كنيته: أبو الطاهر. لقبه: المنصور. وكان والده ولاه عهده في رمضان ودعا على المنبر بإفريقية. وكان موالده بالمهدية سنة ٣٠٢ وولى وسنة اثنان وثلاثون سنة. وكان فصيحا بليغا.
[ ١ / ٢١٨ ]
وفي سنة ٣٣٥ وصل أبو يزيد إلى المهدية ثم نهض إلى سوسة فناوشه أهلها، فقيل فيه: (وافرا):
ألم بسوسة وبغى عليها ولكن الإله لها نصير
مدينة سوسة للغرب ثغرة يدين لها المدائن والقصور
لقد لعن الذي بغوا عليها كما لعنت قريظة والنضير
أعز الدين خالق كل شيء بسوسة بعدها التوت الأمور
فرفع أبو يزيد عنها، ورجع إلى المهدية، فلما وصل دفع حتى ضرب برمحه في بابها، فدخل راجل القصر على إسماعيل، فوجده يلعب بسلباحة في الصهريج. فقال له: (تلعب، وأبو يزيد يركز رمحه بالباب فقال له (أو قد فعل؟) قال: (نعم) قال: (والله لا عاد إليها أبدا! وقد جاء حتفه! كذا رأينا في كتبنا) ثم أمر في الحين بالركوب والخروج إليه.
وفي سنة ٣٣٦ من الهجرة، أمر المنصور أبو طاهر ببناء صبرة واختطها، وسماها المنصورية. قال البكري: ولم تزل المهدية دار ملك بني عبيد إلى أن سار منها أبو طاهر إلى القيروان بعد قتله لأبي يزيد، وبنى مدينة صبرة واستوطنها، وخلت أكثر أرباض المهدية وتهدمت. ونقل أبو طاهر سوقة القيروان إلى صبرة. وكان لها أربعة أبواب. وبينها وبين القيروان نحو نصف ميل. وكان من المهدية إلى مدينة سلقطة ثمانية أميال، ومنها زحف أبو يزيد إلى المهدية أيام حصاره. وكانت محلة أبي يزيد بترنوط. وفي كتب الحدثان: (إذا ربط الخارجي خليه بترنوط، لم يبق لأهل السواد محلول ولا مربوط) و(ويل لأهل السواد من محلة أبي كيداد) وامتحن أهل باجة أيام أبي يزيد بالقتل والسبي. وقيل في أبي يزيد رجز:
وبعدها باجة أيضا أفسدا وأهلها أخلى ومنها شردا
[ ١ / ٢١٩ ]
ولما عزم المنصور عل مقاتلته ومحاربته، أعطى جنوده، وحشد حشوده، وخرج إليه في العساكر. فمرت الهزيمة على أبي يزيد. وأمر إسماعيل الناس باتباعه إلى أن دخل بلاد كتامة. فتعلق بالجبل المعروف بحصن أبي يزيد، وأثخن بالجراح، وقبض عليه حيا، فجعل في قفص من حديد، وجيء به إلى المنصور إلى المهدية، فقتله، وصلبه على باب الذي ضرب فيه برمحه. قال القضاعي: مات أبو يزيد في محرم من سنة ٣٣٦ المذكورة. قال: وأمر بسلحه وحشي جلده قطنا، وصلبه. وقال أبو حمادة: ولما ظفر بأبي يزيد، نهض إلى القيروان، فدخلها في هذه السنة، فقتل من أهلها خلقا، وعذب آخرين، ولم يزالوا معه في الامتحان إلى أن هلك، قال القضاعي: وكان انتقال المنصور إلى المنصورية في سنة ٣٣٧.
وفي سنة ٣٣٩، تحرك أبو الطاهر المنصور بن أبي القاسم بن عبيد الله الشيعي إلى بلاد المشرق، ورد الحجر الأسود إلى مكانه من الركن من بيت الله الحرام، وذلك بعد خمسة أعوام من دولة المطيع. وكان الذي اقتلعه سليمان ابن الحسن القرمطي - لعنه الله - وفي سنة ٣١٧ في أيام المقتدر العباسي - ﵀ - والذي تولى قلعه بيده بأمر القرمطي جعفر بن أبي علا - لعنه الله - ولما مات القرمطي، وجه إخوته الحجر، فرد إلى موضعه في هذه السنة، ووضعه بيده الحسين بن المروذي الكناني وكان غينه الحجر من يوم قلعه إلى يوم رده اثنين وعشرين سنة أو نحوها. ورأى الحجر الأسود، في أيام ابن الزبير، ناصع البياض إلا وجه الظاهر. وكان اسوداده من لطخ المشركين له بدم القرابين، ولمسهم له بأيديهم، مع طول الدهر. قال الذهبي: حضرت يوم قلعه. يوم رده.
[ ١ / ٢٢٠ ]
وفي سنة ٣٤٠، ولي أبو الطاهر إسماعيل العبيدي ولده معدا المكنى بأبي تميم عهده. وخرج أبو الطاهر منتزها إلى جلولا، ورجع منها معتلا، وصلى عيد الفطر مريضا.
وفي سنة ٣٤١، توفي أبو الطاهر إسماعيل، الملقب بالمنصور، ابن أبي القاسم، والملقب بالقائم، ابن عبيد الله المهدي، وذلك منسلخ شوال من العام، وله تسع وثلاثون سنة. فكانت ولايته سبع سنين وخمسة عشر يوما. حاجبه جعفر ابن علي.
