإبراهيم بن أحمد فأخرج إليه أحمد بن قهرب في ألف وستمائة فارس، خيلا مجردة لا رجال فيها وأمره بإعداد السير والسرى بالليل حتى دخل لإطرابلس قبل وصول العباس بن أحمد بن طولون إلى لبدة ثم أحشد ابن قهرب من أمكنه من جند إطرابلس وبربرها، ثم بادر إلى لبدة ودخلها وأقبل العباس ابن طولون وقد صنع له ببرقة خمسة آلاف بند فجعل له كل جملا رجلا ببنده وزحف بثمانمائة فارس وخمسة آلاف رجل فالتقى به أحمد بن قهرب على خمسة عشر ميلا من لبدة وقد تأخرت الجمال بالرجالة أصحاب البنود فلم يكن بينهم ألا مناوشة يسيرة حتى أنهزم أحمد بن قهرب وهو يضن أن من
[ ١ / ١١٨ ]
ناوشة من أصاحب ابن طولون كانوا مقمد للجيش. ووصل أحمد بن قرهب إلى إطرابلس منهزما وركب العباس بن طولون أثره حتى نزل إطرابلس منصب عليها المجانيق وناصبهم الحرب. وأقام محاصرا لهم ثلاثة وأربعين يوما فتعدى بعضهم سودانه على بعض حرم البوادي وهتكوا الستر فستغاث أهل إطرابلس بأبي منصور صاحب منقوسة فقام متحسبا وناصرا جيرانه من المسلمين وجحف في اثنا عشرة ألفا من رجال نفوسة إلى العباس بن أحمد بن طولون فناشبوا الحرب فقال العباس لأبي عبد الله الكاتب (ما الرأي؟) فقال له (ببرقة خلفته!) وألح أهل نفوسة في محاربة ابن طولون فأنهزم وخرج إلى برقة بعد انتهاب أهل إطرابلس لجميع عسكره. ول يتلبس النفوسيون منه بشيء بل تورعوا عنه. وكان إبراهيم بن أحمد قد حشد الأجناد وضرب حلى نسائه دنانير ودراهم إذ لم يبق أبو الغرانيق مالا. ثم خرج بنفسه يريد إطرابلس فلقيه خبر هزيمة ابن طولون فبحث ابن الأغلب عن الأموال وأخذ ممن وجت عنده، فكان الرجل من أهل العسكر يبيع مثاقيل ابن طولون سرا بما أمكنه خوفا من أن تأخذ منه وفي سنة ٢٦٨ كان فتك إبراهيم بن الأغلب بأهل الزاب فقتلهم وقتل أطفالهم وحملوا على العجل إلى الحفر فألقوا فيها وفيها عزل صاحب صقلية الحسين بن عباس ووليها محمد بن الفضل. وفي سنة ٢٦٩ توفي سليمان بن حفص الفراء، وكان جهميا. وكان يقول بخلق القرآن ودعا الناس إليه فهموا بقتله.
وفي سنة ٢٧٠ توفي سليمان بن عمران القاضي مفلوجا. وتوفي حسين بن زيد بن علي. وتوفي أبو حاتم هشام بن حاتم الفقيه، وكان مجاب الدعوة.
وفي سنة ٢٧١، توفي الحسين بن أحمد صاحب صقلية. ووليها سواد بن محمد بن خفاجة التميمي.
[ ١ / ١١٩ ]
وفي سنة ٢٧٢ أغزى سوادة صاحب صقلية سراياه إلى بلاد الروم فغنمت انصرفت. وفيها كانت وقائع بين المسلمين وبين بطريق جاء من القسطنطينية، يقال له نجفور، في عسكر كبير، فدخل مدينة سبريينة، وخرج منها المسلمون بأمان إلى صقلية.
وفي سنة ٢٧٣ وثب أهل بلرم على سوادة بن محمد صاحب صقلية وعلى أخيه وبعض رجاله فوجهوهم مفيدين إلى أفريقيا. وأجتمع أهل البلد على أبي العباس بن علي، فولوه على أنفسهم. وفي سنة ٢٧٤ كان وصول أحمد بن عمر بن عبد الله بن إبراهيم بن الأغلب المعروف بحبشي. وفيها توفي أحمد بن حدير بإفريقيا، وله سماع من سحنون.
وفي سنة ٢٧٥ كان لأهل صقلية على المشركين صولة، فقتل فيها من المشركين أكثر من سبعة آلاف وغرق نحو من خمسة آلف، حتى أخلى الروم كثير من المدن والحصون التي تجاور المسلمون. ووصلت سرايا المسلمين إلى الأرض الكبيرة فسبت وانصرفت.
وكانت بإفريقيا هيجة تعرف بثورة الدراهم.