وهو مولى بن سلول وكان رئيسًا نبيلًا وأميرًا جليلًا بارعًا في الفصاحة والخطابة حافظًا لأيام العرب وأشعارها ووقائعها فقدم أفريقية في ربيع الآخر من سنة ١١٦ وهو الذي بنى المسجد الجامع ودار الصناعة بتونس وكان أول الأمر كاتبًا ثم تناهت به الحال إلى ولاية مصر وأفريقية والأندلس والمغرب كله فاستخلف على مصر ابنه القاسم واستعمل على الأندلس عقبة بن الحجاج السلولي واستعمل على طنجة وما والاها من المغرب الأقصى ابنه إسماعيل ثم عمر بن عبد الله المرادي.
وبعث حبيب بن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع الفهري غازيًا إلى السوس الأقصى فبلغ أرض السودان ولم يقابله أحد إلا ظهر عليه ولم يدع بالمغرب قبيلة إلا داخلها وأصاب من السبي أمرًا عظيمًا ووجد جاريتين ليس لكل واحدة منهما إلا ثدي واحد ثم رجع سالمًا ظافرًا فغزا صقلية وظفر بأمر لم يره مثله.
ثم أن عمر بن عبد الله المرادي عامل طنجة وما والاها أساء السيرة
[ ١ / ٥١ ]
وتعدى في الصدفات والعشر وأراد تخميس البربر وزعم أنهم فيء المسلمين وذلك ما لم يرتكبه عامل قبلة وإنما كان الولاة يخمسون من لم يجب للإسلام فكان فعله الذميم هذا سببًا لنقض البلاد ووقوع الفتن العظيمة المؤدية إلى كثير القتل في العباد نعوذ بالله من الظلم الذي هو وبال على أهله.
فلما علم البربر خروج حبيب بن أبي عبيدة إلى بلاد الروم نقضوا الطاعة لعبيد الله بن الحبحاب بطنجة وأقاليمها وتداعت برابر المغرب بأسره فثارت المغرب بالمغرب الأقصى فكانت أول ثورة فيه وفي أفريقية في الإسلام.
وفي سنة ١٢٢ كانت ثورة البربر بالمغرب فخرج ميسرة المدغري وقام على عمر بن عبد الله المرادي بطنجة فقتله وثارت البرابر كلها مع أميرهم ميسرة الحقير ثم خلف ميسرة على طنجة عبد الأعلى بن حديج وزحف إلى إسماعيل بن عبيد الله بن الحبحاب إلى السوس فقتله ثم كانت وقائع كثيرة بين أهل المغرب الأقصى وأهل أفريقية يطول ذكرها وكان المغرب حينئذ قوم ظهرت فيهم دعوة الخوارج ولهم عدد كثير وشوكة كبيرة وهم برغواطة وكان السبب في ثورة البربر وقيام ميسرة إنها أنكرت على عامل ابن الحبحاب سوء سيرته كما ذكرنا وكان الخلفاء بالمشرق يستحبون طرائف المغرب ويبعثون فيها إلى عامل أفريقية فيبعثون لهم البربر السنيات فلما أفضى الأمر إلى ابن الحبحاب مناهم بالكثير وتكلف لهم أو كلفوه اكثر مما كان فأضطر إلى التعسف وسوء السيرة فحينئذ عدة البرابر على عاملهم فقتلوه وثاروا بأجمعهم على ابن الحبحاب.
وكان لعبيد الله بن الحبحاب أولاد قد أعجبتهم أنفسهم قدم عقبة بن الحجاج عليهم وكان أبو عقبة قد عانق الحبحاب والد عبيد الله فلما دخل
[ ١ / ٥٢ ]
عقبة على عبيد الله وأقعده على سريره فلما خرج عقبة من عنده أنكر عليه ذلك أولاده فقال لهم: (ما رأيكم) فقالوا (إن تعطيه شيئًا وتصرفه عنا فلا يكسر شرفنا فقال لهم: (نعم) فلما كان في غد أمر الناس فدخلوا عليه ودخل عقبة في جملتهم فقام إليه وأجلسه على سريره ووقف قائمًا فقال: (أيها الناس إن بني هؤلاء غرتهم غرة الشيطان لعزة السلطان وأرادوا أمرا أخرج به عن الحق وأنكروا ما رأوا من بري بهذا الرجل وإنما أخبركم أنه مولاي وأن أباه أعتق أبي وإن أكره كتمان أمر الله - سبحانه - شهيد به علي) ثم خير عقبة في ولاية ما شاءه من سلطانه فاختار الأندلس فولاه عليها وذلك في سنة ١١٦ وأقام بها إلى سنة ١٢١ وقام عليه عبد الملك بن قطن الفهري فخلعه وقيل: بل هو استخلفه.
رجع الخبر إلى ميسرة المدغري رأس الصفرية أمير الغرب: لما بلغ عبيد الله بن الحبحاب قتل عامله وولده كتب إلى حبيب ابن أبي عبدة يأمره بالرجوع من صقلية ليأخذ في الحركة مع أهل أفريقية إلى ميسرة وولى ابن الحبحاب على عسكر أفريقية وأشرافهم ووجوههم خالد ابن أبي حبيب الفهري فشخص إلى ميسرة ووصل حبيب ابن أبي عبدة في أثره وسار خالد حتى عبر وادي شلف وهو بمقربة تيهرت ثم قدم حبيب فنزل على مجاز الوادي المذكور فلم يبرح منه ومضى خالد من فوره حتى لقي ميسرة بمقربة من طنجة فاقتتل معه قتالًا شديدًا لم يسمع قط بمثله ثم انصرف ميسرة إلى طنجة فأنكرت البربر عليه سوء سيرته وتغيره عما كانوا بايعوه عليه.
قال الرفيق: وكان ميسرة قد تسمى بالخلافة وبويع عليها فقتلوه وولوا أمرهم بعده خالد بن حميد الزناتي فالتقى خالد بن أبي حبيب بالبربر فكان بينهم قتال شديد فبينا هم كذلك إذ غشيهم خالد بن حميد الزناتي من خلفهم
[ ١ / ٥٣ ]
بعسكر عظيم، فتكاثرت عليهم البربر؛ فانهزم العرب وكره خالد بن أبي حبيب أن يهرب؛ فألقى بنفسه هو وأصحابه إلى الموت أنفة من الفرار. فقُتل ابن أبي حبيب ومن معه، حتى لم يبق من أصحابه رجل واحد. فقُتل في تلك الوقعة حماة العرب، وفرسانها، وكماتها، وأبطالها؛ فسميت الغزوة غزوة الأشراف؛ فانتفضت البلاد. وبلغ أهل الأندلس ثورة البربر؛ فوثبوا على أميرهم؛ فعزلوه وولوا عبد الملك بن فطن. فاختلت الأمور على ابن الحبحاب؛ فاجتمع الناس عليه وعزلوه. وبلغ ذلك الخليفة هشام بن عبد الملك فقال: (والله لأغضبن لهم غضبة عربية ولأبعثن جيشًا أوله عندهم وآخره عندي) ثم كتب إلى ابن الحبحاب بقدومه عليه؛ فخرج في جمادى الأولى من سنة ١٢٣.