ثم ولي المملكة معد بن إسماعيل المعز لدين الله العبيدي وهو معد بن إسماعيل بن أبي القاسم بن عبيد الله. كنيته: أبو تميم. لقبه: المعز لدين الله. مولده: بالمهدية في رمضان من سنة ٣١٩. وولي، وله اثنان وعشرون سنة. وهو أول من ملك مصر بن عبيد الله، وذلك أنه لما توفي كافور الإخشيدي أمير مصر، بعث المعز لدين الله القائد أبا الحسن جوهرا إلى مصر. وكان جوهر غلام والده إسماعيل، وأصله رومي، جلبه خادم اسمه صابر، ثم انتقل إلى خفيف الخادم، فحمله إلى إسماعيل المنصور، فظهر عنده، فأرسله المعز بالعساكر إلى مصر، فافتتحها يوم الثلاثاء لسبع عشرة ليلة خلت من شعبان. وهرب أعيان الإخشيدية من مصر إلى الشام فبل وصول جوهر. وأقيمت الدعوة للمعز، يوم الجمعة الموفى لعشرين لشعبان من سنة ٣٥٨، في الجامع العتيق، وكان الخطيب أبو محمد الشمشاطي. ودعا له بمكة في موسم هذه السنة، ودعا أبو مسلم العلوي بالمدينة للمعز. وسار جعفر بن فلاح إلى الشام، وقبض على الحسين بن عبد الله، وأنفذه إلى جوهر، فأنفذ جوهر الحسين المذكور مع جماعة من الإخشيدية مع هدية إلى المعز، فوصلت إلى أفريقية مع ولده جعفر في رجب من سنة ٣٥٩.
[ ١ / ٢٢١ ]
وفي سنة ٣٤٢، فلج خطيب القيروان على المنبر ومات وتمم الخطبة أبو سفيان الفقيه.
وفي سنة ٣٤٤ ولد للمعز أبي تميم ولد سماه نزارا.
وفي سنة ٣٤٦ ولي مدينة سبتة وال من قبل الناصر عبد الرجمن، أمير الأندلس، وأمره بتحصينها وبناء سورها، فبناه بالكدان.
وفي سنة ٣٤٧، دخل جوهر قائد أبي تميم إلى المغرب، واستولى على مدينة فاس. ثم توجه إلى تيطاون، ووصل إلى مضيق سبتة فلم يقدر عليها ورجع عنها وقصد بعساكره إلى سلجمانة، فر أمامه صاحبها محمد بن الأمير الفتح وتحصن في حصن على اثني عشر ميلا من سجلماسة، بأهله وماله وبعض أصحابه. وكان يلقب الشاكر لله، وقد تقدم بعض خبره. واستولى جوهر على سلجمانة، فملكها. وخرج محمد بن الفتح من الحصن في نفر يسير ليتعرف الأخبار، مستترا. فغدره قوم من مدغرة عرفوه، وأتوا به إلى جوهر، فقتله في رجب. وبقى جوهر في الغرب نحو سنة. وتوجه إلى أفريقية.
وفي هذه السنة وصل إلى قرطبة الحسن بن قنون من بني إدريس، فارا بنفسه أمام جوهر قائد أبي تميم المذكور. وكان بنو محمد بن القاسم من بني إدريس بن إدريس أجمعوا على هدم تبطلون، فهدموها، ثم ندموا على ذلك، وشرعوا في بنائها، فضج أهل سبتة لذلك لأن بنائها ضرر بهم فبعث إليهم عبد الرحمن الناصر جيشا برسم محاربة بني محمد، قوّد على الجيش أحمد بن يعلي. وكتب الناصر إلى حميد بن يصال صاحب تيكياس وتلك الجهات كلها، أن يعين القائد المذكور على بني محمد فتخلى بنو محمد عن بناء تيطلون لما اجتمع العسكران عليهم، وبعثوا أولادهم مراهن إلى قرطبة.
[ ١ / ٢٢٢ ]
وفي سنة ٣٤٨، وصل كتاب صاحب سبتة إلى أمير الأندلس عبد الرحمن الناصر، يعرفه بما فتح عليه في عسكر جوهر قائد الشيعي.
وفي سنة ٣٤٩، وجه أبو تميم المعز لدين الله القاضي إلى أئمة المساجد والمؤذنين يأمرهم إلا يؤذنوا إلا ويقولوا فيه: (حي على خير العمل) وأن يقرؤوا (بسم الله الرحمن الرحيم) في أول كل سورة، ويسلموا تسليمتين، ويكبروا على الجنائز خمسا ولا يؤخروا العصر، ولا يكبروا بالعشاء الأخيرة ولا تصيح أمرأة وراء جنازة، ولا يقرأ العميان على القبور إلا عند الدفن.
وفي سنة ٣٥٠، توفي حسين ابن أحمد بن إبراهيم بن محمد بن إدريس والحسني بقرطبة، وكان رهينا بها. وخلف ابنين يسميان محمدا وحسينا، فلم يزلا مستقرين بقرطبة إلى خلافة الحكم، فبعثهما إلى إخوانهما فوصلا في رجب سنة ٣٥٩ واستقرا ببلاد الغرب.
وفي سنة ٣٥١، أخذ الروم مدينة المصيصة ومدينة طرسوس، واستولوا عليهما.
وفي سنة ٣٥٢، وفد على الحكم المستنصر بالله أبو صالح زمور البرغواطي رسولا من أمير برغواطة أبي منصور بن أبي الأنصار، وذلك في شهر شوال من هذه السنة. وكان المترجم عنه باللسان العربي عيسى بن داود المسطاسي فسأله الحكم عن نسب برغواطة ومذهبهم، فأخبره.