ثم قامت الثورة العربية الكبرى في مصر، في عام ١٩٥٢، فحققت - لأول مرة في تاريخ النضال العربي - آمال الأمة العربية التي تعلقت بها وطمحت إليها منذ أن بدأ الكفاح العربي في التاريخ. فقد أتيح لها - بقيادة البطل العربي جمال عبد الناصر - من الإدراك العميق للإرادة الشعبية الخالصة، والفهم الأصيل لتاريخ النضال العربي وحقيقة مطالبة وأهدافه، ما مكنها من أن تضع يدها على رغبات الشعوب العربية، وتحدد أهدافها، وترسم وسائل الإصلاح، في سياسة عربية مبنية على التوجيه المنهجي، والتنظيم الواضح المرسوم، والمثابرة الجادة في الكفاح.
أ - قضت الثورة على النفوذ الأجنبي في شتى مظاهره، فطردت العناصر المحتلة من مصر، فعادت السلطة الحاكمة عربية كما كانت في العصور العربية الزاهرة. والتزمت موقف الحياد من دول الشرق والغرب، حتى تتحقق حرية العمل على أساس المصلحة العربية وحدها. وعكفت على إصلاح ما خلفته العهود السابقة من آثار التحكم والإقطاع فوضعت نظامًا اشتراكيًا عربيًا.
[ ١٢١ ]
ب - وأعلنت الثورة أن الوطن العربي رقعة جغرافية واحدة تمتد من الخليج العربي إلى المحيط الأطلسي، وأن بين شعوبه من التقارب والالتقاء ما يؤكد أنهم جميعًا أمة واحدة. ولدينا فيما أوردناه في كتابنا هذا مثل حي للأواصر الوثقى التي ربطت بين شطري وادي النيل: مصر والسودان، وهما يؤلفان جزءًا من الوطن العربي الأكبر. وليس من شك في أن المستودع الأول، في شبه الجزيرة العربية، الذي أمد شطري الوادي بالعناصر العربية منذ عصور الجاهلية، هو نفسه الذي أمد بلاد المغرب كلها في إفريقية، وبلاد الشام والعراق في آسيا. والملاحظ أن القبيلة الواحدة، كانت تتوزع على هذه المواطن كلها أو معظمها، وأن الأسرة الواحدة كثيرًا ما تفرق أفرادها على رقعة هذا الوطن. وهذا يعني أن أواصر القربى قد ربطت بين هذه المواطن ربطًا وثيقًا. وفوق هذا كله، فإن اللغة بين هذه البلاد واحدة، وجوهر الثقافة مشترك، والإرادة الشعبية واحدة، والكفاح في تاريخه الطويل كان يهدف إلى الحرية العربية في كل مكان. وكانت النتيجة الطبيعية التي لا محيص عنها هي أن العرب جميعًا قومية واحدة، هي القومية العربية. غير أن حكام العهود السابقة قد عملوا على تمزيق أوصال الوطن العربي، وتفتيت القومية العربية أو صرف الناس عنها بوسائل شتى حتى يضللوهم عن حقيقة هي أظهر من فلق الصبح. ولسنا بحاجة إلى القول بأن المؤثرات الدخيلة التي جلبها المستعمرون ودعاة الفُرقة إلى الوطن العربي، لم تكن - في حقيقة الأمر - سوى عوائق مؤقتة، لم تلبث أن تزول بزوال أسبابها. ولقد علمَنا التاريخ أن إرادة الشعوب لا بد أن تنتصر. وعندما تحررت إرادة الشعبين المصري والسوري من تلك المؤثرات، فسرعان ما التقى الشعبان، في تجاوب عميق وامتزاج رائع.
[ ١٢٢ ]
ج - مضت حكومة الثورة قدمًا في تصنيع البلاد، وفتح أبواب الصحراء، ونشر الوعي القومي في جميع الأنحاء، وبهذا كله عالجت الثورة مشكلة الصحراء التي خلفها النفوذ الأجنبي في العهود السابقة. ومن المفيد أن ننقل فيما يلي طرفًا من حديث للسيد مدير سلاح الحدود في هذا الشأن، قال: ظلت الصحراء بخيرها وكنوزها في عزلة عن الوادي، تسير حياة الناس فيها من سيئ إلى أسوأ، حتى قامت الثورة لتحرير كل شبر من أرض الوطن، ولتحقيق المساواة بين جميع أفراد الوطن، ولاستغلال كل مورد وكل ثروة لخير كل أبناء هذا الوطن، فكان اتجاه الثورة إلى فتح أبواب الصحراء منذ ٢٩ أبريل ١٩٥٣، حينما صدر مجلس الوزراء قرارًا بأن تتسلم كل وزارة من وزارات الدولة اختصاصها في المحافظات الصحراوية، لتؤدي لأهليها نفس الخدمات التي تؤدى لسكان البلاد الداخلية.
" وبدأت التجربة بفتح الطرق إلى الصحراء الجنوبية فتحولت في سنوات قليلة إلى " الوادي الجديد " من أجل زراعة ثلاثة ملايين ونصف مليون فدان، ومن أجل استغلال الفحم والفوسفات في الواحات الخارجة والداخلة، ومن أجل استغلال الحديد في الواحات البحرية ". " ثم امتدت التجربة إلى الصحراء الغربية، فكانت مشروعات المراعي، والتنقيب عن البترول؛ وبدأ تعمير الشاطئ الأبيض من العمرية حتى السلوم ". " ثم كان فتح الطريق من السويس إلى شواطئ البحر الأحمر؛ لتأخذ الشركات العربية الحرة نصيبها من البترول والمعادن، ولتبدأ البلاد في استغلال الثروة السياحية والثروة السمكية الضخمة في هذا الشاطئ المعروف في العالم باسم شاطئ المرجان ". " وقد رأت حكومة الثورة الأخذ بالتدرج في فتح مناطق الصحراء، حتى يستكمل سلاح الحدود جميع إمكانياته لحفظ الأمن في هذه المناطق، وحتى يتحول من جهاز للحكم إلى جهاز للخدمة، ودليل إلى مراكز الثروة، وداع لكل المواطنين وكل السائحين إلى ارتياد الصحراء ".
٢ ١
[ ١٢٣ ]